الاربعاء 8 شباط (فبراير) 2012
الأوان من أجل ثقافة علمانية عقلانية

الصفحة الرئيسية > مقالات > هل البوذية ديانة أم طريقة للحياة؟

هل البوذية ديانة أم طريقة للحياة؟

الجمعة 16 كانون الثاني (يناير) 2009
طباعة المقال إبعث المقال عبر البريد الإلكتروني title=

شارك هذه الصفحة:
شارك

يقول البوذا: "لا أعرف شيئا عن أسرار الربّ لكني أعرف أشياء عن بؤس البشر". بهذه الكلمات يلخّص البوذا غايته ويذهب مباشرة إلى الهدف من البوذية. فبمعرفة الكثير عن البؤس الذي يعيشه البشر، والطريق الحافل بالآلام والمرارة الذي يسلكونه، وبفيض التوق إلى الإشباع الذي يَسمُ النفس البشرية، أعني التوق إلى إشباع الغرائز والاستمتاع باللذات التي لا تنتهي والتي ينطبق عليها ما تقوله الحكمة المتوارثة- إنما مثل الدنيا كالماء المالح كلما شربت منه ازددت عطشا – ثم الوصول الحتمي إلى المعاناة التي تسببها حالة عدم الإشباع والظمأ الدائم بالإضافة إلى آلام العجز والخوف والمرض وخشية الموت وكل أسباب الشعور بالتيه والفقدان والاغتراب كل ذلك كان يدعو البوذا إلى التأمل من أجل الوصول إلى الخلاص وتجاوز كل العقبات التي تعترض الطريق الى السعادة والكمال للوصول إلى ما تسميه البوذية التنوير أو – النيرفانا-.

ثم يقدّم البوذا أعظم ما تؤمن به البوذية قائلا "إن القداسة والكمال من الصفات التي يمكن إكتتسابها"، وبهذه الكلمات يحطّم البوذا كل الهالات المقدسة التي تحيط بالفكر الديني الذي سبقه ومنزّلا إياه من البرج العاجي الذي يناطح السماء إلى الأرض التي تضجّ بالأسئلة ومناهج البحث عن الحلول. في كتاب(THE TRIPLE GEM –(An introduction to Buddhism أي الجوهرة الثلاثية – مقدّمة في البوذية- وهو أحد ثلاثة كتب عن البوذية للكاتب الأميركي (جيرالد روسكو) والذي عاش في تايلند لردح من الزمن مؤمنا ومتأثرا بنمط بوذية تايلند نرى مدى اختلافها عن أنماط البوذية الأخرى المنتشرة في الهند وجنوب شرق آسيا والصين وغيرها فهناك تفسيرات متعددة في البلدان المختلفة. لقد درس جيرالد روسكو البوذية باعتبارها طريقة للحياة لا تشترط أي تنازل عن أي ايمان سابق أو عقيدة أو دين يؤمن به المرء، بل تؤكد على احترام كل الأديان، يقول البوذا-لا تزدري دينا لاتؤمن به-. تكتفي البوذية باستعداد المرء للالتزام بقواعد معينة لها علاقة بالتأمل والنظرة المحبة للحياة باعتبارها قيمة مقدسة. وممارسة الرياضة الروحية التي تهدف الى التركيز العقلي وتنمية الملكات التي ترقى بالأنسان فكريا وروحيا. وتدعو للتعامل المتسامح بين البشر والكائنات الأخرى والحفاظ على الحياة بكل انماطها. انها دعوة للحياة وسط هذا العنف المنتشر كالنار في الهشيم في زوايا العالم الأربع، وهي دعوة للعودة الى الذات وإعادة تربيتها لما يجلب لها السعادة والرضى وسط القلق وأمراض العصر المستشرية بشكل يدعو حقيقة الى إعادة النظر باسلوب الحياة العصري الذي يجلب مع تطوره العظيم وايجابياته - التي لا يمكن لعاقل أن يتنكر لها- سلبيات كبرى.

كما يؤكد البوذا أنّ الطريق الى الكمال يمرّ عبر التربية والتجربة الشخصية وليس هناك من مستحيل أمام الإنسان، كما تؤكد البوذية على مجموعة من الأمور التي تأخذ طابع التعهد الشخصي، يفرضه المرء على نفسه ويلتزم به قائلا :

— سأسلك بنفسي وبجميع أعمالي وأفكاريطريق الاستقامة والأخلاق.

— سأتعامل مع جميع الناس ومع جميع الكائنات ذوات الإحساس بالتفاهم والتعاطف والرحمة والمحبة.

— سأمتنع عن الغضب، سأكفّ عن البخل سأربّي وأرعى الهدوء الفكريّ.

— سأتأمل وسأكون مدركا وواعيا لجميع أفعالي وأفكاري وسأنبذ الغرور، سأقاوم جميع نزعات النفس.

- سوف لن أكون آسفا علىالماضي أو قلقا من المستقبل .

— سأطور سماحة الخلق والحلم وسوف لن أسمح لنفسي بالابتهاج والتهليل بالحظ الطيب أو اليأس والتشاؤم من الحظ السيء.

— سوف أناضل وأسعى من أجل تحسين مهارتي ومقدرتي لكي أتبع الطريق إلى التنوير.

هذا الكتاب كما يقول مؤلفه ما هو بالضبط إلا مقدمة. وهو موجّه في المقام الأول إلى القارئ الباحث عن دليل سهل وموجز عن الطريقة البوذية للحياة. يذكر جيرالد روسكو في مقدمته لكتاب الجوهرة الثلاثية توضيحا يشرح فيه ماذا تعني هذه الجواهر فيقول : "إنّ أولى تلك الجواهر هي البوذا: منشئ البوذية، والثانية هي الــــداما: أي التعاليم البوذية، والأخيرة هي السانغا: أي الأخوية الرهبانية". أما الصيغة البوذية التي نوقشت في هذا الكتاب فهي طريقة (ذيرافادا) بشكل خاص كتجربة في تايلاند، حيث إن البوذية هي دين الدولة الرسمي. الى جانب أقلية مسلمة و أخرى أصغر مسيحية بين خمسة وستين مليون تايلندياً تقريباً.(في 1995). وبوذيو ذيرافادا يعتبرونها بمثابة - سبيل الأقدمين - الذي يعني لهم الكثير، لكونها مستخلصة مباشرة من تعاليم بوذا المدوّنة في النصوص الاصلية المكتوبة بلغة –بالي- أو ما يسمّى "شريعة بالي".

يدعو البعض بوذية ذيرافادا بـ(مدارس الحكمة القديمة)، فـ(هنيانا) أو المركبة الصغرى، هي بوذية آسيا الجنوبية، تايلاند، بورما، كمبوديا، سيريلانكا. في حين أنّ (ماهايانا) أو المركبة العظمى، هي صيغة متأخرة عن البوذية في شمال آسيا والتبت واليابان ومنغوليا وكوريا. كما انّ البعض من سكان تايلاند يمارسون بوذية (ماهايانا) كذلك بعض الرهبان الصينيين و أتباعهم وبعض الفيتناميين . والآن هناك أكثر من نصف مليون بوذي في أمريكا الشمالية (1992). وسواءً مورست "بوذية ذيرافادا" في أي من تشكيلاتها المتنوعة ـ المركبة الصغرى، المركبة العظمى، المركبة الماسية، وكذلك في أنواع مختلفة من التّاوية ـ فإن ّكل هذه التشكيلات والتنويعات تظل أقلّ أهمية من الملجأ الذي يجده البوذيون في الجوهرة الثلاثية. ذاك أن لغة بالي، وهي لغة قديمة لبوذية ذيرافادا، تبقى لهذا اليوم لغة كهنوتية وكذلك السنسكريتية والتي هي لغة بوذية ماهايانا.هناك الكثير من كلمات لغة بالي لايمكن أن تترجم الى اللغة الإنكليزية كما يجب برغم ان هناك الكثير من الروايات أو خطابات البوذا تمت ترجمتها على نحو رائع وجميل،وهناك أيضا ماترجم بلغة متكلفة وبشكل غير مفهوم أو يفتقد الى البراعة. لحسن الحظ أنّ المعنى الذي يريده البوذا يمكن ان يتحقق وإن لم يكن بالكلمات نفسها. وهو المعنى الذي وصلت اليه عند الأستشهاد بأحاديث البوذا أو خطاباته، أي مايسمىّ بـ(السوتا).

ويضيف المؤلف في مقدمته قائلا "كما إني استخدمت علم المصطلحات الفنية للغة – بالي- بالإضافة الى البعض من المصطلحات من اللغة السنسكريتية المشهورة والمعروفة لدى القارئ مثل( نيرفانا أو كارما" وهي مألوفة اكثر من مصطلحات (نيبانا، وكاما)في لغة – بالي.

لازال جيرالد روسكو يعيش في تايلاند موطن البوذية منذ سنوات من أجل دراسة البوذية ومتابعة السير في طريقها ويقول: "لقد تعلمت بأن البوذية ليست جازمة ولا طقوسية ولا تميل الى التأمل الميتافيزيقي .كما إنها ليست ردة نحو النبؤة والخرافة واقوال العرّافين. بل هي ديمقرطية بلا تحيّز أو تعصب أعمى، إنها العلاج لما نعاني من آلام، إنها طريقة للحياة تعلّمت منها أيضا إنها ديانة عجيبة لا تؤمن بصلاة الى إله وتتجاهل السؤال القائل، هل هناك إله؟ كما إنها لا تميل الى الطقوس الاحتفالية، لكنها بدلا عن ذلك تدعو المرء لأن يعتمد على نفسه ويجد الحقيقة داخلها". "أنظر داخل نفسك"هذا ماقاله البوذا.

ختاما نذكر بعضا من الآيات التي وردت في فصل يحمل عنوان- تأمل الموت-:

" الليالي والأيام تستمر بالانزلاق

كما الحياة تستمر بالتضاؤل

حتى يمتد الموتى كبرك المياه

وفي الجداول الضحلة يُستنفذ الجميع".

— -

" قطرة الندى على ورق الحشائش

تغيب عندما تشرق الشمس

مثل الإنسان على امتداد الحياة".

— -

" رغم أنّ الجبال الضخمة كوّنت من الصخر

وكادت أن تصل إلى السماء

وكانت تتقدم من كل جانب

لتطحن كل الحياة التي في الأسفل

كذلك الحياة والموت يدوران على الجميع

محاربين ورهبانا

تجار وحرفيين

منبوذين وكناسين

تحطم كل الكائنات ولا توفر أحدا

وليس هناك خيرات ولا ثروات

يتم توزيعها ليفوزوا بها".

التعليق على هذا المقال

تعليقات حول الموضوع

- البصري
16 كانون الثاني (يناير) 2009 08:06

شكرا للاستاذ حربي على هذا الشرح المبسط للبوذية .عايشت بعض من بوذيو الهند لسنوات قلائل ..وجدت فيهم الهدوء في افعالهم وكلامهم وتصرفاتهم مع الاخرين سهلة ومرنة , وجدت فيهم الامانة والنصح والوفاء مع الاخرين , دون استثناء,ولهم مواقف انسانية كثيرة . كافراد كنت اكتشف فيهم الشفافية وطيب اقوالهم وافعالهم وسط عالم مليء بالغش والكذب والنفاق والخديعة . صفحاتهم في اقسام الداخلية لدول الخليج العربي تكادتكون بيضاء من ملوثات الجريمة والغش والانتحال .أعتقد .. بان على رأس وصايا بوذا لشعبه ( الاله إن كان موجودا أو غير موجود لايشكل بيننا مشكلة او معضلة )شكرا مرة اخرى …


الرد على التعليق

  • casablanca - mohammed chahyd
    10 تشرين الأول (أكتوبر) 2011 21:08

    يا اخي هل انت مؤمن بهذه العقيدة


    الرد على التعليق

    • peine - dr.m.bitar
      11 تشرين الأول (أكتوبر) 2011 22:01

      حتى ولو لم يكن السؤال موجه لي , أريد أن أطمئن السيدمحمد شهيد , على أني مؤمن جدا بهذه العقيدة , وأتمنى أن يؤمن العديد من العرب بها , لأنه بهذه العقيدة يمكن انقاذ العرب من الغيبية والظلام والظلم , الذي منيت به الشعوب العربية من جراء سيطرة الفكر المستعبد الظالم عليها , واذا كان الأستاذ محمد شهيد بحاجة الى شرح مفصل عن موضوع كارثية الفكر الاسلامي فأنا مستعد لذلك .. وقد يكون من المفيد له أيضا التعرف على بعض كتابات العفيف الأخضر أو اسامة عكاشة أو سيد القمني , وغيرهم ..لقد كتب وقيل الكثير في هذا الخصوص ,بعد التعرف على هذه الكتابات , أظن ان طارح السؤال سيؤمن بالبوذية بكل تأكيد ..


      الرد على التعليق

المغرب - ادريس شرود
12 تشرين الأول (أكتوبر) 2011 20:28

تحيتي إليك صديقي محسن.
- أشكرك على هذه المقاربة العاطفية للديانة البوذية ، وقد تكون تعاليم هذه الديانة الحل الامثل لمشاكل العصر بل للإقامة في هذا العالم دون ألم أو قلق ، " إنها العلاج لما نعاني منذ الآن ".
- أثير الإنتباه إلى انجذاب العديد من المفكرين والفلاسفة في الغرب إلى التعاليم الروحية والطقوسية لهذه الديانة ، بل سعيهم إلى الإقامة في الشرق الغرائبي في المدارس والمعابد وأروقتها ، وأخذ الدروس النظرية والتطبيقية (ممارسة الرياضة الروحية)، بل الرجوع بعد ذلك إلى البلد لتشييد القاعات والصالونات للتعريف بالديانة البوذية ، والبحث عن المريدين (زيادة عدد معتنقي البوذية في أمريكا الشمالية كما أشرتم ).
- عندما كان نيتشه يكتب مؤلفه الذي يحمل عنوان" جينيالوجيا الأخلاق " ، كشف شيئا من عبقرية منشئي الأديان .
- يقول نيتشه : " إن الإبتكار الأساسي لمنشئي الأديان هو أولا أن يضعوا طريقة معينة للعيش ، أن يضعوا ممارسة أخلاقية يومية تكون بمثابة انضباط طوعي وتذهب الغم في نفس الوقت ، بعد ذلك ، إعطاء تفسير لهاته الحياة بالضبط تبدو من خلالها مضاءة بالقيمة الأسمى ، بحيث يصبح هذا النوع من الحياة ملكا نصارع من أجله ، ونضحي بحياتنا من أجله عند الإقتضاء ".
- نستخلص من هذه الشذرة ، أن كل ديانة هي طريقة في الحياة ، تفرض عبر الزمن كثيرا من القواعد والإلزامات تكون علامة على فضيلة الإيمان والإعتقاد.
- لنتساءل الآن عن خصائص الحياة على الطريقة البوذية ، وسأستند في ذلك إلى مقارنة بين تعاليم وفضائل البوذية كما عرضتها المقالة ، وشذرات من النقد الجينيالوجي لنيتشه لهذه الديانة.
- تتعرض المقالة للهدف الأسمى للكائن البوذي ، وهو الوصول إلى "النيرفانا" عن طريق التنويم الإيحائي الذي يمارسه الكهنة للوصول إلى "الغبطة الكونية النهائية" الذي يقابلها مفهوم "العدم" عند نيتشه .
- مقاومة جميع نزعات النفس ، وتعني عند صاحب الجنيالوجيا قتل الغرائز واقتلاع النزوات وخنق مشاعر الحب ، عن طريق التخلي عن النساء ما أمكن .
- لا يمكن للرياضة الروحية أن تؤدي إلى التركيز العقلي وتنمية الملكات ،بل هدفها الأسمى هو عدم إثارة الأهواء وإلغاء الإرادة والقضاء على الرغبة التي هي جوهر الكائن البشري .
- رعاية الهدوء الفكري وتجنب الأسف والقلق والإمتناع عن الغضب ونبذ الغرور والإشادة بالتفاهم والتعاطف والرحمة والمحبة والتسامح ، كلها مزايا الكائن الضعيف وتخنيث شائن للشعور وتمجيد لأخلاقية التقاليد.
- ملاحظة مثيرة :
- يقول البوذا: " لا أعرف شيئا عن أسرار الرب لكني أعرف عن بؤس أشياء البشر ".
- يقول نيتشه : " ربما لا شئ يميز الناس والحقب مثل درجة المعرفة المغايرة التي يملكونها على التوالي عن البؤس : بؤس الروح كبؤس الجسد " . لنطرح السؤال التالي :
- هل بالفعل يمكننا أن نبني ذوات حرة وقوية عن طريق معرفة البؤس ؟
- أشكرك صديقي حربي محسن عبد الله .


الرد على التعليق

  • - محمد رحال
    13 تشرين الأول (أكتوبر) 2011 08:24

    عن معتقدات بوذا و تناقضتها : لم يدّع بوذا يوما أنه نبي يوحى إليه، فضلا عن أن يدعي أنه إله يعبد ويتقرب إليه، كما ظنه بعض أتباعه، فغاية ما فعله بوذا أنه رسم طريق النجاة - حسب ظنه -، مما يعده سبب الشقاء في هذه الحياة، فدعا إلى بعض الأفكار والمعتقدات التي رآها جديرة بتخليص الإنسان من آلامه، فمن تلك الأفكار أولا): إنكار الإله : حيث شكل الإنسان محور دعوة بوذا، فهو لم يكن نبيا يوحى إليه بالمغيبات، أو فيلسوفا يفكر فيما وراء الطبيعة وفي قدم العالم أو حدوثه، بل كانت دعوته منصبة على ما يراه سبيل الخلاص للبشر، ومن هنا كان ينهى تلامذته عن الكلام في الغيبيات، والحرص على سلوك سبيل النجاة الذي رسمه، ولكنه وقع في زلة ما كان لعاقل أن يقع فيها، وهي إنكار الإله الخالق الذي اتفقت العقول السليمة والفطر المستقيمة على الإقرار بوجوده . ثانيا : إنكار الروح والعقل : وهو بذلك يقع في تناقض واضح، إذ كيف يؤمن بوذا بالتناسخ وتعاقب الولادات عن طريق تنقل الروح من جسد إلى جسد وهو في ذات الوقت يجحد وجودها !! ثالثا : اعتقاده بمذهب التقمص أو تناسخ الأرواح : وهو مما ورثه من اعتقادات الهندوس، ومذهب قائم على تكرار المولد في ولادات متعاقبة، فلا ينتهي عمر الإنسان في مرحلة ما بالموت حتى يبدأ حياة أخرى، يتحدد فيها قدره سعادة وشقاوة حسبما تهيأ له من السلوك السابق . واعتقاد بوذا لهذا التعاقب السخيف هو الذي جعله يزدري الحياة البشرية ازدارء مقيتا، فالولادة - في نظره - هي أم الشرور جميعا، لذا لا بد من تجفيف معينها، فدعا إلى الرهبنة وترك ملاذ الحياة ، وفي مقدمتها النكاح ، ولو سمعت البشرية مواعظه في هذا الشأن لما بقي على وجه الأرض من يمشي على ظهرها !! رابعا: النجاة عند بوذا: أو ما يسمى ب"النيرفانا" وهذه تحصل لمن استطاع أن يعيش حياة يسودها عدل كامل، حياة يسودها صبر وشفقة على الكائنات جميعا، وأن يخمد شهوات نفسه ساعياً وراء فعل الخير دون سواه، عندئذ يجوز أن يجنب نفسه العودة إلى الحياة، وعندها سينجو وسينطلق إلى عالم آخر عالم لا يمت إلى الواقع بصلة . عالم يصفه بوذا بقوله : " أيها المريدون هي طور لا أرض فيه ولا ماء ، ولا نور ولا هواء ، لا فيه مكان غير متناه ، ولا عقل غير متناه ، ليس فيه خلاء مطلق ، ولا ارتفاع الإدراك واللا إدراك معا ، ليس هو هذا العالم ، وذاك العالم ، لا فيه شمس ولا قمر " وهذا الطور أو هذه الحياة التي يصفها بوذا بهذا التعثر والاضطراب هو ما يدعونه النيرفانا والمقصود بها النجاة، وهي خيالات وأوهام فاسدة . خامسا : إنكار طبقات الهندوس : فقد أنكر بوذا الطبقية من جملة ما أنكر - من عقائد الهندوس - فهي التي ولدت الأحقاد والضغائن بين فئات المجتمع ، وهو ما أعطى لدعوته زخما لدى الطبقات المنبوذة من المجتمع الهندوسي حيث وجدت فيها ملجأ من ظلم البراهمة وتجبرهم . ويلحظ أن هذه الاعتقادات لم تكن سوى موروثات ثقافية، سبقت بوذا أو عاشت معه، فإنكار الإله والطبقات هو مذهب الجينية، وكذلك فكرة النجاة عند بوذا هي فكرة معدلة عن فكرة النجاة عند الجينيين، فلا حقيقة لما تقوله البوذية حول إشراقة بوذا، فاعتقاداته في مجملها مستمدة ممن قبله أو عاصره، فأين تلك الإشراقات الجديدة التي جاء بها بوذا !!


    الرد على التعليق


الحياة، Picasso

في مفهوم "الدّولة (...)

مفهوم وتركيب لغويّ ظهر حديثا في البلدان العربيّة وباللّغة العربيّة، وهي على الأرجح تنفرد به في اللّغة السّياسيّة المتداولة حاليّا. فصفة المدنيّة تنسب غالبا إلى المجتمع لتعني الفضاء المتوسّط بين الأسرة والدّولة، أي الجسد الاجتماعيّ المنظّم على نحو إراديّ وبمعزل عن الطّبقة السياسيّة. وتنسب إلى المواطن لتعني المواطن الذي ينهض بحقوقه وواجباته من تلقاء نفسه وبكلّ حرّيّة. ويضيفها الفيلسوف الفرنسيّ أتيان (...)
alawan on facebook
alawan on twitter