وما كنّا نستطيع أن نترك موضوع النّكوص في الأحلام دون أن نعرب بكلمة عن فكرة أثارت دهشتنا مرارا من قبل، وسوف تعود إلينا مقوّاة بقوّة جديدة بعد أن تتغلغل في دراسة الأعصبة [ج. عُصاب] النّفسيّة بعض التّغلغل : أنّ فعل الحلم في جمالته مثال على نكوص يعود فيه الحالم إلى أقدم أوضاعه، بعث جديد لطفولته، للدّفعات التي كانت تسيطر على هذه الطّفولة، ولوسائل التّعبير التي كانت إذ ذاك في متناوله، ومن وراء هذه الطّفولة الفرديّة وعد يعدنا بنظرة إلى طفولة النّوع، إلى تطوّر الجنس البشريّ الذي لا يخرج تطوّر الفرد في الحقيقة عن أن يكون ترجيعه المختصر المتأثّر بملابسات حياته العارضة.
وفي وسعنا اليوم الآن أن نرى كم أصاب نيتشه في قوله إنّ في الحلم "بقيّة من الإنسانيّة الأولى لمّا تمتْ، وما عدنا اليوم نملك بلوغها من طريق مباشر". ولنا أن نتوقّع أن يقودنا تحليل الأحلام إلى معرفة التّراث الأوّل للإنسان، بما هو مفطور عليه من الوجهة النّفسيّة، فالأحلام والأعصبة- فيما يبدو- قد أبقت على مخلّفات نفسيّة قديمة تفوق ما كنّا نستطيع تقديره، بحيث يحقّ للتّحليل النّفسيّ أن يطلب لنفسه مكانة عالية بين العلوم التي تشغل بتكوين صورة عن أقدم الفترات التي مرّ بها الجنس البشريّ في بدايته، وأكثرها غموضا.
سيغموند فرويد، تفسير الأحلام ترجمة مصطفى صفوان



البريقة - ليبيا - أبو بكر سليمان أبو بكر
29 آب (أغسطس) 2009 02:58
جميلة ومُعبّرة هي مثل هذه اللمسات والإشارات في موقع الأوان .. أعتقد أنه إذا اتفقنا على اعتبار العُصاب والحُلم بمثابة رسائل واعتراضات واعتصامات ومظاهرات وإضرابات تحمل إمضاء القاطنين بالأحياء المهجورة من ذاكرة الإنسان..، فإنه يجدر بنا تصنيفها، باعتبار الحُلم همسات ينبغي كتمانها ولا ينبغي تجاهلها، ولا أظن أن أحداً قادراً على قراءتها وتفسيرها غير أولئك المبعوثة بأسمائهم والحاملة لبصماتهم وأسرار لحظات دخولهم إلى الحياة! ولابد للهمسات أن تسبق الصراخ! ومن هنا يُصبح العُصاب ردة فعل على تجاهل المهموس لرسالة الحُلم، أو غضب عليه لبوحه بهمسات الحلم! أظن أن تفسير الأحلام بواسطة الأخرين - ولكي يكون دقيقاً ، فإنه يتطلب بوحاً صريحاً بأسرارٍ لا يكون البوح بها إلا ويعقبه عُصاباً لا يعترف بقيود وأخلاقيات المجتمع!
شكراً على هذه اللفتات المختصرة الدسمة!
الرد على التعليق