السبت 23 آب (أغسطس) 2014
الأوان من أجل ثقافة علمانية عقلانية
الصفحة الرئيسية > بوابة الأوان > من سينما “الفردوس” إلى بطرسبورغ: بغداد التي تقتفي أثر “الدكتور (...)

من سينما “الفردوس” إلى بطرسبورغ: بغداد التي تقتفي أثر “الدكتور زيفاكو” / فاروق يوسف

الثلاثاء 12 كانون الثاني (يناير) 2010
، بقلم   

شارك اصدقاءك هذا المقال



بحسب جورج سادول، أحد أشهر مؤرخي السينما، فقد كان في بغداد 82 داراً للعرض السينمائي. يومذاك كانت المدينة أصغر مساحة وأقل سكانا. لكن تلك المدينة، العاثرة الحظ وقد خيّم عليها ليل الاحتلال، صارت اليوم تخشى النظر في العتمة إلى ما يهندس أحلامها: ذلك الضوء المقبل من الخيال. اختفت دور السينما فانهار عالم مجاور كان العراقيون يلجأون إليه ليمتصّ شيئا من ولههم المجنون بالحياة.

“أم الهند”

“أجل، انها هناك. سينما الفردوس على الناصية. لن تخطئها العين. بالضبط في الركن الأيسر من الساحة”، يقول لي أحمد وهو يحدثني عن “أم الهند”. “هل رأيته؟”، يقصد الفيلم. أهزّ رأسي بالنفي، فيفتح ذراعيه يائساً: “أنت لم تر شيئا”. كان الفتى البدين الذي نلقبه بـ“الحجّي” (الحاج) لأنه ذهب مع والديه قبل العيد الكبير إلى مكة، يعذّبني وهو يكشف لي عن جهلي بجغرافيا بغداد. في اليوم التالي كنت قادما من “سوق الصدرية” منتشيا بعطر الفواكه المستقدمة للتوّ من الحقول، حين كان عليَّ الانحراف في اتجاه اليمين حيث “شارع الكفاح”. رفعتُ رأسي فرأيتُ صورة تلك الأم تملأ الفضاء. مرات عديدة عبرت من أمامها من قبل من غير أن أرفع رأسي إليها. هي ذي “أم الهند” إذاً. ولكن الأهم أن سينما “الفردوس” كانت هناك فعلاً. بأنفاس متقطعة، لاهثاً وخائفاً وقفتُ وأنا أنظر الى تلك الصورة. كنت في حاجة الى خطوات لا أملكها. كدت أن أبكي. صوت صاحبي المتشفي كان يملأ أذني ولم أغادر مكاني. لم تكن لديَّ خطوات أضافية تعينني على عبور الساحة في اتجاه الجهة التي تقع فيها بناية السينما. بيدي سلة امتلأت بالخضروات وعيني تضبّبها الحيرة. بخط منغّم كبير كُتب اسم السينما. قرأتُ بصوت عال لأتأكد: “سينما الفردوس”. سمعني أحد العابرين فوقف يتأملني. لم ألتفت إلى الرجل إلا متأخرا، فيما كنت أقول لنفسي: “الحجّي يأتي إلى هنا حين يغيب من المدرسة إذاً. كل الوقائع التي يرويها لنا تحدث وراء ذلك الباب الخشبي المزخرف. في العتمة، حيث يجلس أناس لا يجمع بينهم شيء سوى الرغبة في أن يتعرفوا الى أسرار تلك العائلة الحزينة التي تقيم في بلد بعيد. كان يقول لي:”لا يكفي أنك تعرف غاندي لتقول إني أعرف الهند“. كان الحاج يسخر مني وهو يزيح خريطة العالم بعيدا.”هنا تقع الهند“. لم أقلها له، فقد كان يختفي بسرعة. انتبهتُ إلى أن الرجل لا يزال واقفاً قريباً مني وهو يحدق اليَّ بألفة:”ألم تعرفني؟ ولكن ما الذي جاء بك إلى هنا؟".

كانت تتنازعني رغبتان في تلك اللحظة المتشنجة: رغبة في الفرار خوفاً من هذا الرجل الذي لا أعرفه، ورغبة في البقاء واقفاً أمام صورة “أم الهند” التي كانت تشبه الخريطة. “ما بك فاروق. أنا تحسين إبن أم تحسين، صاحبة المتجر، جارتكم”. لحظتذاك شعرتُ بالأمان. أعرف أم تحسين ولكنني لم أر تحسينا هذا من قبل. في الحقيقة لم أكن متأكدا أصلاً من وجوده. ولم أفكر يوما أن أم تحسين من أجل أن تُسمّى بذلك الاسم في حاجة إلى أن يكون تحسين موجودا. “هل رأيت أم الهند؟”، سألته، فضحك: “أنا أحب أفلام الكاوبوي. الأفلام الهندية تكذب كثيرا وهي تدعو الى البكاء”. لم أفهم، ومشيتُ معه إلى البيت. لم يكف تحسين عن الكلام غير أنه لم يقل لي شيئا عن أفلام الكاوبوي التي يحبها. لم أسأله خشية أن يسخر من جهلي كما يفعل “الحجّي”، غير أني كنت أنتظر. يومذاك كان “شارع الكفاح” هو الشارع الأكثر صخبا في بغداد.

مجرة التوابل

“أتركيه إلى جانبي ينير المكان. ألم يقل لك أحد من قبل أن في بيتكم قمراً؟ ما شاء الله. أتفاءل به كلما رأيته. سيزداد ببركته عدد المشترين بالنقدي هذا اليوم”. كانت لها غمازتان ووجه مدوّر وردي واصابع ممتلئة وحاجبان رفيعان كما لو انها رسمتهما بالقلم. أم تحسين تربّت كتف أمي وهي تودعها: “اذهبي إلى السوق بالسلامة”. كانت أم تحسين تغنّي وهي تستقبل زبائنها وتودعهم. “خلي اللي يلوم يلوم قلبي يحبه/ شلها غرض ها الناس كلمن بدربه”، كانت تنشد مبتسمة وتلتفت إليَّ: “نوحي نوحي على العافوج يا روحي نوحي”. وتستمر في الغناء. حين لا يكون هناك زبائن، تعود أم تحسين إلى مقعدها إلى جانبي ضاحكة وهي تقول: “البغادلة (البغداديون) يحبّون يوسف عمر. بيني وبينك هو رجال صدك”. أومئ برأسي موافقا فيشرق وجهها وترتفع غمازاتها: “مثل ابيك ستقفز أسيجة البيوت حين تكبر”. لم أفهم. جاءت زبونة فقطعت كلامها وركضت إليها: “نومي بصرة لو ليمون دوزي. لم أسمعك جيدا”. ضحكت الزبونة بصوت عال: “لو كل الناس مثلج أم تحسين لعشنا مرتاحين. الله يسهل عليج”. كنت أنظر إليها من الخلف بعينين حييتين. كانت جدتي تقول عنها دائما: “خوش مرة ولا سبع ارجال”. أستمع إليها وهي تصف بهاراتها لزبوناتها بخبرة من زرعها ومن انتقاها ومن مزجها ومن طبخها ومن تذوقها. تعود إليَّ: “لا تصدّق كل ما أقول. لقد تعلمت أن أغنّي بالهندي أيضا”. لم استطع السيطرة على نفسي فضحكت. “ألا تصدّق؟ أجا جا. أجا جا”. أضحك وهي تقرّب وجهها من وجهي، وكل جزء من ذلك الوجه الممتلئ يتحرك بانفعال قوي. “أجا جا أشهر شيء في الهند. حتى أشهر من نهرو. أتعرفه؟”.

كانت المرأة تتعب فتجلس لاهثة كما لو أنها جاءت راكضة وتضرب بيديها على ركبيتها مرات وهي تقول: “الزمن صعب يا وليدي. ذهب أبو تحسين إلى فلسطين ولم يعد. يقال إن له قبرا هناك. لم يترك لي أرثا سوى ذلك المتر في فلسطين. ومن يومها وأنا أكافح من أجل أن أعيش حياة كريمة”. تذكرت ما تقوله جدتي عنها: “خوش مرة”. لم أسألها: لِمَ ذهب زوجها إلى فلسطين؟ كان عليَّ أن أنتظر بضع سنوات لأفهم ما الذي تعنيه فلسطين بالنسبة الى العراقيين. وهنا يعلو صوتها: “نوحي نوحي على العافوج يا روحي نوحي”. وتدمع عيناها. بكاء أم تحسين لا يستمر طويلا. يشبه بكاء العراقيين الذي قد ينتهي إلى ضحك، أو يشبه ضحكهم الذي قد ينتهي إلى بكاء. شيء حميمي منهم يقيم في المسافة التي تقع بين المنطقتين. كنت أنظر بانبهار إلى التوابل في أكياسها الكبيرة المصنوعة من الخيش وعلبها المعدنية. انعكست الألوان القوية في عيني فشعرت بالنعاس. نمت ورأيت “الحجّي” في منامي وهو يرقص ويغنّي “أجا جا. أجا جا”.

سينما “الفردوس”

كان علينا أن نخترق “البتاوين” لنصل معاً إلى “ساحة الطيران”. حينذاك نفترق. يذهب “الحجّي” في اتجاه “شارع الشيخ عمر” حيث بيت أهله الذي يقع في أحد الأزقة التي تصل ذلك الشارع بـ“شارع الكفاح”، فيما أنا أعبر الشارع في اتجاه “محلة الصنم”. مشينا هذه المرة صامتين. كنت أود لو حدّثني عن “أم الهند” لأغنّي له بالهندي ولأحدثه عن إعجابي بأفلام الكاوبوي، غير أنه ظل صامتا. “رأيت أخيرا سينما الفردوس”، قلتُ قاطعاً الصمت. لم يقل كلمة ولم ينظر إليَّ. ظل صامتا ينظر إلى الأرض وهو يمشي. حين وصلنا إلى النقطة التي يجب أن نفترق فيها رفع وجهه ونظر في عيني: “قد لا تراني مرة أخرى. غداً سنغادر إلى البصرة”. قلت ممازحاً: “هناك هنود كثيرون”. أجابني: “أنا جاد. لقد نُقل أبي إلى البصرة”. لم أصافحه ولم أقبّله. مشى في طريقه فيما بقيت أنظر إلى ظلّه البدين مثله. فجأةً عاد إليَّ راكضا وهو يصرخ: “ارجوك فاروق سامحني. لقد كذبتُ عليك. الكذب حرام. أنا لم أر فيلم”أم الهند“ولم أدخل إلى سينما الفردوس. بل أخي الكبير هو الذي روى لي الحكاية”. وغادرني راكضاً. شعرتُ بالألم حينذاك. لو أن تلك الكذبة استمرت لوجدتُ في ذهابي الى سينما “الفردوس” معنى مختلفا. بعد سنوات وقد صرت شاباً، جلستً وحيدا على مقعد في قاعة معتمة لأشاهد أحد الأفلام الهندية. كانت القاعة فارغة تقريبا. همسٌ مثل مشي فئران على أرض من القش، كان يمتزج بأصوات الممثلين.

لم أكن أنظر إلى الشاشة أمامي بقدر ما كنت أحاول أن اقتفي أنفاس تلك الكائنات التي تخيّلها صديقي حاضرة إلى جواره وهي تتابع أحداث فيلمه المفضل “ام الهند”. حين تحول الهمس أنيناً شهوانياً خافتاً، غادرتُ القاعة. كنت يومذاك في سن تؤهلني لمعرفة ما كان يحدث من حولي. حين خرجتُ من قاعة السينما وقع نظري على المكان الذي وقفتُ فيه قبل سنوات وأنا أقرأ اسم السينما مكتوبا بخط أنيق. ترددتُ كثيرا قبل أن أغادر مكاني. كما لو أني تركتُ شيئا ورائي في القاعة. هل كان “الحجّي” معي؟ كانت خريطة الهند لا تزال على المنضدة كما تركناها يوم كنا صغارا. عندما التقيه لن أقول له أن سينما “الفردوس” صارت ملتقى للمثليين. ولكن ما لم أتوقعه يومذاك أن أرى تحسين مرة أخرى لكن بظروف مختلفة. كان يجلس على كرسي بعجلتين. اقتربتُ منه ووقفتُ إلى جانبه فلم يتعرف اليَّ. نظر إليَّ بإهمال والتفتَ إلى الجهة الأخرى. قلت له: “تحسين. أنا فاروق إبن أبي فاروق جاركم القديم. ألم تعرفني؟”. حرّك عجلتي كرسيه وعبر الشارع. كانت الحرب يومذاك قد ملأت شوارع بغداد بشباب فقدوا الرغبة في الالتفات الى الماضي. لم أتابع النظر إليه، لأني في تلك اللحظة تخيّلتُني جالسا مثله على كرسي بعجلتين فشعرتُ بالفزع.

المربّع الخيالي

“روكسي”، “ركس”، “علاء الدين”، “الخيّام”، “السندباد”، “الحمراء”، “الرصافي”، “غرناطة”، كلها اسماء لدور سينما يضمها كيلومتر مربّع واحد يمتد ما بين “شارع الرشيد” و“حديقة الأمة”، صار يفتنني التنقل بينها على التوالي مزهوا بشغفي بالحكايات، لكن ذلك لم يحدث إلا في مرحلة لاحقة. لقد أمضيت سنوات وأنا أمر من أمام سينما “الفردوس” متطلعا إلى اسمها الذي كنت اقرأه بصوت عالٍ من غير أن أجرؤ على الاقتراب من الخزانات الزجاجية الملتصقة بالحائط. مشهد تلك الخزانات رافقني إلى أحلامي زمناً طويلا. صور، غير أنها لا تُرى بمفردها. حين وقفتُ في طابور لشراء تذكرة دخول إلى سينما “الفردوس”، اكتشفتُ أني تأخرتُ كثيرا. كان هناك اولاد أصغر مني في السن يقفون في ذلك الطابور بخبرة ودراية بما يفعلون. أزعجني ارتباكي يومذاك. في التجربة الأولى لم ترق لي عتمة السينما غير أني صبرت. ومع ذلك فقد درجتُ في السنوات اللاحقة على عادة الذهاب إلى السينما هربا من المقهى ورغبة في عزلة مثمرة. لي تجربة سيئة في الذهاب إلى المقاهي. ففي سن مبكرة من شبابي ذهبتُ برفقة أحد أصدقائي الرسامين إلى مقهى “أم كلثوم” الذي كان يقع قريبا من “ساحة الميدان”. كان مشهد الناس الجالسين كما لو أنهم منحوتات حجرية وُضعت على الارائك الخشبية، قد أصابني بالهلع. علينا أن نتخيل الموسيقى وهي تمر بتلك المنحوتات لتسيل عليها من غير أن تجد ثغرة واحدة تتسلل من خلالها الى الاعماق. كانت أم كلثوم وحدها في الهواء طوال الوقت. صوتها يدور بين تلك الجثث، يصطدم بالجدران ويعود إلى مكانه. يشرب الشاي الثقيل. يتعذب ويعذّب. ينأى ويقترب. يومذاك شعرتُ بأني اشارك في حفلة تعذيب. شاي ثقيل وسوط هواء لا يتوقف عن الضرب. لم تتوقف الحفلة الا حين سقط جزء من السقف على عدد من الجالسين. من حسن الحظ كان ذلك السقف عبارة عن أعمدة من خشب وبُسط من القصب وطين. سقط السقف فارتفعت غيمة من غبار من حولنا ولم تضرب الاعمدة أحدا. هربتُ مع الهاربين المذعورين وغادرتُ عالم المقاهي البغدادية إلى الأبد.

كانت بغداد يومذاك مكتظة بدور السينما. سينما “الفردوس” كانت بعيدة عن ذلك الكيلومتر المربّع الذي شهد شغفي بالسينما. كنت أتنقل بين دور العرض كمن يؤدي واجبا. أنظر إلى ساعتي لأتأكد من الوقت. قد يبدو غريبا أن ولعي بالسينما بدأ من التأثير البصري الذي مارسه عليَّ مبنى سينما “روكسي”. كان هناك في بداية “شارع الرشيد” بالقرب من “أسواق حسو إخوان” من جهة ابي نواس، مجمّع سينمائي يضم ثلاث دور للعرض السينمائي: “روكسي” هي واحدة منها اما الثانية فقد كانت تُدعى “ركس” والثالثة لم أعد أتذكر اسمها. كنت أرى في ذلك المجمّع حصنا تاريخيا يذكّرني ما إن أدخل إليه بأزمنة الـ“روكوكو”. هندسة معمارية غريبة عن كل ما حولها، بأبواب مطوقة بالزخارف، على الرغم من أن مواد البناء كلها كانت زائفة إذا ما استحضرنا عصر الـ“روكوكو”. لا يزال اللون الرمادي الذي صبغت به الجدران الخارجية لذلك المجمّع يوقظ في أعماقي متعة انتظار الدخول إلى قاعة العرض، وهي متعة كانت تهيئني لاستقبال عالم ارتضيتُ أن يكون ملاذي الذي الجأ إليه هرباً من خلوّ حياتي من الاحداث العاصفة. في سينما “روكسي” وقد اعتدتُ الذهاب إليها، نسيتُ تلك الأنّات الشهوانية التي سمعتها في سينما “الفردوس”. كنت اغمض عينيَّ على المشاهد الأولى لتمتزج حياتي المتخيلة بحياة لم يعشها أحد اعرفه. وحدهم الممثلون يعيشون تلك الحياة التي تلخص في ساعتين معنى أن يعيش المرء جوهر الحقيقة. امتزجت الحيلة الفنية برغبتي المحتدمة في أن يقف المرء على حافة عالم مختلف، وإن كان ذلك العالم غير حقيقي. لم أكن معنياً بالرواية بقدر عنايتي بالمشاهد، بعضها على الأقل. كنت ألصق تلك المشاهد، بعضها بالبعض الآخر، بل كنت ألصق فيلماً بآخر لأنتج منهما حكايتي الافتراضية. هذا الولع العبثي بالتأليف السينمائي الذي كان يجري مثل مياه الينابيع في ممرات مفتوحة، لم يتوقف إلا بفعل صدمة صنعها “الدكتور زيفاكو”.

زيفاكو وبوفاري وبغداد

حين خرجتُ من سينما “غرناطة” لم أنظر إلى ساعتي. كنت أشعر بالبرد، فقد تسلل ثلج روسيا إلى أعماقي وكنت حزينا. “كيف يمكن المرء أن يتحاشى الموت وهو يطارد شبح المرأة التي يحب؟”. بلاد زيفاكو كلها كانت مرمية أمامي. خطواته على الثلج امتزجت بخطواتي فكنت أمشي بحذر. سكنني زيفاكو، بحيرته وحرقته وتمرده وتوتره واشتياقه ولوعته وشعوره العميق بالعدم. كنت شخصا آخر غير ذلك الشخص الذي دخل إلى قاعة السينما وهو يفكر في الذهاب إلى عرض سينمائي آخر. لم يعد الموضوع يتعلق بحكاية ستنضم إلى عالم الحكايات التي يتداخل بعضها بالبعض الآخر. بضربة واحدة محا زيفاكو ذاكرتي السينمائية كلها. كنتُ الدكتور زيفاكو في اضطرابه. مشيت كالتائه. كان الباب الشرقي من حولي من كل الجهات. باب لبغداد المتخيلة، تلك البغداد المقيمة في عصرها الذهبي هي نقيضة بطرسبورغ التي عاش فيها زيفاكو.

تمنيت لو كان زيفاكو مواطنا بغداديا من تلك الأزمنة التي كان لبغداد فيها باب شرقي. باب تطل “دار السلام” من خلاله على العالم لتترجمه بلغة الرحمة والارادة المعرفية النقية. مشيتُ بقدمَي زيفاكو إلى البيت. لم أتذكر لحظتذاك صاحبي “الحجّي”. كنت أقرأ أشعار زيفاكو المنسية في دفتر تركه في البيت الذي عاد إليه هالكا ولم يجد فيه لارا. اشعار كتبها من أجل لارا في أوقات سابقة. ملأ الشعر الحكاية. أخرجني ذلك الفيلم من الحكاية إلى الشعر. حين وصلتُ إلى “حديقة الامة” خُيل إليَّ أني أرى أشباح أبي نواس وبشار بن برد وأبي العتاهية وأبي حيان التوحيدي وهي تقف على الجسر لترمي فتات الخبز إلى البط. “ربما يكون أبو حيان هو الأقرب إليك من جهة شعوره بالعدم”: لم أقلها لزيفاكو، فقد كان الرجل ميتا. اخترقتُ “حديقة الأمة” وفي أقدامي رغبة وحيدة: الذهاب إلى البيت. الان يمكنني القول إنني عشت في ذلك اليوم انهيار عالم قديم. ذلك العالم الذي صنعته الحكايات السينمائية لم يعد موجودا. بسبب زيفاكو اكتسبت مخيلتي عادات جديدة. سيكون عليَّ أن أمحو الضباب عن النافذة لأراها. لارا هناك. القصيدة هناك. بغداد هناك. كنت أنعم بهذياناتي. اكتشفتُ يومذاك أن الحكاية تقيم في مكان آخر، تقنية الوصول إليه ستكون مختلفة. انقطعتُ عن الذهاب إلى السينما. سلّمني “الدكتور زيفاكو” إلى ما لم أكن أفهمه من المشاعر. في ما بعد اكتشفتُ أنه سلّمني إلى نفسي. قوته الكامنة تسللت إلى أعماقي بطريقة استعدتها حين قرأتُ بعد سنوات “مدام بوفاري”. تلك المرأة سكنتني أيضا. لم يحررنني موتهما من عقدتهما. رأيت “الدكتور زيفاكو” وقرأت “مدام بوفاري” مرات عديدة من غير أن اكتفي. هناك شيء ما تنطوي عليه الحكاية من غير أن ينتهي تأثيره بنهايتها. سوف يكون عليَّ أن انتظر عقودا لأتأكد من أن ذلك الشيء سوف يلحق بغداد بتلك القوة التي لا يمكن تسميتها. فبغداد تسكنني الآن بالطريقة نفسها التي سكنني بها زيفاكو ومدام بوفاري. حين خرجتُ من سينما “غرناطة” لم أترك زيفاكو ميتا على الرصيف بل حملته معي، وحين خرجتُ من العراق لم أترك بغداد وحيدة بل حملتها معي إلى المنافي. اما مدام بوفاري فإنها لا تقيم في مكان في عينه. هي ابنة اللامكان الذي هو ليس وطنا ولا منفى ■

عن ملحق النهار الثقافي


شارك اصدقاءك هذا المقال

هل نجني ثمار فشل (...)

أحكمت الأنظمة العربيّة غلق القماقم العتيقة، وبمجرّد تزعزع بعضها أو تلاشيها، غير مأسوف عليها، انطلقت عفاريت الهويّة والطّائفيّة والشّريعة والعقيدة وفتحت أمامنا مسرحا قياميّا شبيها برقصة أشباح الماضي مع الأحياء. كلّ هذا الرّعب الذي نراه يتمّ باسم الإسلام، رغم كلّ الحسابات والرّهانات الجيوستراتيجية، ورغم الدّور التّخريبيّ الذي لعبته بعض الدّول، ورغم تعدّد أطراف اللّعبة في كلّ بلد فتح فيه جحيم هذا الحفل (...)
الفيسبوك
تويتر