قد تعني صفة "الأخير" من منظور سُلاليّ، النّهايةَ؛ أي آخر من بقي من سلالة انقرضت فلا يمثّلها سوى فرد واحد، هو الفرد الأخير مثل شخصيّة "عين الصّقرOeil de Faucon " في رواية "الموهيكان الأخير" Le dernier des Mohicans للكاتب الأمريكيّ جون فنيمور كوبر John Fenimore Cooper الّتي أدّاها بروعة لا تُضاهى الممثّل السّينمائي دانيال داي لويس Daniel Day Lewis في شريط يحمل عنوان الرّواية نفسه. ولكنّها قد تعني أيضا البداية، أي آخر سلالة ظهرت في الوجود وجاد بها التّاريخ. فالإنسان الأخير في كتاب فوكوياما Fukuyama هو آخر إنسان ظهر في "نهاية التّاريخ"، باعتبار أنّ النّهاية لا تعني في هذا السّياق القيامة أو أيّ إحالة إسكاتولوجيّة، وإنّما تعني من بين ما تعنيه نهاية الصّراع الّذي كان يغذّي حركة التّاريخ داخل جدليّة السّيّد والعبد الهيغيليّة. وهو صراع طويل عبر التّاريخ من أجل الاعتراف المتبادل بين الطّرفين، السّيّد والعبد. وقد حُسمت، في تصوّر فوكوياما، مسألة الاعتراف هذه بتعويض علاقة السّيّد والعبد باعتراف متبادل بين كلّ المواطنين على نحو كونيّ في الدّولة الدّيمقراطيّة اللّيبراليّة. ولذلك كانت "نهاية التّاريخ" مقترنة ضرورةً بظهور الإنسان الأخير. فهو آخر إنسان في التّاريخ، أي الإنسان الحديث الّذي حُسم معه التّناقض الّذي كان موجودا في علاقة السّيّد والعبد، وذلك بجعل العبيد القدامى أسياد أنفسهم (1).
غير أنّ "نهاية التّاريخ" لم تحصل كما تنبّأ بها هيغل بوجود الدّولة اللّيبراليّة، ولم تتحقّق كما تكهّن بها ماركس بظهور المجتمع الشّيوعيّ. ويبدو أنّ التّنبّؤ الفوكويامي أيضا قد كذّبته الوقائع، خاصّة وقائع 11/09 الشّهيرة. فهي ليست مجرّد أحداث عابرة وإنّما هي في تصوّر بعض فلاسفتنا "حدث تاريخانيّ ما بعد حديث، أي غير تأسيسيّ بل تفكيكيّ، نكتة الصّعوبة فيه أنّه يقبل من نفسه أن يقرأ في سجلّين متنافيين: فهو علامة على منعرج "إمبراطوريّ" للدّولة/الأمّة الّتي انقلبت سيادتها الحقوقيّة إلى سيادة رقميّة على العالم، لكنّه بنفس القدر واقعة "قياميّة" هي النّقطة القصوى من عودة الإلهي في أفق العلمانيّة العنيفة الّتي انخرطت فيها الإنسانيّة الحالية. إنّ حدث11/09 هو إمبراطوريّ وقياميّ بشكل لا يقبل الانفصال." (2).
إنّ هذا الوصف ينبئ بظهور إنسان جديد، في فضاء سياسيّ جديد هو فضاء الإمبراطوريّة، وزمان أخير هو زمان العولمة. هذا الإنسان هو الّذي يسمّيه الأستاذ فتحي المسكينيّ "المسلم الأخير" في مقالته الموسومة بـ"الإمبراطوريّة والمسلم الأخير، أو حديث القيامة بين "الجليل"و"الهائل" (3) . وهو كما سنرى إنسان مقاوم لأنّه إنسان مضادّ لا سبب يبرّر وجوده سوى مقاومة العولمة باحتكار موته الفرديّ وتحويله إلى مشهد كارثيّ كونيّ في مجتمع الاستهلاك société de consommation أو المخاطر société de risque أو مجتمع المشهد société de spectacle على حدّ عبارة قي دو بور Guy Debord.
هذه باختصار معتصر ملامح "المسلم الأخير"ولعلّ ما حاول الأستاذ فتحي المسكيني إنجازه في هذا المقال الشّيّق هو كتابة قصّة كبرى un grand récit عن إمبراطوريّة العولمة الأمريكيّة انطلاقا ممّا يسمّيه على غرار بن لادن بـ"حدث" 11/09. وهو "حدث" مشكوك في كونه حدثا بالمعنى المعهود والسّرديّ التّاريخيّ لكلمة حدث. فهو عند دريدا مجرّد يوم من الأيّام يحمل تاريخا une date (4)، قد ضخّمته وسائل الإعلام وضخّته في القنوات التّلفزيّة في العالم بأسره فجرّدته من صفة الحدثيّة لمّا حوّلته إلى كارثة إعلاميّة انقلبت فيه الكارثة الإنسانيّة (ارتطام الطّائرتين وسقوط البرجين، وآلاف الضّحايا…) إلى مشهد لا يطاق ولا يُحتمل إلاّ عبر الصّور التّلفزيّة المتكرّرة قصد ترويض الكارثة بصريّا.
يؤكّد ذلك ما قصّته الفيلسوفة الأمريكيّة ذات الأصول الإيطاليّة جيوفانا بورّادوري Giovanna Borradori في مطلع كتابها "متصوّر 11 سبتمبر". تصف هذه الفيلسوفة وقائع ما جرى في الحادي عشر من سبتمبر 2201 بنيويورك بهذه العبارات الهلعة. تقول:
"عشت شخصيّا [أحداث] 11 من سبتمبر. كنت منفصلة عن طفليّ، المحجوزين في مدرستهما في الطّرف الآخر من المدينة، و[منفصلة] عن زوجي، ناقل الأخبار، الّذي كان يغطّي الأحداث مغامرا بحياته. بالنّسبة إليّ، حدث المستحيل ذات صبيحة من أواخر صيف انقلب على نحو غامض إلى ما يشبه القيامة L’Apocalypse. كلّ الاتّصالات توقّفت فجأة: انقطع الهاتف والأنترنت، ولم تشتغل أيّة وسيلة من النّقل العموميّ، وأغلقت المطارات، وكذلك محطّات القطار والجسور. وكنت كبقيّة العالم أتابع المأساة من التّلفاز، ورغم ذلك كنت على خلاف بقيّة العالم أعلم أنّه على بُعد خمسين شارعا من منزلي كان العشرات من الرّجال والنّساء يلقون بأنفسهم في الفراغ من ارتفاع تسعين طابقا، بعضهم ممسكون بأيديهم، وبعضهم الآخر فرادى. وبينما كان مركز التّجارة العالمي ينهار بدا لي تصاعد الأحداث لا حدّ له، فالبنتغون كان يشتعل، والرّئيس كان في مكان مّا في الأجواء، ونائب الرّئيس قد لاذ بمكان احتفظ بسرّيته، والبيت الأبيض قد أُخلي، وانفجار في الكابتول قد تسبّب كما قيل في فرار سريع للنّوّاب والشّيوخ. وبعد التّأكّد من أنّ طائرة رابعة قد تحطّمت ببنسلفينيا كنت مثل كثيرين مقتنعة بأنّ الأدهى والأَمَرّ لم يقع بعد.
حتّى وإن كانت درجة التّورّط مختلفة من شخص إلى آخر، يذكر كلّ نيويوركيّ تقريبا بدقّة ما كان يصنع لمّا علم أنّ طائرتين من الخطوط التّجاريّة ممتلئة بالرّكّاب والكيروزان قد اصطدمتا بأعلى قلعتين بمنهاتن. فسائقو التّاكسي، ورجال القانون بوول ستريت، والتّجّار، والممثّلون ببرودواي والبوّابون والجامعيّون لهم جميعا حكاية تُروى. حتّى الأطفال لهم حكايتهم وقد اصطبغت بمسحة من الارتياب والخوف ووحدة لا عهد لهم بها.
قصّتي أنا هي قصّة فيلسوفة ساعة الإرهاب" (5).
ويبدو أنّ ما حاول الأستاذ المسكيني إنجازه ليس عرضا لقصّة زاخرة بأحداث مأساويّة، وإنّما كتابة قصّة كبرى تنبئ، على غرار ما تنبّأ به هيغل وماركس وفوكوياما، بـ"نهاية التّاريخ" المقترنة بظهور "المسلم الأخير".
غير أنّ القصص الكبرى، كسائر الحكايات وأشكال السّرد، لا يمكن أن تكتب بلغة تبشيريّة تستبق ما يمكن أن يحدث، وتتكهّن بما لم يقع باستقراء حدث لم يبلغ بعد عتبة الحدث. فالقصص بجميع أنواعها تكتب ما حدث في صيغة الماضي، لأنّها إن كتبت "ما سيحدث" بصيغة الاستقبال تصبح القصّة بشارة أو نذارة أو نبوءة أو ضربا من القصص العلميّ الخياليّ…
ورغم هذه الرّيطوريقا التّبشيريّة المشوبة بشعريّة الخلاص السّعيدة الّتي رسم بها المسكينيّ ملامح "المسلم الأخير" ، فإنّنا نتساءل إلى أيّ حدّ يمكن أن نعتبر "المسلم الأخير" من سلالة "الإنسان الأخير"؟ بل إلى أيّ حدّ يمكن أن نعتبر "نهاية التّاريخ" مرتبطة بهذا "المنعرج "الإمبراطوريّ" للدّولة/الأمّة" في سياق صدام، بدا لنا غامضا وتخييليّاfictionnel، بين"الجليل" (le gigantesque) و"الهائل" (le sublime)؟ وقبل كلّ شيء من هو هذا "المسلم الأخير"؟
*
يمكن استقراء المواضع الّتي ذكر فيها "المسلم الأخير"، فهي تشتمل على بعض المحدّدات الّتي من شأنها أن تعرّف بهذا الإنسان:
*1 "الّذي قرّر تغيير قبلة العالم بموته الخاصّ" (الهامش (1)، ص.ص168-169). وهو موت يتنزّل في إستراتيجيّة الجهاد، ولكنّه جهاد: " ليس "عنفا" (بالمعنى الحقوقيّ) ولا "فتنة" (بالمعنى اللاّهوتي، ولا "عصيانا" (بالمعنى المدني)، بل هو قرار"تاريخيّ" بتوجيه "قبلة" تاريخ العالم نحو أفق "الملّة" وفرضه على بقيّة الإنسانيّة. إنّه صراع حول "الكونيّة" " (الهامش (1)، ص.ص175-176).
*2 وهو كائن "قياميّ" (نسبة إلى القيامة لا بمعناها اللاّهوتي وإنّما بوصفها "شكلا تاريخانيّا من المقاومة") نذر نفسه لمقاومة العولمة، وهي مهمّة: "أُنيطت بعهدة "غير الغربيّين" بعامّة وخَصَّ بها "المسلم الأخير" "نفسه دون بقيّة الإنسانيّة" (ص175).
*3 تتجلّى مقاومة العولمة في مواجهة "المسلم الأخير" لهذا: ""الهائل" الّذي اخترعه عصر التّقنية ـ أي ضدّ البديل التّقني عن معنى "الجليل" (le sublime) الّذي خلقته الأديان ـ هي حيوانات ديجيتال استطاع المسلم الأخير أن يدجّنها "بموته الخاصّ"، بفنّ مستحدث تماما من الموت الذّكيّ، أي الرّقميّ، الّذي لا علاقة له بأيّ نمط من الأنماط الحديثة للموت … إنّه موت ذكيّ هو استعمال طريف تماما للجسد بوصفه كمينا تقنيّا" (ص.ص181-182).
*4 يتميّز "المسلم الأخير" بطريقته الخاصّة في استعمال جسده: "إنّه الجسد الآية الّذي يقيم دوما في حضرة إله لا ينام. وعلى ذلك هو جسد عاديّ تماما، لأنّه لا يحمل أيّة علامة خاصّة غير بشرته (كذا) العابرة للأزمنة، إنّه أيضا جسد خاصّ، يوضع بين الأجساد الآدميّة "الحديثة" الأخرى. وعلى ذلك فإنّه جسد يتميّز عن كلّ الأجساد الحديثة الّتي تحيط به يوم 11/09 بأنّه في حقيقته جسد/كمين، جسد تدرّب بشكل عدميّ على تدمير كلّ الأجساد الأخرى" (ص184).
*5 يتقن "المسلم الأخير" لعبة التّخفّي، ذلك أنّ: "الحداثة هي اللّباس الّذي اختفى وراءه المسلم الأخير لإكراه حيوانات الدّيجيتال على إخراج كلّ "الهائل" التّقني الّذي تختزنه في رفاهيتها الوثيرة، نعني على (كذا) إخراج «القيامة» الّتي تختبئ في "الهائل" التّقني دون أن يراها. إنّ القيامة هي الخروج من الجسد/الموضوع إلى الجسد/الآية خروجا عدميّا وطقوسيّا، عدميّا وإستطيقيّا في آن." (ص184).
ويوضّح المسكيني أبعاد هذه اللّعبة في قوله: "إنّ تنكّر المسلم الأخير في لباس الحداثة هو استعمال كلبيّ لما سمّاه هابرماس "القرابة بين الحداثة (modernité) والموضة (mode)". إنّ "الحداثة""موضة" في معنى أنّها لا تنفصل عن بعدها الأستطيقي، أي في المصطلح الكلامي للمسلم الأخير هي "بدعة"، وإنّ هذا "التّبديع" للحداثة هو بوجه ما اشتغال كلبيّ على طابعها "الأستطيقي"!" (الهامش (1) ص184).
*6 ينتمي "المسلم الأخير" إلى زمان آخر قياميّ تنتقل فيها القيامة من معنى لاهوتيّ إلى معنى تاريخانيّ " من قيامة الانتظار "الأخرويّ" إلى قيامة اللّحظة الإكستاطيقيّة، ومن أخلاق الرّجاء إلى فنّ المقاومة. إنّ 11/09 هي علامة على طريقة مستحدثة في احتمال معنى القيامة: بدلا من الانتظار الأخرويّ، انخرط المسلم الأخير في فنّ اللّحظة القياميّة. اللّحظة القياميّة آية على قلب جدّ خطير لمفهوم الزّمان التّاريخيّ الّذي قامت عليه فكرة الغرب: إنّها نمط مستحدث من احتمال الزّمان يقوم على تدمير جدار «المستقبل» وتفتيت مشهد الهائل الرّقميّ الّذي تسعى أمريكا لفرضه في صيغة إمبراطوريّة العولمة" (ص.ص185-186).
*
توجد أسباب كثيرة تدفعنا إلى اعتبار "المسلم الأخير" مجسّما لهذا التّناقض بين السّيّد والعبد، بل قل هو يستعيده ويستأنفه مؤجّلا بذلك الحسم فيه. ألا تعني هذه الاستعادة وذاك التّأجيل أنّ الصّراع من أجل الاعتراف المتبادل بين السّيّد والعبد، إنّما هو صراع يؤكّد، كما يذهب فوكوياما، أنّ جانبا مّا في الشّخص البشريّ يبحث عن قصد وبإرادة منه عن الصّراع والخطر والمجازفة، وهو جانب لا ترضيه ولا تشبعه شعارات "السّلم والرّفاهية" الّتي ترفعها الأنظمة الدّيمقراطيّة المعاصرة (6)؟ ثمّ إذا كان "المسلم الأخير" مدشّنا دورةً جديدة من الصّراع من أجل الاعتراف في لحظة "المنعرج "الإمبراطوريّ" للدّولة/الأمّة" فلماذا لا يسمّى"المسلمُ الأخير" "المسلمَ الأوّل" على غرار "الإنسان الأوّل Le premier homme" كما حدّد ملامحه هوبز ولوك وهيغل (7)؟
غير أنّنا إن تأمّلنا قليلا في ملامح "المسلم الأخير" كما رسمها الأستاذ المسكيني لوجدنا أنّ بعضها على الأقلّ مستخلص من "جسد الاستشهاديّين الّذين حوّلوا الطّائرات إلى حيوانات ديجيتال غير افتراضيّة" (ص185). وهذه الملامح قريبة من سمات الآلة الحربيّة، ونعني: السّرّيّة والتّنقّل السّريع، والظّهور المباغت. وهي آلة قد ابتدعها البدو (دولوز). ولكنّها، على عكس ما يمكن أن يوحي به لفظ الآلة الحربيّة، ليست آلة للحرب والمعارك والغزوات، وإنّما هي طريقة في الوجود لا تكون إلاّ بنفي فضاء المدينة المسطّر strié المخطّط ونسفه وتحويله إلى فضاء أملس lisse ممتدّ امتداد البوادي والصّحراء. وعلى هذا النّحو ينبغي أن نعيد تأويل الصّراع من أجل الاعتراف المتبادل بين السّيّد والعبد، فنعتبرها علاقة صراع بين جهاز الدّولة (الأمني/العسكريّ) والآلة الحربيّة. يؤكّد ذلك أنّ إدارة بوش قد فهمت هجمات "الاستشهاديّين" على أنّها "حرب" لا "إرهاب". ففي اليوم الموالي للهجمات على مبنى التّجارة الأمريكيّة ذكر الرّئيس بوش في تصريحه أنّ " الهجمات المدروسة والقاتلة الّتي نفّذت البارحة ضدّ بلدنا كانت أكثر من أعمال إرهابيّة. كانت أعمالا حربيّة. كانت حربا" (8) وهو ما جعل وسائل الإعلام الأمريكيّة تُذيع أنّ ردّ الفعل الأمريكيّ سيكون عسكريّا متّخذة من عبارة "الحرب ضدّ الإرهاب" شعارا لهذا الرّدّ. وهذا التّدبير مخالف لما جرت به العادة. فقد كانت الحكومات في مثل هذه الأوضاع تتّخذ "تدابير أمنيّة" و"إجراءات بوليسيّة" ضدّ الإرهاب كما فعلت ألمانيا مع مجموعة بادر ماينهوف Baader-Meinhof وبريطانيا مع الجيش الجمهوري الإيرلندي، وإسبانيا مع منظّمة إيتا ETA، وإيطاليا مع الألويّة الحمراء. هل تغيّرت طريقة اشتغال الآلة الحربيّة في "عصر الدّيجيتال" بما جعل حجم العنف ينقلب إلى حرب، أم هي وسائل الإعلام الّتي بتكرارها عرض "حدث" 11/09 آلاف المرّات في كامل أرجاء المعمورة قد قلبته إلى "حدث" "هائل" يضاهي الكارثة؟
مهما تكن الإجابة أو الأجوبة الممكنة فإنّه ينبغي أن نعيد تشكيل ملامح "المسلم الأخير" لأنّ الأستاذ المسكيني قد نحتها على منوال "الإرهابيّ" أو "الشّهيد". فمفجّرو "حدث"11/09 هم انتحاريّون، شهداء أو إرهابيّون وفق اختلاف وجهات النّظر، ولا يمكنهم أن يمثّلوا طراز "المسلم الأخير" لأنّهم بكلّ بساطة مجرّد حالة خاصّة un cas particulier لا ترقى إلى مستوى الظّاهرة. أضف إلى ذلك كلّه أنّ للمطابقة بين "المسلم الأخير" و"الاستشهاديّين" تبعات خطيرة أهونها الرّبط الآلي بين التّفجيرات الانتحاريّة الّتي حدثت يوم 11/09 والتّفجيرات الانتحاريّة الفلسطينيّة الكثيرة، وهي تفجيرات هوّلتها وسائل الإعلام الغربيّة معتبرة أنّ الجمع بين الموت والقتل والاحتفال بهما إنّما هو نابع من ثقافة الموت الإسلاميّة. فما أكثر ما يقال "إنّ معنى الإرهاب المعاصر كامن في نزعات ثقافيّة معيّنة في الإسلام." (9). ولأجل ذلك وجب الحذر من هذا التّطابق الخيالي بين "المسلم الأخير" والإرهابيّين/الاستشهاديّين، لأنّه تطابق لا وجود له إلاّ في الخطاب (الإعلامي أو الفلسفيّ…). وهو في سياق "الإمبراطوريّة والمسلم الأخير…" حصيلة قلب للدّلالات في لعبة لا قواعد لها سوى قهر الألفاظ. يكفي أن ننتبه إلى ما تزخر به مقالة الأستاذ المسكيني من ألفاظ مثقلة بذاكرة دينيّة راسخة في الضّمير الإسلاميّ كـ«القبلة» و«القيامة» و«الشّهيد» و«الجسد/الآية» و«الملّة»… حتّى نقف على عنف التّأويل الّذي أُجري عليها. فكيف يمكن لـ«القيامة» أن تصبح "شكلا تاريخانيّا من المقاومة"؟ بل كيف يمكن أن "نفهم الاستشهاد بوصفه مقاومة جذريّة للعولمة؟" وكيف يمكن أن يكون يوم 11/09 يوما قياميّا قد دمّر أقنوم التّقدّم بـ«تغيير القبلة»؟ هل يكفي أن نسلب عبارة «تغيير القبلة» من معناها اللاّهوتي ونشحنها بمضمون طوبيقي فيصبح «تغيير القبلة» دالاّ على «تغيير الأفق» بالمعنى الأستطيقي للكلمة حتّى يتغيّر أفق «القبلة» بالفعل؟ وباختصار هل بتغيير دلالة بعض الكلمات يتغيّر فهمنا للعالم؟ ألسنا حين نتلاعب manipulation بدلالات الألفاظ، تكون الألفاظ هي الّتي تتلاعب بنا؟ بل أليس التّلاعب بألفاظ "الدّين" قرينة دالّة على "عودة الدّيني" في الخطاب الفلسفيّ؟
علينا أن نقرّ أنّنا لسنا مستريحين لهذه القصّة الخالية من الأحداث والشّخصيّات. وكلّ القصص الكبرى والصّغرى إنّما هي محاولات لتسريد تأثير الصّورة الصّادمة. فواقعة 11/09 لم تبلغ بعد طور الحدث لأنّ الوقع الصّادم فيها لم يمثّل إلاّ فيما بعد بالكلام. أمّا في البداية فإنّ العالم بأسره كان يرى الصّورة الصّادمة l’image-choc وصورة الكارثة فحسب. والأدلّة على ذلك كثيرة. ففي مساء الهجوم على مركز التّجارة العالمي والبنتاغون، ألقى الرّئيس بوش بالتّصريح التّالي في خطابه الموجّه إلى الأمريكيّين بقوله: "مساء الخير. اليوم، تعرّض مواطنونا، تعرّض أسلوب حياتنا، تعرّضت حرّياتنا بالذّات للهجوم في سلسلة من الأعمال الإرهابيّة المدروسة والقاتلة. الضّحايا كانوا في الطّائرات، أو في مكاتبهم، كانوا موظّفين، سكرتيرات، رجال ونساء أعمال، عاملين في مؤسّسات عسكريّة، وفي أجهزة اتّحاديّة، كانوا أمّهات وآباء، أصدقاء وجيرانا. فجأة تمّ وضع حدّ لحيوات الآلاف من النّاس جرّاء أعمال إرهابيّة، شرّيرة حقيرة. إنّ صور الطّائرات المقتحمة للمباني، صور الحرائق المتصاعدة، وصور المباني العملاقة المتداعية، ملأتنا ذهولا وعدم تصديق، حزنا مرعبا، وغضبا هادئا لا يعرف معنى الاستسلام. جاءت أفعال القتل الجماعي مدبّرة ومقصودة لزرع الرّعب في قلوب أبناء أمّتنا ودفعهم إلى متاهات الفوضى ومخازي التّقهقر والارتداد. غير أنّهم أخفقوا، فبلدنا قويّ." (10). ولأجل ذلك بدا لنا انتقاد المسكيني لبودريار في مقالته عن "روح الإرهاب" (11) في غير محلّه لمّا اعتبر أنّ: "ما قدّمه بودريار هو تخريج «أستطيقي» لـ« روح الإرهاب»، يشبه أن يكون «كلبيّة سعيدة» تحتفل بما وقع احتفالا «عدميّا»، أعني تسعى إلى رسم صورة قصوى وفريدة وتامّة عن إرهاب معمّم يخترق الغرب الحالي من كلّ صوب" (الهامش (1) ص182).وإن كنّا لا نتّفق والأستاذ المسكيني في فهم مقالة بودريار عن "روح الإرهاب" فإنّنا جميعا، ولنقل ذلك بكلّ اختصار، في وضعيّة أستطيقيّة أحببنا أم كرهنا. وهذه الوضعيّة الأستطيقيّة إعلاميّة ديجيتاليّة بالأساس، وهي شرط وجود "المسلم الأخير" أو "الأصوليّ المسلم الانتحاريّ" l’intégriste musulman kamikaze ، كما يسمّيه الفيلسوف والمحلّل النّفسي زيزاك Žižek في كتابه "مرحبا بكم في صحراء الواقع" (12). فخارج كلّ مشهد لا يكون لموت "المسلم الأخير" أيّ وقع أو تأثير، لأنّ مفهوم الشّهادة بدوره قد تغيّر برمّته وعلى نحو جذريّ في هذا العالم الدّيجيتاليّ. فالانتحاريّ لا ينقلب بمجرّد موته إلى شهيد. فهو في حاجة إلى شاهد يشهد عليه ويشاهد موته، ويحوّل ذلك الموت إلى مشهد فظيع كارثيّ. وهذا الارتباط الجديد بين الموت ومشهد الموت، بين الإرهاب ووسائل الإعلام، هو الّذي يصنع من الإرهاب ظاهرة مروّعة عنيفة تنافس في سوق الصّورة والإخبار، وعلى قدم المساواة، الأحوال الجوّيّة وبرامج النّساء وأخبار البورصة والرّياضة. فقد فهم واضعو القنابل أنّ سادة القنوات والشّبكات الإعلاميّة لا يمكنهم أن يصنعوا كلّ الأحداث داخل الإستديوات المغلقة، وأنّهم سيظلّون أسرى الأحداث الآتية من الخارج، وأنّ الأحداث الّتي يصنعونها هي أشدّ الأحداث المطلوبة وإقبالا عليها لأنّهم يهيمنون عمليّا على قطاع العنف الواقعيّ. فكلّ اعتداء بضاعة تُشترى. وكلّما كان العنف بلا حدود في شراسته وقساوته كانت المكافأة الإعلاميّة عالية باهظة الثّمن (13).
إنّ طرافة مقالة الأستاذ المسكيني تكمن في أنّه نزّل موت "المسلم الأخير" وأوّله في سياق الصّدام بين«الجليل» و«الهائل». ولكنّه ليس التّأويل الوحيد الممكن، وإن كانت مزيّته أنّه يعدّ من المحاولات الفلسفيّة الأولى، العربيّة بصفة خاصّة، الّتي اجتهدت في تفهّم هذه الواقعة فلسفيّا، أي واقعة "المسلم الأخير" الّتي التبست في تأويل الأستاذ المسكيني كثيرا بـ"حدث" 11/09.
ويعني ذلك أنّه توجد محاولات فلسفيّة أخرى لعلّ أبرزها "نظريّة الثّيموس" La théorie du thymós الأفلاطونيّة الأصول الّتي أقام عليها فوكوياما تفسيره لديناميكيّة الصّراع من أجل الاعتراف المتبادل في جدليّة السّيّد والعبد الهيغليّة، وهي أطروحة قد استأنفها الفيلسوف الألماني بيتر زلوترداك في كتابه "الغضب والزّمان" (14) مخصّصا في آخر فقرة من فصوله الأربعة تفسيرا من زاوية البسيكولوجيا السّياسيّة للإسلام السّياسي يمكن أن يكون صالحا لفهم ظاهرة الإنسان المسلم اليوم، أو "المسلم الأخير"، بوصفه إنسانا يمثّل احتياطيا هائلا في بنك الغضب العالميّ.



jتونس - خليفة معيرش
22 تموز (يوليو) 2009 17:02
المسلم الاخير العبارة شيقة ولكن معانيها على ما قدم معقدة ومفخخة ويبقى المعنى المحبذ هو الذي نعرفه بمعنى النهاية قبل ان ينهي الحداثة كما انهت المسيحية حداثة روما ويا لها من كارثة
الرد على التعليق