الخميس 18 كانون الأول (ديسمبر) 2014
الأوان من أجل ثقافة علمانية عقلانية
الصفحة الرئيسية > بوابة الأوان > مَنْ حوَّل الثورة السورية إلى ساحة معركة ولماذا؟ / نجيب جورج (...)

مَنْ حوَّل الثورة السورية إلى ساحة معركة ولماذا؟ / نجيب جورج عوض

الثلاثاء 27 تشرين الثاني (نوفمبر) 2012
، بقلم   

شارك اصدقاءك هذا المقال



أخيراً، بدأت أميركا تعترف علانية بأنَّ الثورة السورية انتُزعَت من أيدي أصحابها الحقيقيين، وباتت تحت رحمة الأطراف المتطرفة والجهادية والطائفية المسلحة، وطوعاً لأجنداتها وإيديولوجياتها، التي لا تمت بصلة لا من قريب ولا من بعيد لما ثار الشعب السوري من أجله، منذ حوالي التسعة عشر شهراً. لطالما حذّرنا أنا والكثير من السوريين، الداعمين للثورة قلباً وقالباً، من خطورة حدوث هذا الأمر، ومن تشويه الثورة السورية باسم “الثورة” دون غيره. ولطالما رفعنا الصوت عالياً، أمام السوريين وفي الأوساط الغربية الأوروبية والأميركية، منبهين من حدوث هذا التحول الخطير من “ثورة شعبية” إلى “حرب جهادية إيديولوجية ذات ملامح تطأيفية”. كتبنا وقلنا وشرحنا وحاضرنا وحاورنا كثيراً في الشهور الماضية، كي ننبه كل من التقيناه من الأطراف المعنية بالثورة السورية من نتائج هكذا تحول. كل محاولاتنا باءت بالفشل. ذهبت أصواتنا ونداءاتنا أدراج الرياح طوال الشهور الماضية برمتها. لم يكن أحد جاهزاً للإصغاء وللتفكير بجدية في وجهة النظر التنبيهية المذكورة. الكل الغربي كان منهمكاً في كيفية دعم ممثلي الثورة وأجسادها المعارضة، التي تشكلت في الخارج، وفي تأمين العتاد السياسي واللوجستي والمالي لها، كي تنجح في “حربها الأهلية” ضد النظام. أما الكل السوري المعارض الخارجي، والذي كنا نعول على دوره القيادي والفاعل في رعاية الثورة ونجاحها، بحكم قدرته على الحراك والعمل بحرية لوجوده خارج إطار سيطرة النظام الداخلية، فقد تلهى في صراعاته الداخلية وانقساماته ومحاباته، لدرجة التزلف، للتركي والخليجي والأوروبي والأميركي، وبعد أن شارك في صناعة حرب في سوريا، راح يتلهى بالدفاع عنها وربط مصيره ومصيرنا جميعاً بها دون سواها.

كيف وصلنا إلى هنا؛ كيف تحولت ثورة شعبية حرة، شجاعة، نبيلة وتاريخية إلى حرب إبادة شعواء انتقامية تدميرية تطأيفية جهادية نهليستية؟ من حولها إلى هذا؛ من استفاد ويستفيد من تحولها هذا؟ من يصر على تصويرها على أنها “حرب أهلية طائفية”؟ يعيدنا الجواب على تلك الإسئلة شهوراً للوراء، ويدفعنا إلى تتبع إرهاصات الأحداث والخطابات والقراءات المختلفة التي قدمها أطراف النزاع ومؤيدوهم على الجانبين للثورة. سأتتبع بشكل خاص بعض الإرهاصات المتعلقة بعسكرة الثورة، والإصرار على تصويرها على أنها حرب أهلية بين طوائف.

بدأت الثورة السورية حراكاً شعبياً سلمياً بحتاً واستطاعت أن تحافظ على هذه الهوية لشهور عديدة كانت أطول بكثير مما توقعه النظام. وبالرغم من إصرارنا جميعاً على أنَّ التغيير الذي أحدثته الثورة وقتها في بنية النظام وتركيبة الدولة في سوريا لم يصل عندها إلى الدرجة المرجوة من الثورة، إلا أن علينا أن نعترف أنَّ الثورة بحراكها الشعبي السلمي، وقدرتها على جمع كافة أطياف المجموع السوري وتياراته الفكرية والثقافية والإيديولوجية والسياسية.. ومختلف أطيافه الاجتماعية، استطاعت أن تدفع النظام إلى تقديم تنازلات معينة لم يكن بوارد تقديمها ولا بشكل من الأشكال في أي يوم من الأيام. ارتعب النظام بعمق من طبيعة الحراك السوري وشموليته وعمقه الجغرافي والديموغرافي والسوسيولوجي، وأدرك أن استمرار الحراك السلمي الشعبي سيلفت أنظار العالم المناهض والمناصر له على حد سواء، وسيجعلهم يطالبونه بالرضوخ لمطالب تلك الثورة المدنية بامتياز والخضوع لتأثيرها. أستطيع القول أن الشهور الثمانية الأولى من عمر الثورة كانت الشهور التي تمتعت فيها الثورة بقوة هائلة، وقدرة تغيير، أفعل وأشد تهديداً لصورة النظام وتأثيره أمام العالم من كل المعارك والحروب الشعواء التي تجري اليوم.

أدرك النظام هذا الخطر وقرر أن يعمل جاهداً على تغيير طبيعة الثورة، بتحويلها إلى ما يستطيع أن يتعامل معه، وإلى ما يعتقد النظام موقناً أنه يستطيع التغلب عليه وتحطيمه. كانت هذه بداية عملية عسكرة الثورة بهدف تحويلها إلى صراع مسلح مفتوح على كل النتائج والاحتمالات؛ انطلاقاً من رهان النظام على أنه بعسكرة الثورة سيتمكن من تفريغها من خزانها الشعبي المدني (فهو يعلم أن الشعب السوري لم يخرج الى الشوارع كي يقاتل بعضه البعض بل كي يغير المنظومة السياسية سلمياً) وسيتمكن أيضاً من توريط الجناح العسكري المقاتل (الجيش والقوات المسلحة) في المعركة؛ حارماً سوريا من ميزة الثورة المصرية واليمنية والتونسية، ألا وهي بقاء الجيش على الحياد ووقوفه على مسافة واحدة من طرفي المواجهة. هذا ما دأب النظام على فعله منذ تلك اللحظة: بدأت عصابات الشبيحة تملأ الشوارع وتستفز المواطنين وتنتهك أعراضهم، بدأت قوات المخابرات ترمي بالأسلحة الفردية الخفيفة على أبواب الجوامع كي يتلقفها المصلون أثناء توجههم الى الشارع للتظاهر بعد الصلاة، وبدأت أجهزة المخابرات تطلق سرياً سراح العديد من المجرمين والإرهابيين وتدعهم يعملون في الفضاء السوري (معظهم خرج من السجون بموجب قوانين العفو التي أصدرها الأسد تباعاً).

الأخطر من هذا هو أنَّ بعض أطراف المعارضة، وبعض الأطراف الخارجية الداعمة للثورة، تلقفت لعبة العسكرة وراهنت بدورها على أن الدخول في معركة مسلحة مع النظام هو السبيل لإسقاطه. بدأت تتواتر في تلك الفترة أخبار انشقاقات العديد من الجنود والضباط من الجيش. خال لبعض الأطراف وقتها بأن هذا مؤشر على بداية تحول أطراف بنيوية من الجيش نحو الثورة، ما يعني برأي تلك الأطراف أن عسكرة الصراع بالاعتماد على تلك القوى المنشقة سيسرِّع في سقوط النظام، وسيقلب موازين منظومة السلطة الأضيق من داخلها، بحكم الهوية العسكرية والأمنية للعديد من مفاصل النظام. وجِدَ بين المعارضين السوريين من استطاع وقتها إقناع الغرب بأنَّه يمكن قلب خطة عسكرة الثورة التي بدأها النظام ضده، بأن تقوم تركيا ودول الخليج والغرب بدعم الجنود والضباط المنشقين بالعتاد والسلاح، ومساعدتهم على تشكيل فصائل مقاتلة داخل سوريا من الشباب الثائر. على الطرف العربي والأقليمي من مسألة العسكرة، لعب المؤيدون للثورة على وتر العسكرة بقوة. فاللبنانيون والخليجيون والأتراك، المؤيدون للثورة، عملوا على مد الثوار بالسلاح والعتاد، لا بل والمقاتلين. والمؤيدون للنظام عملوا أيضاً على مده بالسلاح والعتاد والمقاتلين، جاعلين من التسليح على الطرف المناهض للنظام حجة مبرراً لهم لفعل ذلك.

استفاد من تلك العسكرة، في المحصلة، النظام قبل غيره، إن لم يكن وحده. فهو نجح بعسكرته للثورة من إفراغها من خزانها المدني الشعبي. عاد معظم المتظاهرين إلى بيوتهم لأنهم لا يعرفون القتال ولا يريدونه. لم ينشق الكثير من قوات الجيش الفاعلة والمحورية كما كان متوقعاً من المعارضة، بل دخل الجيش بفضل تلك العسكرة طرفاً واضحاً إلى جانب النظام في الصراع. تم خلق كتائب مسلحة مقاتلة من كل حدب وصوب وتحت أجندات مختلفة ومتناقضة. غرقت سوريا في فوضى السلاح والتسلح واختنقت الثورة بلعبة العسكرة، التي ابتكرها وخلقها النظام ببراعة وتلقفها وانخرط فيها المعارضون، وبعض الأطراف الثورية، بغباء وقصر نظر.

كان نجاح النظام في العسكرة أحد دعائم بقائه حتى اليوم على قيد الحياة، ونجاحه في تحشيد رأي عام عالمي معتبر (روسي وصيني وحتى أميركي لاتيني) يقول معه بأنّ ما يحصل في سوريا ليس بالثورة بل بالحرب والمؤامرة المسلحة. لا بل ونجح النظام بتجييش أصوات مدنية علمانية ودينية وسياسية ومجتمعية وثقافية، من الداخل والخارج السوريين الوطنيين، كي تنقل للرأي العام العالمي خطاب النظام عن المؤامرة العسكرية ضد سوريا، وجداله بأن ما يحصل في سوريا هو حرب مسلحة دموية ضد الشعب وضد سوريا وليس ضد النظام. ادعى أبواق النظام أنَّ تلك المؤامرة لم تنجح سوى في تعطيل الإصلاح المزعوم، وفي منع النظام من إجراء التغيير السياسي الذي يتوق له الشعب. بتنا نسمع رجال دين مسيحيين ومسلمين من سوريا، ومن لبنان، يسوقون هذا الخطاب داعمين إياه ببرهان واحد وحيد لم يعد أحد قادراً على نفيه، ألا وهو أن هناك عسكرة للحراك السوري وصراعاً مسلحاً يجري في شوارع سوريا. لأول مرة في حياتي أرى رجال دين مسيحيين ومسلمين ولبنانيين يتفقون ويسوقون خطاباً سياسياً واحداً عن سوريا وعن مستقبل المسيحيين الأسود فيها بسبب النزاع المسلح. أطربَ هذا الخطاب أذني النظام جداً وزاده فرحاً وثقةً بانتصاره في النزاع، وخروجه منه سالماً، رؤيته للمعارضة السورية الخارجية تمعن في التهام طبق العسكرة، الذي طبخه وقدمه لها بيديه.

هذا عن العسكرة. ماذا عن التطأيف؟ إذا كانت لعبة العسكرة هي أحد ركائز تحول الثورة في سوريا إلى حرب إبادة، فإنَّ لعبة تطأيف الثورة هي الركيزة الأخرى، إن لم تكن الأهم والأخطر. هي الأهم لأنها أثبتت حالياً أنها الأنجع والأكثر فاعلية، لا على المستوى الميداني لأرض المعركة فقط، بل وعلى المستوى السوسيولوجي والمدني والدولي أيضاً. وهي الأخطر، لأنها ركيزة ثنائية الصنع بامتياز. فإن كان النظام يتحمل وحده عملية ابتكار وخلق فخ العسكرة، فإن النظام ومؤيديه والمعارضة ومؤيديها، على حد سواء، يتحملون مسؤولية، بل وذنب، ابتكار وخلق الصورة التطأيفية للثورة.

لنبدأ بدور النظام. علينا أن ندرك وأن نعترف أنه في الشهور الأولى من عمر الثورة، كان كل من المتظاهرين و“المنحبكجية” على حد سواء يعبرون عن رفضهم لإسباغ أي طبيعة طائفية للثورة في سوريا. يلفت الأنظار كثيراً أنك كنت تسمع من المؤيدين للثورة والمؤيدين للنظام، وبشكل متشابه رفضاً لقبول أي توصيف للشارع السوري على أنه شارع من لون واحد أو طائفة واحدة. كان الجميع، عدا المنظومة الحاكمة طبعاً، يعبر عن رفضه للتصنيفات الطائفية ولكل من يحاول تطأيف الثورة: أذكر تماماً أن العديدين من الثوار عبروا عن رفضهم لخطاب الشيخ العرعور ضد الطائفة العلوية، وقالوا إنه لا يمثل الثورة. وأذكر تمامًا بالمقابل إعتراف المؤيدين على أن من هم في الشارع ليسوا من السنة فقط، بل من أطياف المجتمع السوري المختلفة.

تغيرت القصة تماماً مع لحظة عسكرة الثورة. فالنظام لعب أيضاً لعبة شرخ المجتمع السوري إلى مؤيد “علوي ومسيحي” ومعارض مناهض “سني”. وقد وظف آلته الإعلامية والدبلوماسية في عملية رسم هذ الصورة أمام الرأي العام الداخلي والعالمي. كما أنه نجح بتوظيف جهود رجال الدين المسلمين والمسيحيين الموالين له في تسويق صورة صراع طائفي في سوريا، بأن راحوا يتحدثون عن المستقبل الأسود للأقليات الدينية في سوريا إذا ما انتصرت الثورة ووصل الإسلاميون للحكم، وعن الثوار الذين ينتمون برمتهم للطائفة السنية وعن المقاتلين والمجاهدين السلفيين الذين يكرهون الكفار غير المسلمين ويريدون لهم الفناء. وصل هذا التصوير الطائفي إلى مداه الأقصى بتبني الأطراف المؤيده للنظام نظرية أنَّ ما يجري في سوريا هو حرب أهلية/طائفية بين السنة من جهة والعلويين والمسيحيين من جهة ثانية. المثير للانتباه في هذا الأمر أن الأصوات السورية المؤيدة لنظرية النظام عن الصراع الطائفي ترافقت مع أصوات مؤيدة وداعمة لهذه النظرية من لبنان. بدأت بإدراك تأثير الصوت اللبناني في خلق صورة “الحرب الأهلية الطائفية” عن سوريا أمام صناع القرار الأوروبين والأميركيين مؤخراً من خلال وجودي في أوروبا وأمريكا. يستمع الأوروبيون (خاصة فرنسا) والأمريكيون بانتباه لآراء السياسيين اللبنانيين لا عن لبنان والمنطقة فقط، بل أيضاً عن سوريا. وهم يستمعون لكل الأفرقاء اللبنانيين على حد سواء فيما يتعلق بسوريا. لعب اللبنانيون المؤيدون للنظام السوري دوراً هاماً إلى جانب السوريين المهاجرين المؤيدين للنظام في تعزيز نظرية الحرب الأهلية وصورة الصراع الطائفي في سوريا. وإن كان السوريون المهجريون يقرأون سوريا انطلاقاً من أحداث الثمانينات، فإن اللبنانيين لم يكونوا في الواقع يقرأون سوريا بل هم يقرأون لبنان وتجربة لبنان في سوريا: يسقطون تجربة الحرب الأهلية اللبنانية على سوريا ويجعلون من تجربتهم في النزاع الطائفي مفتاحاً تفسيرياً هرمنيوتيكياً واحداً ووحيداً لقراءة التجربة السورية. يسود في الغرب اليوم قناعة بوجود حرب أهلية طائفية في سوريا بسبب تلك الأصوات السورية واللبنانية، التي لا تخدم بخطابها سوى النظام نفسه بأن تخلق له على الأقل ارتباكاً في أوساط صناع القرار الغربيين يجعلها مترددة في دعم الكتائب المقاتلة أو التورط في مساعدة حرب أهلية ضد النظام بسبب طائفية وتطرف وإسلاموية تلك الأولى، وبأن تعطي أوراقاً وحججاً تفاوضية للخطاب الروسي الداعم للنظام والمتبني الأقوى لنظرية الحرب الأهلية والتهديد الطائفي في سوريا.

هذا كان دور النظام في تطأيف الثورة. ماذا عن دور المعارضة؟ هنا أيضاً نجد برأيي دوراً ممنهجاً مدمراً بغية تطأيف الثورة تتحمله بعض المعارضات السورية، ودول الخليج (قطر أولاً) وتركيا وكذلك بعض الأطراف اللبنانية المؤيدة للثورة في سوريا. فكما تلقفت بعض الأطراف المعارضة في سوريا مسألة العسكرة وحاولت توظيفها ضد النظام، تلقفت تلك الأطراف بدورها مسألة التطأيف من النظام وعملت على استخدامها في محاولة تجييش وشحن التعاطف الديني والسياسي تجاه الثورة. وكما عمل النظام على فرض صورة الشرخ الطائفي والصراع الأهلي على الشارع السوري، عملت بعض أطراف المعارضة على فرض تلك الصورة أيضاً وعلى بث خطاب تصنيفي لطالما نعتَ المسيحيين والعلويين بالصامتين والمستكينين والمؤيدين للنظام لأنهم يخافون تاريخياً من المسلم السني ولا يثقون به. بدأنا نرى هذا الخطاب منتشراً على هيئة دعوات أخوية وتمنيات أخلاقية من متحدثين على وسائل الإعلام العربية (الخليجية والمصرية واللبنانية على حد سواء) يمثلون الثورة والمعارضة موجهة إلى الجمهور السوري غير السني تتمنى عليه أن يقف مع أخوته في الثورة وأن يناصرهم. أصرَّ الإعلام العربي المؤيد للثورة على حصر مشاركة العلويين والمسيحيين بالثورة السورية ببضعة أسماء قليلة جداً لا تتجاوز أصابع اليدين لمعارضين سوريين تاريخيين موجودين على الساحة منذ عقود ومن غير الممكن طمس وجودهم ودورهم وصوتهم في الأحداث. أما الجيل المسيحي والعلوي الشاب الجديد الذي شارك ومازال بشكل فاعل في الثورة، والذي دفع ومازال يدفع أثماناً باهظة لثورويته، فهو يقبع دوماً في الظلمة ولا يكترث أي من وسائل الإعلام أو الأوساط المؤثرة بالاستماع إليه أو الاعتراف حتى بوجوده. كان هذا ومازال جزءاً لا يتجزأ من قناعة أطراف عديدة داخل المعارضات السورية أو الأطراف المؤيدة لها عربياً،خاصة لبنانياً، بأنَّ ما يجري في سوريا هو حرب أهلية طائفية بامتياز على النموذج اللبناني. مرة أخرى، نجد هنا أيضاً، كما نجد عند الأطراف المؤيدة للنظام، إصراراً على قراءة لبنان في سوريا وإسقاط النموذج اللبناني على سوريا. ومرة أخرى، نجد أن أصحاب نظرية اللبننة تلك من لبنانيين وسوريين هم الصوت المسموع والمؤثر في أوروبا وأمريكا.

في مسألة تسويق تفسير طائفي ونموذج حرب أهلية في سوريا، يقف النظام ومؤيدوه وبعض المعارضين وداعموهم على ضفة النهر. كلاهما مصرٌّ على فرض تلك الصورة المزيفة وغير الواقعية على الرأي العام السوري والعالمي وعلى صنَّاع القرار، لأنَّ كلا الطرفين المعنيين يعتقد أنَّ انتصاره في المعركة وضمانه لاستمرار حصوله على الدعم اللازم من الأطراف المعنية ببقائه ونجاحه لا يتحقق إلا من خلال تعزيز الخوف من أهوال وكوارث تلك الحرب الأهلية الطائفية وملحقاتها من نظريات “تقسيم سوريا وإنشاء دويلات علوية وكردية وسنية متناحرة” أو “تهجير وتصفية المسيحيين والعلويين” أو أو. من يستفيد من تلك النظرية التطأيفية للثورة؟ يستفيد منها النظام، ولكن تستفيد منها الأطراف الطائفية في المعارضة السورية ومؤيدوها الخليجيون واللبنانيون على حد سواء.

والآن عود على بدء: نعم، الثورة السورية انتزعت من أيدي أصحابها الحقيقيين ولم تعد “ثورة سوريا”، بل “ثورة على أرض سوريا”، لا بل ولم تعد “حرب سورية”، بل “حرب ساحتها سوريا”. النظام يريد أن يعسكر الثورة ويطئـِّفها كي يضمن لنفسه بقاءً واستمراراً لأطول فترة ممكنة، وأن يحصل في النهاية على مخرج آمن. بعض المعارضات السورية تريد بدورها أن تعسكر الثورة وأن تطئفها لأنها تعتقد أن هذين الأمرين يضمنان انتصار ثورة من لون واحد وطبيعة أحادية، على النظام: ثورة إسلاموية إيديولوجية أحادية تضمن للإسلاموية السياسية هبوطاً آمناً ومضموناً على سدة الحكم في سوريا (وحصة أكبر وأفعل من الشيعة في تركيبة الحكم في لبنان)؛ ذاك الهبوط والحظوة بالسلطة الذي لن تأمنه التيارات الإسلاموية في سوريا، فيما لو نجحت بإسقاط النظام ثورة سلمية مدنية شعبية جامعة ومتعددة الأطياف. بعض المؤيدين للنظام مثل روسيا وإيران يخدمهم أن يسوقوا خطاب النظام عن الصراع العسكري والطائفي في سوريا، إذ يمنحهم أوراقاً تفاوضية جيدة في لعبة التنازع على السيطرة على الأقليم. الأتراك والخليجيون (خصوصاًَ قطر) المؤيدون للمعارضات الإسلاموية في الثورة حصراً، يدعمون عسكرة وتطأيف الثورة بقوة ويوظفون كل طاقاتهم لتحويلها إلى حرب طائفية أهلية مستديمة إن أمكن. هذا ما يمكن للمرء أن يستنتجه من مواقف قطر وتركيا خلال كافة مراحل الثورة السورية. وما خطاب هيلاري كلنتون الأخير سوى رسالة متأخرة جداً، وعديمة النفع، لهذين الطرفين وأتباعهما السوريين الإسلامويين، ودعمهما الأعمى للعسكرة والتطأيف. أما الأخوة اللبنانيون فهم لا شك فاعلون في ما يتعلق في كيفية فهم أوروبا وأميركا لحقيقة الوضع في سوريا، وتفسيرهم لأحداث سوريا على أنها حرب أهلية طائفية تشبه، بقناعتهم، ما جرى في لبنان، وستؤول إلى ما آلت إليه التركيبة السياسية والمجتمعية والدولتية في لبنان، يلقى أذاناً صاغية في الأوساط الغربية، إذ يمكن لمن يعيش في الغرب ويتابع النشاط الثقافي والسياسي الغربي حول سوريا أن يسمع الأميركيين والأوروبيين يكررون نظرية الحرب الأهلية الطائفية في سوريا، مستشهدين إما بآراء سوريين مؤيدين للنظام أو لبنانيين مؤيدين ومعارضين للنظام السوري يكررون أمامهم أنَّ سوريا تسير إلى ما اختبره لبنان وأنَّ الحل فيها يجب أن يكون على الطريقة اللبنانية.

لا يسع المرء إلا أن يتساءل، ختاماً، إذا كان ما آلت إليه الثورة السورية من تحول جذري من حراك شعبي سلمي إلى حرب إبادة وتدمير شاملة هو ذنب يتحمله كل من النظام ومؤيديه المحليين والدوليين، من جهة، ومعارضي النظام ومؤيديهم المحليين والدوليين، من جهة أخرى. هل ما يجري في سوريا هو حرب أهلية طائفية؟ كلا على الإطلاق. هل سوريا نسخة عن لبنان، وهل يجب أن نقرأ لبنان فيها؟ كلا، سوريا ليست لبنان ولا يجب أن نقرأ لا حرب لبنان الأهلية ولا تركيبة لبنان الطائفية فيها. ليس لأنه لا طوائف في سوريا، وليس لأنَّ شيعة وسنة سوريا متبرئين من التاريخ القديم بين الطائفتين الإسلاميتين، وليس لأن مسيحيي سوريا لم يتعرضوا في قرون مضت لبعض الاضطهادات المذهبية والدينية كما تعرض مسيحيو لبنان. السبب أبسط من كل هذا؛ السبب هو طبيعة الحراك الذي نشأ في سوريا ومسبباته التاريخية والسياقية: في سوريا، الصراع مدني ودولتي، وليس دينياً أو أيديولوجياً. في سوريا، القمع عام وشامل من نظام مجرم مستبد ضد جميع أطياف الشعب المعارضة له أو التي تؤمن بسوريا مختلفة، كائن ما كانت خلفية هذا الشعب. في سوريا، الثائرون ضد النظام لا يكترثون لطائفته أو دينه، لم يثوروا عليه انطلاقاً من طوائفهم (الإسلامويون السوريون يعرفون هذا تماماً ولهذا يعلمون أن ثورة سلمية لن توصلهم إلى السلطة لوحدهم أو بقوة الإيديولوجيا الدينية حصراً) بل يكترثون لاحتقار النظام لإنسانية وكرامة البشر وحقوقهم الأساسية. هذه هي سوريا الثورة. أما سوريا الحرب، فهي لا تمت للشعب السوري بصلة حقيقية. في الماضي، لطالما أكد اللبنانيون أنَّ الحرب الأهلية اللبنانية كانت حرب الآخرين في لبنان. لماذا لا تكون الحرب في سوريا حرب الآخرين أيضاً فيها، ولماذا ندفع الأمور فيها دفعاً نحو أخذ صورة حرب أهلية طائفية؟ هذا هو السؤال الجوهري الذي لا أجد إجابة عنه سوى في إرهاصات لعبة العسكرة والتطأيف التي يتحملها بقناعتي كل من طرفي النزاع.

إلى معارضي سوريا أود أن أقول: سوريا تشتاق إلى ثورتها. أعيدوا لها ثورتها واستردوا مشاريعكم الحربية. يكفي تقديم خدمات مجانية لهذا النظام.

 

عن ملحق نوافذ – جريدة المستقبل 18/11/2011


شارك اصدقاءك هذا المقال

عبد الوهّاب المؤدّب :

ولد سنة 1946 واختطفته يد الموت في صبيحة اليوم، 6 نوفمبر 2014. كان كاتبا روائيّا وشاعرا وباحثا ومترجما ومقدّما لبرنامج “ثقافات الإسلام” بإذاعة فرنسا الثّقافيّة... لهذا السّبب ربّما طلب منّي أن أضع صفة “أديب” أمام اسمه، في أحد البيانات التي شاركنا في صياغتها وتوقيعها طيلة السنوات الأربع الأخيرة. أديب، أي يحسن القول والفكر ويحترم آداب المجالسة، ويحتفي بالأصدقاء والقرّاء، فيقدّم لهم “مأدبة” من الحديث (...)
الفيسبوك
تويتر