وتنزيلا لنفس الرّؤية الإناسيّة في سياق عربيّ إسلاميّ، نتناول هنا واقعة هدم بيت الإله العربيّ القديم "ذي الخلصة" من قبل النّظام السّعوديّ خلال الرّبع الأوّل من القرن الماضي ونتساءل: ما هي الرّواية التّاريخيّة لهدمه على عهد النّبيّ ؟ وما هي الدّواعي الحقيقيّة لإعادة هدمه ثانية بما مثّل حرتقة على النصّ التّاريخيّ الأصليّ ؟ وكيف نقرأ واقعة الهدم الثّانية على التّخوم المشتركة بين النصّ التّاريخيّ المثبت للهدم على عهد النّبيّ ونصّ أسطوريّ مواز نفترض تحكّم سياقاته في إنتاج الواقعة محلّ اهتمامنا ؟
كان لعرب الجاهليّة بيوتات عبادة مشهورة باسم "الكعبات" نظرا لشكلها المكعّب (يذهب بعض الباحثين إلى أنّ عددها 21 كعبة) من بينها "كعبة اللاّت" بالطّائف و"كعبة غطفان" و"كعبة نجران" و"كعبة شدّاد الأياديّ" و"كعبة رئام"…، ولعلّ أشهرها إطلاقا "الكعبة الشّاميّة" المعروفة باسم "كعبة مكّة" (الإكليل، ص 84). وكانت العرب تهدي الذّبائح لتلك البيوت وتزورها لتطوف بها وتستقسم عندها بالأزلام في محاولة استكناه ما يخبّئه الغيب (سيرة ابن هشام، ج 1، ص 85).
يخصّص محقّق كتاب الأزرقيّ فقرة تحت عنوان شديد الإيحاء هو "اضطراب الأمن والرّجوع إلى ذي الخلصة" للتّعليق على مسألة "ذي الخلصة"، ونحن نوردها على طولها لأهميّتها في ما نحن بصدده :"لمّا اضطرب حبل الأمن في جزيرة العرب في العصور الأخيرة وافتقد القاطنون فيها الرّاحة والطّمأنينة، وساد الفقر والإملاق في البلاد، أحسّت النّفوس بالرّغبة في التبتّل والتنسّك، وشعرت الأرواح بالحاجة إلى ملجأ تفزع إليه، فانقلبت إلى حياتها الجاهليّة الأولى بالتمسّك بالبدع والخرافات، وعادت إلى التمسّح بالأحجار والأشجار. وكانت دوس ومن يجاورها من القبائل في الطّليعة فرجعت إلى ذي الخلصة تتمسّح بها، وتهدي لها وتنحر عندها… ولمّا استولى جلالة الملك عبد العزيز الفيصل آل سعود ملك المملكة العربيّة السّعوديّة على الحجاز في عام 1343 هـ، عيّن عبد العزيز بن إبراهيم أميرا على مقاطعة الطّائف، وانتدبه لقيادة حملة سيّرها جلالته لإخضاع القبائل القاطنة في سَراة الحجاز. وبعد أن أخضعت الحملة قبائل زهران… خرجت إلى جبال دوس وذلك في شهر ربيع الثاني من عام 1344 هـ، وكان في دسكرة (ثروق) جدرات بنيان ذي الخلصة لا تزال قائمة… فهدمت البيت ورمت بأنقاضه إلى الوادي، فعفى بعد ذلك رسمها وانقطع أثرها. ويقول أحد الذين رافقوا الحملة: إنّ بينان ذي الخلصة كان ضخما بحيث لا يقوى على زحزحة الحجر الواحد منه أقلّ من أربعين شخصا وإنّ متانته تدلّ على مهارة وحذق في البناء" (أخبار مكّة، ج 1، ص 381).
فما الذي دعا هذا الأمير النّحرير إلى ارتكاب مثل هذه "الحماقة" التّاريخيّة ؟ هل هي الغيرة على الدّين أم مقتضيات "سياسة الأرض المحروقة" في سبيل إخضاع بعض القبائل من خلال تدمير مسجدها الجامع ؟ ونحن نقول هنا "مسجد جامع" ونعني ما نقول، إذ لا يعقل أن تعود قبائل سراة الحجاز الموغلة في البداوة وعلى رأسها قبيلة دَوْس إلى عبادة إله لا يعرف عنه الجهابذة إلاّ أقلّ القليل وعفت رسومه منذ أكثر من 1300 عام، بل واشتهر المبنى عبر التّاريخ بأنّه مسجد جامع لسكّان منطقة "تبالة" الحجازيّة برمّتها وما صاقبها من ربوع يمنيّة، إلاّ أن يكون هذا المسجد "مسجد ضرار" أي على صفة ما هو معروف في التّاريخ الإسلاميّ عن المسجد الذي بناه بعض منافقي يثرب سنة 9 للهجرة على أعتاب تجهّز النّبيّ لغزوة تبوك لتغطية نشاطاتهم ضدّ دولة النّبيّ النّاشئة في المدينة، وهي نشاطات لم تخل آنذاك من تآمر على المسلمين بتشجيع من بيزنطة (قصّة تآمر أبي عامر الرّاهب المعروف بالبطريق مثلا على ما تشير كتب السّيرة).
3- بين النصّ التّاريخيّ والنصّ الأسطوريّ:
ينبني سؤالنا على قراءة إناسيّة خاصّة لما رواه الشّيخان البخاريّ ومسلم من حديث أبي هريرة مرفوعا :"لا تقوم السّاعة حتّى تضطرب أليات نساء دوس حول ذي الخلصة" (الجمع بين الصّحيحين، ج 3، ص 7). وبقطع النّظر عن قدسيّة هذا الحديث وتكفير من يطعن فيه بإخراجه من الملّة حسب بعض الفتاوى المعاصرة ممّا لا مثيل له في الفتاوى القديمة (مثلا: الفتوى رقم 111862 بتاريخ 26-08-2008 من مركز الفتاوى على شبكة إسلام ويب)، فإنّ ما يهمّنا منه بالخصوص هو إشارته إلى عودة قبيلة دوس إلى الطّواف حول "ذي الخلصة" شرطا لقيام السّاعة، فابن حجر العسقلانيّ يشير مثلا إلى أنّ في هذا الحديث "الإخبار بأنّ نساء دوس يركبن الدوّاب من البلدان إلى الصّنم المذكور، فهو المراد باضطراب ألياتهنّ، ويحتمل أن يكون المراد أنّهنّ يتزاحمن بحيث تضرب عجيزة بعضهنّ الأخرى عند الطّواف حول الصّنم المذكور" (فتح الباري، ج 13، ص 76) .
فهل كان هدم "ذي الخلصة" في المرّة الثّانية من باب التدخّل في التّاريخ (بمعنى التسبّب المباشر في إحداث الوقائع) منعا لتحقّق نبوءة النّبيّ (أو نبوءة أبي هريرة على وجه أصحّ) بخصوص قيام السّاعة بعد أن تحقّق شرطها وهو "اضطراب أليات نساء دوس حول ذي الخلصة" ؟
4- مجاز تاريخيّ لواقعة أسطوريّة:
إنّ مثل هذا التّساؤل ربّما كان يحقّ لنا طرحه لو كان الهدف من هدم "كعبة ذي الخلصة" في المرّة الثّانية من متطلّبات الدّين الواجب "تخليصه" من شؤائب الوثنيّة بنيّة جرّ الجموع إلى "الإخلاص" لله وحده. إلاّ أنّ المنطق الدّينيّ السّويّ يمنع اجتراح فعل همجيّ هكذا إذ لا يمكن - من وجهة نظر دينيّة صرف- العمل على منع تحقّق نبوّة صاحب الدّين نفسه. وبما أنّنا ننزّه آل سعود عن مثل هذا التّفكير (تنزيه تجهيل لا تنزيه تزكية)، فإنّه لن يبقى أمامنا إلاّ افتراض وجود سبب سياسيّ خطير هو ما يبرّر الاستنجاد بالنصّ الأسطوريّ (حديث أبي هريرة) لخلق واقعة تاريخيّة، أو بالأحرى إعادة خلقها، استكمالا في الظّاهر لعمل "إسلامي" بطوليّ أوّلي هو هدم النّبيّ بعض المظاهر الوثنيّة للمعبد على عهده، ليضحي العمل في نهاية المطاف هدما كاملا وتامّا له، بما يؤول - ظاهريّا على الأقلّ - إلى القضاء على أحد مظاهر "الجاهليّة الجهلاء" مرّة واحدة وإلى الأبد.
وبما أنّ كلّ محاولة استكمال فعل تاريخيّ سابق تتطلّب الخروج عن مقتضيات الفعل الأوّلي بسبب تباين السّياقات التّاريخيّة الموجبة لكليهما، فإنّ ذلك هو ما يجعل التدخّل التّاريخيّ السّعوديّ "فجّا" (قياسا بالفعل النّبويّ الأصليّ)، إذ اقتضى ذلك التدخلّ تحميل النصّ الأسطوريّ ما لم يرد واضعه ولا سارده (بل وبما لم يفكّرا فيه أصلا، أي هدم المعبد) وهو ما أخرجه كليّا عن إطار سياقاته الدّينيّة الأصليّة (تحويل المعبد إلى مسجد جامع) بما مكّن في نهاية المطاف من توظيفه سياسيّا لبسط النّفوذ على قبائل مستقلّة وآمنة بقوّة السّلاح، وهو ما يعني في المحصّلة التعسّف على التّاريخ بإجباره على تكرار نفسه.
ألم يقل متقدّمونا أنّ التّاريخ لا يعيد نفسه، وإن فعل ففي قالب "مهزلة" ؟ أليس في هدم أحد معالم التّاريخ العربيّ القديم لهدف سياسيّ "هزيل" كلّ مظاهر "المهزلة التّاريخيّة" التي ما زلنا نعيش بعض أطوارها في زمن المتأسلمين "الهزيلين" هذا ؟ وأخيرا، أليس من "الهزل" أن نصرف بعض جهدنا ووقتنا في كشف مثل هذه "المهازل" ؟
المصادر:
• ابن حجر العسقلانيّ (أبو الفضل، أحمد بن عليّ): فتح الباري بشرح صحيح البخاريّ، تحقيق: محمّد فؤاد عبد الباقي ومحبّ الدذين الخطيب، دار المعرفة، بيروت 1977، 13 جزء.
• ابن سعد (أبو عبد الله، محمّد بن سعد): الطّبقات الكبرى، تحقيق: محمّد زياد منصور، منشورات الجامعة الإسلاميّة، المدينة المنوّرة، 1983، 8 أجزاء.
• ابن الكلبيّ (أبو المنذر، هشام بن محمّد): كتاب الأصنام، تحقيق:أحمد زكيّ، دار الكتب المصريّة، القاهرة 1965.
• ابن هشام (أبو محمّد، عبد الملك بن هشام الحميريّ): السّيرة النّبويّة، تحقيق: طه عبد الرّؤوف سعد، ط 1، دار الجيل، بيروت 1991، 6 أجزاء.
• الأزرقيّ (أبو الوليد، محمّد بن عبد الله): أخبار مكّة وما جاء فيها من الآثار، تحقيق رشدي الصّالح ملحس، دار الأندلس، مدريد، د.ت، جزءان.
• الحميدي (محمّد بن فتّوح): الجامع بين الصّحيحين البخاري ومسلم، تحقيق: عليّ حسن البوّاب، ط 2، دار ابن حزم، بيروت 2002، 4 أجزاء.
• مركز الفتاوى على شبكة إسلام ويب، الفتوى رقم 111862 بتاريخ 2008/08/26 (islamweb.net/ver2/Fatwa/ShowFatwa) ونصّها: "حديث ذي الخلصة حديث صحيح لا مطعن فيه، وقد رواه غير الشّيخين بأسانيد صحيحة، وقد حمله كثير من المحقّقين على الوقوع في آخر الزّمن قبل قيام السّاعة بعدما تأتي الرّيح فتقبض أرواح المؤمنين ولا يبقى إلاّ شرار النّاس… وليعلم السّائل أنّ الطّعن في مثل هذه الأحاديث يعتبر طعنا في أصل الشّريعة نفسها لأنّ نقلة هذه الأحاديث هم من وثقت الأمّة بما نقلوه في الصّلاة والصّيام وسائر أبواب الشّرع وقدّمت أحاديثهم على ما سواها، فليتب إلى الله وليبتعد عن مثل هذه التوجّهات".
• الهمداني (أبو محمّد، الحسن بن أحمد): الإكليل من أخبار اليمن وانساب حمير، تحقيق: محبّ الدّين الخطيب، دار الكتب المصريّة، القاهرة 1949.
• ياقوت الحمويّ (أبو عبد الله، ياقوت بن عبد الله): معجم البلدان، صحّحه: محمّد أمين الخانجي، دار الفكر، بيروت 1955-1957، 5 أجزاء.



- علي السعيد
30 أيلول (سبتمبر) 2008 01:44
انها مهزلة من مهازل العقل البشري ,وجريمة من جرائم الاسلام السياسي ,نطمح ونامل اماطة اللثام عن الكثير من اخبار العرب وخاصة بما يسمى( عرب الجاهلية). مع خالص حبنا وتقديرنا .
الرد على التعليق