الاربعاء 23 أيار (مايو) 2012
الأوان من أجل ثقافة علمانية عقلانية

الصفحة الرئيسية > أبحاث > هوامش على كتاب "تاريخية الدعوة المحمدية في مكّة" لهشام جعيّط(1)

هوامش على كتاب "تاريخية الدعوة المحمدية في مكّة" لهشام جعيّط(1)

الثلثاء 28 حزيران (يونيو) 2011
بقلم: محمد النجار  
طباعة المقال إبعث المقال عبر البريد الإلكتروني title=

شارك هذه الصفحة:
شارك

نقدّم في هذا المبحث بعض الهوامش حول مسألة اسم النبيّ التي تعرّض لها هشام جعيّط أثناء دراسته للسيرة النبويّة.

يقول هشام جعيّط في صفحة (149) : (فالبلاذري في أنساب الأشراف يقول بخصوص عبد الله: "ويكنّى أبا قثم ويقال أبا محمّد" فهو يرجّح الكنية الأولى. ويذكر في مقام آخر أنّ من أبناء عبد المطّلب من اسمه قُثم توفّي في الصغر وأنّ أباه كان يحبّه كثيرا. فمن المعقول أن نستنتج أنّ النبيّ سمّي على اسم عمّه المفقود وهذا من عادات قريش. ولمّا تلقّب النبيّ بمحمّد أو بالأحرى لقّبه الوحي بذلك، سمّى العبّاس ابنا له بقثم لأنّ لقب محمّد نزع الاسم الأصلي عن الرسول. هذا أيضا استنتاج معقول، وعندما يترجم البلاذري لقثم بن العبّاس يصرّح بأنّه كان يشبّه برسول الله، وهذا خبر يرد في مصادر أخرى. وهكذا يكون اسم النبيّ أصلا هو قثم، وقد تصحّ الرواية أو لا تصحّ، وقد تكون ملفّقة تقرّبا من بني العبّاس وأوردت بخجل عن طريق كنية عبد الله، لكن هذا نصّ والمؤرّخ يتعامل مع النصوص. فلا يمكن له أن يتماشى مع ما قاله بلاشير من أنّ محمّد قد يكون اسمه الأصلي عبد العزّى أو شيئا من هذا القبيل، من دون أيّ سند وخلافا للأعراف القرشيّة، حيث إنّ عمّه أبا لهب اسمه عبد العزّى وكان حيّا يرزق) انتهى. 

وافتراض أنّ اسم النبيّ "قثم" كان قد طرحه من قبل إسماعيل أدهم مشيرا إلى أنّ نسب الرسول مختلق وأنّ اسمه "قثم" أو "قثامة"، ويضيف أنّه بيّن بالدلائل أنّ المطّلب لم يكن شخصا تاريخيّا وأنّ عبد المطّلب لم يكن جدّا حقيقيّا للرسول(2).

 وقبل أن نتعرّض لاسم النبيّ نودّ التوقّف بسرعة عند اسماعيل أدهم حول فرضيّة اختلاق نسب الرسول حيث أنّ هذه الفرضيّة تواجه مشكلة تاريخيّة وهي وجود الأرضيّة المناسبة، قديما، لإظهار هذا التلاعب في النسب، فلو افترضنا أنّ العبّاسيّين نسبوا النبيّ إليهم بعد زوال دولة الأمويّين الذين لم يصلنا شيء من كتاباتهم في القرن الأوّل الهجري، وذلك للرفع من شأن دولتهم وإعطائها مرجعيّة دينيّة عبر النسب، فإنّ هذه الفرضيّة ضعيفة لأنّ دولة الأمويّين قامت في الأندلس وكان يمكنهم تكذيب هذا التلاعب، لكنّهم لم يفعلوا، رغم عداوتهم الشديدة للأمويّين، ونحن نملك تاريخا بيزنطيّا عربيّا مكتوبا باللاتينيّة في إسبانيا سنة 741م/120هـ يذكر فيه أنّ النبيّ من عائلة نبيلة، وهذا قبل سيرة ابن إسحاق في الشرق، وجاء فيه: (اجتمعت طوائف عديدة من العرب[Sarracenorum] وأخذوا يغزون مقاطعات سوريا والعربيّة والعراق، وكان اسم قائدهم والحاكم فيهم محمّد [Mahmet] الذي ولد في أنبل عائلة عندهم، وكان رجلا حذرا ومستشرفا عددا لا بأس به من الأحداث المستقبليّة)(3) فالكاتب يشير هنا إلى أنّ محمّدا ولد في أنبل عائلة عندهم، وهذه الأحداث المستقبليّة التي يتحدّث عنها النصّ يبدو أنّها أحاديث فتح الروم وفارس وغيرهما، حملها الفاتحون الأوائل معهم إلى الأندلس وطرقت سمع كاتب هذا التاريخ، وقد يذهب في الظنّ أنّها روايات اختلقها أهل الحديث أي أنّها نُسبت إلى النبيّ بعد أن وقعت بالفعل، لكن نرى أنّ جوهرها صحيح بغضّ النظر عن التفاصيل، ونرى أنّ النبيّ وعدهم فعلا بفتح تلك البلدان وحكم العالم، ككلّ قائد يشجّع جنوده ويعدهم، حيث جاء في نصّ لـ "سوفرونيس" Sophronios باليونانيّة حوالي سنة 635م/13هـ، يتحدّث عن محاصرة العرب للقدس: (وكانو يفخرون بأنّهم سيحكمون العالم كلّه، مقلّدين في ذلك زعيمهم بلا أيّ تحفّظ أو تردّد)(4). وتاريخ هذا النصّ يعود إلى ثلاث سنوات فقط بعد وفاة النبيّ المفترضة، ويشير إلى أنّهم يتبعون خطى قائدهم وأنّهم سيحكمون العالم.

أمّا عن كون اسم النبيّ "قثم"(5) وذلك باعتماد ما ذكره البلاذري، فهو طرح ناقص لا يتناول جميع الأخبار التي من شأنها أن تنير الضوء لفرضيّات أكثر متانة، وصحيح أنّهم كانوا يتسمّون بأكثر من اسم، فمن أجداد النبيّ، حسب السيرة، مثلا: قصيّ واسمه زيد، ثمّ عبد مناف واسمه المغيرة، ثمّ هاشم واسمه عمرو ثمّ عبد المطّلب واسمه شيبة ثمّ عبد الله ولا نعرف اسمه ثمّ النبيّ، لكنّ اعتماد نصّ البلاذري وحده لا يمكن أن يكون نتيجة يتوصّل إليها الباحث، بل هو خبر سنجمعه مع الأخبار الأخرى لتتوضّح لنا الصورة أكثر، وسنرقّمها بالترتيب. 

1-جاء في سيرة ابن هشام أنّ آمنة تروي قائلة: (ثمّ حملتُ به [أي بمحمّد] فوالله ما رأيت من حمل قطّ كان أخفّ عليّ ولا أيسر منه)(6) فهي تذكر أنّ حملها بمحمّد هو أخفّ حمل، ونقرأ شاهدا آخر لهذه الرواية بأكثر وضوح عند ابن سعد في الطبقات: (قالت أم النبي، صلى الله عليه وسلم، قد حملتُ الأولاد فما حملتُ سخلة أثقل منه)(7) فكأنّ آمنة قد حملت بولد أو أولاد قبل النبيّ، ويعلّق الصالحي في سبيل الهدى والرشاد قائلا: (فلا يمتنع أن تكون آمنة أسقطت من عبد الله سقطا فأشارت بذلك إليه فتجتمع الروايات إن قبلنا كلام الواقدي. بل جازف سبط ابن الجوزي رحمه الله كعادته فقال: أجمع علماء النقل على أنّ آمنة لم تحمل بغير رسول الله (ص) […] كذا قال، ولا يخفى وهي كلامه)(8) فالصالحي هنا، يقترح أن تكون آمنة قد حملت، قبل محمّد، ثمّ أسقطت حملها، ويرى أنّ القول بأنّ آمنة لم تحمل بغير محمّد هو كلام واه وفيه مجازفة.

2- ذكر ابن سعد في الطبقات أنّ حمزة كان أكبر من النبيّ بأربع سنوات(9)

3- ذكر ابن عبد البرّ في الاستيعاب أنّ عبد المطّلب تزوّج في اليوم ذاته مع ابنه عبد الله(10) من هالة بنت وهيب أخت آمنة وأنجب منها حمزة والمقوّم وحجل وصفيّة.

4-ذكر البلاذري في أنساب الأشراف أنّ عبد الله كان يكنّى أبا قثم.

فإذا جمعنا هذه الأخبار وألّفنا بينها ولم نقتصر فقط على كلام البلاذري، لتوضّحت لنا الصورة تماما ويكون التحليل كالتالي: في اليوم نفسه تزوّج عبد المطّلب من هالة وتزوّج عبد الله من آمنة.

أنجب عبد المطّلب حمزة وأنجب عبد الله قثم وبه تكنّى ثمّ توفّي ابنه صغيرا.

بعد أربع سنوات من الزواج أنجبت محمّدا.(11) (ولذلك نفهم كيف يكون عمر حمزة أكبر من النبيّ بأربع سنوات رغم أنّ أباه وأبا النبيّ تزوّجا في اليوم نفسه)

ويكون عبد الله عاش مع آمنة أربع سنوات على أقلّ تقدير، ولم يمت إثر زواجه، وقد انتبه هشام جعيّط إلى هذه النقطة قائلا (ص147): (إذن أبوه مات وهو صغير السنّ من دون شكّ وليس قبل أن يولد) لكنّ أستاذنا، إذ انتبه إلى هذه النقطة فإنّه بالمقابل لم يربط بين مختلف الأخبار.

إذن فإنّ كنية "أبي قثم" تشير إلى "قثم" أخي محمّد، والذي توفّي صغيرا، ولا تشير إلى أنّ محمّدا نفسه كان اسمه قثم.

معنى اسم محمّد:

يذكر هشام جعيّط الآيات الأربع التي يوجد فيها اسم "محمّد" ثمّ الآية من سورة الصفّ التي فيها اسم "أحمد" ثمّ يعلّق عليها قائلا (ص 147-148) : (العلاقة مع المسيحيّة واضحة في الآية الأخيرة كما الصلة بإنجيل يوحنّا حيث يرد ذكر "الباراكليتس" Parakletos وهي كلمة غير واضحة ترجمت باللاتينية بعبارة Advocatus وبالفرنسية بكلمة تعني: المواسي بعدي consolateur، لكن لا ندري كيف كانت الترجمة السريانيّة، وهي على الأرجح القريبة من النصّ القرآني والتي اعتمدها ابن إسحاق) انتهى.

في الحقيقة، نحن ندري كيف كانت الترجمة السريانيّة، فقد أخبر عنها ابن إسحاق نفسه قائلا: (والمنحمنّا بالسريانيّة: محمّد…) وهو ما أشار إليه أستاذنا في الهامش رقم (194) كما أنّنا نملك الترجمة السريانيّة للعهد الجديد "البشيطا" وتمّت ترجمة παρακλητος إلى "فارقليطا" لكن في الترجمة السريانيّة الفلسطينيّة (القرن الرابع الميلادي) فقد وقع ترجمة الكلمة إلى "منحمنا" ومن الواضح أنّها هي الترجمة التي اعتمدها ابن إسحاق، ويمكن مراجعة بحثنا "محمّد الفارقليط، رسول الله" في موقع الأوان.(12) أمّا أنّها قريبة من النصّ القرآني فهذا كلام جانب الصواب، فكلمة "منحمنا" السريانيّة تعود إلى جذر "نحم" بينما "محمد" و"أحمد" تعودان إلى جذر "حمد" ولا توجد أيّة علاقة بين الكلمتين.

ويضيف هشام جعيّط في ص 148: (أمّا كون عبارة "محمّد" مأخوذة من السريانيّة، فهو ممّا لاشكّ فيه ولنا حجّة في المصادر التي وردت بخصوص الأمير الغسّاني، والحارث بن جبلّة الذي كان يتمتّع منذ 561م بلقبيْ البطريق والفيلاركس الرسميين. يقول نولدكه بهذا الصدد : "وكان يطلق عليهم "البطارقة" كما على سواهم من أهل الطبقات العليا لقب vir illustrus، وقد نقل السريان هذا اللقب إلى لغتهم بكلمة (محمدان) وأطلقوه على الأمراء الغسّانيّين، وتعني الأمجد، الأشهر، illoustrios باليونانيّة وباللاتينيّة على حدّ سواء) انتهى.

لا نعتقد أنّ المسألة بهذه البساطة حيث أنّ لقب ιλλουστριος هو لقب تشريفيّ "إداريّ" وليس لقبا دينيّا لذا يعقّب أستاذنا قائلا: (هذه الكلمة ترجمة لعبارة الباراكليتس كما وردت لدى ابن إسحاق، فهي عبارة تفخيم ورفعة اتّخذها النبيّ في المدينة بعد أن ارتفع مقامه لكنّه أكسبها معنى دينيّا وربطها بتراث المسيحيّة زيادة على معناها الدنيوي) وهذا التعقيب يزيد الأمور تعقيدا بدل حلّها، فلا يمكن أوّلا الأخذ بتفسير ابن إسحاق فهو تفسير خاطئ، و"منحمنا" التي ذكرها ابن إسحاق لا تعني محمدان، ومحمدان "التشريفيّة" لا تعني محمّدا، هذا إن صحّ أصلا أنّ ιλλουστριος= illoustrios تترجم في السريانية إلى "محمدان" حيث نعتقد أنّها تترجم إلى (ܡܫܒܚܐ = مشبحا) مثلما ورد في معجم Payne Smith، لكن وعلى كلّ حال فالمعنى متقارب ولفظة "محمّد" تعني أيضا "التمجيد" و"الحمد" ولا مشكلة في هذه النقطة لكن من غير الوارد الربط بين "منحمنا" الإنجيليّة بـ "محمدان" التشريفيّة لمعرفة سبب تسمّي النبيّ بلقب "محمّد"، كما أنّ هذا الطرح لا يأخذ بعين الاعتبار جميع المصادر الأخرى التي من الممكن أن توضّح لنا الرؤية عن معنى اسم "محمّد" وهو ما سنتناوله الآن.

ذكر أهل الأخبار أسماء من تسمّوا محمّدا قبل الإسلام، بلغ عند بعضهم خمسة عشر اسما، ونرى أنّها أسماء موضوعة حيث نلاحظ أنّها مفرّقة على القبائل فكلّ قبيلة تزعم أنّ أحد أجدادها تسمّى محمّدا، لكنّهم اتّفقوا في اسم أو اسمين وهما محمّد بن سفيان بن مجاشع ومحمّد بن أحيحة بن الجلاّح، أمّا الأوّل فقد كان أسقفا(13) وكان يقضي في سوق عكاظ وهو جدّ الشاعر الفرزدق، والثاني أخو عبد المطّلب لأمّه،(14) وبالنسبة لاسم النبيّ فنرجّح أنّ أهل الأخبار لم يعرفوا إلاّ اسم "محمّد" ولو كان عندهم خبر عن اسم "قثم" لذكروه، لكن منهم، في المقابل، من يعرف أنّه صفة ونعت لا إسما علما متداولا عند العرب في الجاهليّة، فمثلا يتحدّث ابن قيّم الجوزيّة عن أسماء النبيّ قائلا: (وكلّها نعوت ليست أعلاما محضة لمجرّد التعريف، بل أسماء مشتقّة من صفات قائمة به توجب المدح والكمال، فمنها محمّد، وهو أشهرها)(15) فلفظة "محمّد" هي لقب على الأرجح، لكن في أيّ إطار؟

 نملك إشارة إلى اسم "محمّد" في نقش جنوبيّ سنة 523م أثناء محاصرة "نجران" من طرف ذي نواس، وهو نصّ طويل وجاء في ختامه: (wtf/tmmm/dhdyt/rbhd/bmhmd)

وترجمته: (كتب تمم من "حضت" ربّ اليهود بمحمّد) والمعنى: قام بكتابة هذا النصّ تميم (أو تمّام) الحضتي، ندعوك يا ربّ اليهود بمحمّد.(16) ولفظة "محمّد" هنا، حسب سياق النصّ، تعني "الممجّد"(17) أي (يا ربّ اليهود ندعوك بـ"اسمك" الممجّد) ومثلها مثل النقش (C543/2) "رب اليهود برحمنن" أي (ربّ اليهود باسمك الرحمن) وهذا هو رأي Beeston وإن كان يتساءل هل يمكن استعمال صيغة الدعاء هذه للإنسان، أي لشخص صفته "محمّد"؟

 من الممكن أن تكون صيغة "محمّد" تعني شخصا بشريّا لا صفة إله، ويكون حرف "الباء" تقرّبا إلى الله بذلك الشخص أي: (ندعوك يا ربّ اليهود "ونتقرّب إليك" بمحمّد) لكن ينبغي التنبيه إلى أنّنا في سياق يهوديّ، فكاتب النصّ يهوديّ، ويجب أن نعود إلى التراث اليهوديّ لوضع الكلمة في سياقها الدينيّ.

 جاء في سفر دانيال (9، 21-24) : (وبينما أنا أتكلّم وأصلّي وأعترف بذنبي وذنب شعبي اسرائيل، وأطرح تضرّعي أمام الرب إلهي […] إذ بالرجل جبرائيل الذي رأيته في الرؤيا، من قبل، وثب نحوي ولمسني عند وقت تقدمة المساء. وأوحى إليّ وتكلّم معي وقال يا دانيال: إنّي جئت الآن لأعلّمك الحكمة، لقد قضي الأمر حينما بدأت تضرّعاتك وأنا جئت لأخبرك لأنّك أنت محبوب (חמודות=حمودوت). فتأمّل قولي وافهم الرؤيا: لقد قضيت على شعبك ومدينتك المقدّسة سبعين أسبوعا، لإنهاء المعصية ومسح الذنوب وكفارة الاثم، وليؤتى بالعدل الأبديّ، ولختم الرؤيا والنبوّة (ולחתם חזון ונביא=ولختم حزون ونبيا) ولمسح قدّوس القدوسين (ולמשח קדש קדשים=ولمشح قدش قدشيم).

 ثمّ في سفر دانيال (10، 11) : (وقال لي: يا دانيال أيّها الرجل المحبوب (איש חמדות= إيش حمدوت) افهم الكلام الذي أكلّمك به…)

 وكذلك في (10، 19) : (وقال: لا تخف أيّها الرجل المحبوب (איש חמדות=إيش حمدوت) سلام لك..)

وقد اقترح Kurt Hruby أنّ איש=إيش العبريّة (وتعني: رجل) من الممكن أن تقابل "مـ" بالعربيّة، و"حمدوت" تقابل "حمّد"، فإيش-حمدوت يعني "محمّد" بالعربيّة(18) لكن هذا التفسير لا أراه مقنعا ولا أرى سببا تتحوّل فيه (איש=إيش=رجل) إلى "مـ" بالعربيّة بينما يمكن، وببساطة، اعتبار لقب "محمّد" إحالة على كلمة "حمدوت" חמדות نفسها التي أطلقها جبريل على دانيال وأخبره بختم النبوّة، وهو ما أعلنه النبيّ عن نفسه، وهذا قد يؤدّي إذا توسّعنا في تحليل رؤيا دنيال، إلى إمكانيّة النظر إلى الإسلام المبكّر على أنّه حركة "مسيانيّة" مثلما ذلك طرح مؤخّرا Gallez (19) ومن قبله Crone و Cook (20) بيد أنّ هذه الفرضيّة فيها مجازفة وتطرح الكثير من الأسئلة التي لا إجابة عليها مثلما نبّه Donner (21) بحقّ.

لكن إذا تجنّبنا الطرح "المسياني" فإنّه من الجائز جدّا أن تكون "محمّد" مشتقّة من "حمدوت" الدنياليّة، وتجدر الإشارة إلى أنّ كلمة (محمّد=מחמד) مذكورة حرفيّا في العهد القديم أكثر من مرّة لكنّها تأتي دائما في صيغة صفة بمعنى "مشتهى" مثل نشيد الإنشاد (5، 16) وغيره والتي لا علاقة لها باسم "محمّد" إلاّ في حالة رؤيا دنيال التي نجد فيها الكلمة بصيغة "لقب"، ويكون النبيّ قد أطلق على نفسه هذا اللقب "الدنيالي" الذي يعلن عن ختم النبوّة، أو أنّ عبد المطّلب أطلقه عليه منذ صغره وتشبيهه بأحد الأنبياء، أو أطلقه عليه اليهود، لا يهمّ!

فإطلاق لقب "محمّد" على النبيّ هو محاولة لتحقيق هذه النبوءة الدنياليّة، مع الأخذ بعين الاعتبار الفضاء المدراشي بطبيعة الحال، فقد كان بعض اليهود ينتظرون مجيء نبيّ فعلا يليه مجيء المسيح مثلما نقرأ في مخطوط قمران رقم (4Q174)(22) حيث أنّ هذا النبيّ سيكون مصدّقا لشريعة موسى ومبيّنا لها (قارن مع سورة المائدة، آية15: "يا أهل الكتاب قد جاءكم رسولنا يبيّن لكم كثيرا ممّا كنتم تخفون من الكتاب ويعفو عن كثير قد جاءكم من الله نور وكتاب مبين" وقارن كذلك سورة الفرقان، آية 33: " ولا يأتونك بمثل إلاّ جئناك بالحقّ وأحسن تفسيرا" حيث يعتقد أنّ تفسيره [للشريعة] هو الحقّ والأحسن) ويشير هذا المخطوط كذلك إلى أنّ هذا النبيّ المنتظر سيقوم ببناء معبد آدم (قارن مع الروايات المحاكة حول الكعبة، حيث نرجّح أنّه هو فعلا من بناها ولم تكن مبنيّة من قبل، ونجد صدى لهذه المسألة في السيرة حينما عاون قريش على بناء الكعبة) ونقرأ في مخطوط رقم (4Q175)(23) أنّه سيأتي نبيّ مثل موسى (في إشارة إلى سفر التثنية 18، 18-19) وكذلك كاهن كبير وكذلك ملك من نسل داود (أي المسيح) لكن يمكن أن يحمل هؤلاء الثلاثة لقب "المسيح"، فلا عجب إذن أن نجد نصوصا تخبرنا بأنّ اليهود تعاونت مع محمّد في بداية دعوته في يثرب، مثلما ذكر تيوفان Theophane (ت818م/196هـ) في تاريخه باليونانيّة قائلا: (عندما بدأ محمّد دعوته ضلّ اليهود معتقدين أنّه المسيح فاتّبعه بعض القادة منهم تاركين ديانة موسى الذي كان يعرف الله. وقد كانوا عشرة رافقوه طيلة حياته، لكنّهم حينما رأوه يحلّل لحم الجمل عرفوا أنّه ليس هو الرجل الذي كانوا ينتظرون…)(24) ولا عجب أن تكون القبلة في البداية متوجّهة إلى بيت المقدس كقبلة اليهود، ولا عجب أن يخبرنا "سبيوس" Sébéos بالأرمينيّة حوالي سنة 660م/38هـ أنّ العرب واليهود قد تعاونوا مع بعضهم في البداية(25) أو أن نعلم أنّ أبيّ بن كعب كاتب النبيّ وحافظ القرآن كان حبرا من أحبار اليهود(26) أو أنّ زيد بن ثابت، كاتب النبيّ وجامع القرآن، كان يهوديّا قبل إسلامه وله ذؤابتان(27) أو أن نقرأ "أبوكاليبس" معاصرا للإسلام المبكّر كتبه يهوديّ فيه أنّ نبيّا يخرج من بني إسماعيل [العرب] ويخلّص بني إسرائيل من مملكة أدوم الشريرة [الروم] ويمهّد لمجيء المسيح(28) أو أن نعلم بأنّ اليهود كانوا يغزون مع النبيّ فيسهم لهم(29) أو أن نلاحظ أنّ القرآن يمتح كثيرا من التراث التلمودي والمدراشي(30) فهو مصدّق لما بين يديه، أو أن يتمّ ذكر اسم موسى في القرآن أكثر من مائة وثلاثين مرّة، ولا غرابة أن يستقرّ المقام بالنبيّ أوّل هجرته بقباء وأغلبها من اليهود، فكثير من الدلائل تشير إلى الفضاء الدينيّ اليهوديّ بما فيه اسم النبيّ الذي هو امتداد لرؤيا دنيال، لكن حدثت القطيعة فيما بعد بينه وبين اليهود وليس منذ البداية.

قد يعترض البعض مؤكّدين على أنّ القطيعة مع اليهود حدثت منذ بداية دعوته، مشيرين إلى سيرة ابن هشام حيث يذكر بيعة العقبة قبل الهجرة بين النبيّ والأنصار فيقول النبيّ: (أبايعكم على أن تمنعوني ممّا تمنعون منه نساءكم وأبناءكم. فأخذ البراء بن معرور بيده، ثمّ قال: نعم، والذي بعثك بالحق نبيّا، لنمنعنّك ممّا نمنع منه أزرنا، فبايعنا يا رسول الله، فنحن والله أبناء الحروب، وأهل الحلقة، ورثناها كابرا عن كابر. فاعترض القول، والبراء يكلّم رسول الله (ص)، أبو الهيثم بن التيهان، فقال: يا رسول الله، إنّ بيننا وبين الرجال حبالا، وإنّا قاطعوها- يعني اليهود- فهل عسيت إن نحن فعلنا ذلك ثمّ أظهرك الله أن ترجع إلى قومك وتدعنا؟ قال: فتبسّم رسول الله (ص) ثمّ قال: بل الدم الدم، والهدم الهدم، أنا منكم وأنتم منّي، أحارب من حاربتم، وأسالم من سالمتم)(31) فقول الهيثم بن التيهان: (إنّ بيننا وبين الرجال حبالا، وإنّا قاطعوها- يعني اليهود- فهل عسيت…الخ) يوحي بابتداء العداوة قبل الهجرة بين النبيّ واليهود وأنّ الأنصار سيقطعون هذه الحبال، وقد نقل أغلب رواة السيرة اللاحقين هذا المقطع كما هو، لكن هذا النصّ فيه تصحيف غير متعمّد أو تحريف متعمّد من طرف ابن هشام، فالكلمة الأصليّة التي كتبها ابن إسحاق هي (العهود) وليس (اليهود)(32) ففي تفسير البغوي نقلا عن ابن اسحاق نفسه نجد (إنّ بيننا وبين الناس حبالا يعني العهود، وإنّا قاطعوها فهل عسيت…الخ)(33) وفي مسند أحمد نقلا عن ابن اسحاق أيضا: (العهود)(34) وأخرجها الطبراني في المعجم الكبير بأكثر وضوح: (إنّ بيننا وبين الناس حبالا - والحبال: الحلف والمواثيق - فلعلّنا نقطعها ثمّ ترجع..الخ)(35) فالمقصود هي العهود والحلف والمواثيق، وقول ابن اسحاق: (يعني العهود) هو تدخّل منه في النصّ ليفسّر للقارئ معنى (بيننا وبين الرجال حبالا) وفي ذلك قول الأعشى: (وإذا تجوّزها حبال قبيلة**أخذت من الأخرى إليك حبالها) لكن وقع تغيير كلمة (العهود) بـ (اليهود) عند ابن هشام. ونحن نتساءل هنا: من يقصد الأنصار بقولهم سنقطع العهود والحبال مع الناس إذا اتّبعناك؟ من هؤلاء الناس؟ هذا يجيبنا عليه ابن قتيبة في غريب الحديث قائلا: (وأراد أبو الهيثم أنّه كانت بيننا وبين قوم يعني قريشا عهود ومواثيق ثمّ قطعناها فيك فلعلّك ترجع إلى مكّة إذا ظهرت وتخلّينا..)(36)

الخاتمة:

نعتقد أنّ سبب ربط أستاذنا هشام جعيّط لقب "محمّد" بـ "منحمنا" و"محمدان" هو اعتقاده بكثرة التأثيرات السريانيّة المسيحيّة على النبيّ، في مرحلته الأولى، حيث أفرد لها فصلا خاصّا في عشرين صفحة (161-181) بيد أنّ هذه المسألة في حدّ ذاتها قابلة للجدل، فيكفي أن ننظر إلى جوهر الرؤية الدينيّة عند النبيّ بخصوص عيسى، ومنذ الفترة المكيّة المبكّرة، حتّى تتحدّد لنا بوصلة البحث، فعيسى في القرآن هو عبد من عباد الله وكلمته التي ألقاها إلى مريم، وهذا الطرح يخرجنا من المسيحيّة ويحيلنا مباشرة إلى "الأبيونيّة" رغم أنّ هشام جعيّط لا يرى تشابهات مع الأبيونيّة اليهو-مسيحيّة (ص179) وهذا غريب، فالأبيونيّة حاضرة بقوّة في القرآن، سواء على مستوى الأبوكريفا المسيحيّة كإنجيل الطفولة مثلا (إنجيل متّى المنحول) وغيره من الأناجيل الأخرى، حيث أنّها أناجيل يعترف بها الأبيونيّون، أو سواءً على مستوى التراث التلمودي والمدراشي اليهوديّ، ولا يكفي أن يستفيد القرآن من الإسكاتولوجيا السريانيّة حتّى يتبنّى رؤيتها الجوهريّة بل بالعكس هو قد طوّعها لرؤيته الخاصّة، ومنذ البداية، ولا يخفى على كلّ مدقّق المرجعيّة الأبيونيّة للنبيّ، هذا النبيّ الذي تلقّب بـ"الرجل المحبوب= איש חמדות-إيش حمدوت" محبوب من الله ومن جبريل (مثل دنيال)، وترجمته بالعربيّة "محمّد".

الهوامش:

1-هشام جعيّط، (في السيرة النبويّة-2) تاريخيّة الدعوة المحمّديّة في مكّة، دار الطليعة للطباعة والنشر، بيروت، 2007.

2-أحمد إبراهيم الهوّاري، المؤلّفات الكاملة للدكتور إسماعيل أحمد أدهم، قضايا ومناقشات، دار المعارف، القاهرة، 1986، ج3، ص 211.

3-Hoyland, Seeing Islam as others saw it…., The Darwin Press, USA, 1997, p616 and 423-27 réf : Byzantine-Arab Chronicle of 741, §13.

4-Ibid. p73 réf : Sophronius, Holy Baptism, 162.

5-قثم تعني العطاء والخير الكثير، وقد جاء في الأثر أنّه من أسماء النبيّ كصفة مدحيّة، ويقول الشاعر: كم صارخ بك مكروب وصارخة***تدعوك يا قثم الخيرات يا قثمُ.

6- ابن هشام، السيرة النبويّة، تحقيق السقّا وآخران، دار الكتب العلميّة، ط2، بيروت، 2004، ص 133.

7-ابن سعد، الطبقات، ، تحقيق د.علي محمّد عمر، مكتبة الخانجي، القاهرة، ج1، ص 79.

8-الصالحي، سبيل الهدى والرشاد…، تحقيق مصطفى عبد الواحد، المجلس الأعلى للشؤون الإسلاميّة، القاهرة، 1997، ج1، ص 481-482.

9-(ابن سعد، الطبقات، ج3، ص9).

10-ابن عبد البرّ، الاستيعاب في معرفة الأصحاب، صحّحه وخرّج أحاديثه عادل مرشد، دار الأعلام، عمّان، 2002، ص 27.

11-جاء في سنّ عبد الله أثناء زواجه من آمنة: "تزوّجها عبد الله بن عبد المطلب، وهو ابن ثلاثين سنة، وقيل: بل كان يومئذ ابن خمس وعشرين سنة" (الاستيعاب، 1/27) ونحن نختار القول الثاني، وجاء في سنّه أثناء وفاته: "توفي عبد الله بن عبد المطلب عن خمس وعشرين سنة، قال الواقدي: وهو الأثبت أو عن ثلاثين سنة، قاله أبو أحمد الحاكم، أو عن ثمان وعشرين، أو عن ثمان عشرة سنة" (شرح الزرقاني على المواهب اللدنيّة، 1/204) ونحن نختار قول أبي أحمد الحاكم.

ولا تصحّ قصّة نذر عبد المطّلب ذبح أحد أبنائه في كلّ الحالات، حيث لو كانت صحيحة لكان بالضرورة أن يولد حمزة قبل عبد الله حتّى يجتمع العدد عشرة أولاد ويكون عمر حمزة أكبر من النبيّ بخمسة وعشرين عاما على الأقلّ ويكون عمره في غزوة أحد حوالي ثمانين عاما أي شيخا غير قادر على القتال.

12- http://www.alawan.org/%D9%85%D8%AD%…

13-(ابن سعد، الطبقات، ج1، ص 143)

14-ابن رسته، الأعلاق النفيسة، ليدن، 1891، ج7، ص194 وانظرّ (ابن قتيبة، المعارف، ص 556) وأحيانا يأتي باسم "عمرو بن أحيحة" (الإصابة، ج7، ص 327) (المقدسي، البدء والتاريخ، ج5، ص 4)

15-ابن قيّم الجوزيّة، زاد المعاد في هدى خير العباد، مؤسّسة الرسالة، بيروت، 1998، ج1، ص 84-85.

16-A. F. L. Beeston, Two Bi’r Ḥīma inscriptions re-examined. Bulletin of the School of Oriental and African Studies, 48, 1985, pp 42-52.

17-بمعنى الذي نثني عليه.

18-Bruno Bonnet-Eymard, Le coran…,t2, CRC, Saint-Parres-lés-Vaudes, 1998, p242.

19-Gallez, Le Messie et son prophéte, Aux origines de l’islam…, studio Arabica, Ed. de Paris, 2005.

20-Patricia Crone, M. A. Cook, Hagarism: the making of the Islamic world, Cambridge University Press, 1977.

21-Fred M. Donner, La question du messianisme dans l’islam primitif, REMMM 91-94, 2000, pp17-28.

22-Michael Wise, Martin Abegg, Jr., Edward Cook, Les manuscrits de la mer morte, traductions intégrale des anciens rouleaux, avec des textes encore jamais publiés et comportant les plus récentes découvertes, Plon, Paris, 2001, p269-273.

23-Ibid. p274-277.

24-The Chronicle of Theophanes, Anni mundi 6094-6305 (A.D 602-813) Edited and translated by Harry Turtledove, University of Pennsylvania Press, 1982, p34.

25- Sébéos, Histoire d’Héraclius, traduit par Frédéric Macler, Ernest Leroux Editeur, Paris, 1904, p94-95.

26-الأعلام للزركلي، دار العلم للملايين، ط15، 2002، ج1، ص 82. (وانظرْ مصادره)

27-تاريخ المدينة لابن شبة، حققه: فهيم محمد شلتوت، جدة، 1399هـ، ج3، ص1008.

28-A.L de Prémare, Les fondations de l’islam…., Ed. du Seuil, Paris, 2002, p 163-164 ; R.G. Hoyland, Seeing…, p 308-312.

29- أبو عبيد القاسم بن سلام، كتاب الأموال، دراسة وتحقيق: محمّد عمارة، دار الشروق، بيروت ، 1989، ص 294 وانظرْ الترمذي رقم 1558، عبد الرزاق 9329، ابن أبي شيبة 12/395، أبو داود في المراسيل 281+282، البيهقي 9/35 والرواية بألفاظ وطرق مختلفة.

30- انظرْ مبحثنا في الأوان كتلخيص لهذه المسألة (الإسرائيليّات في القرآن/أبحاث/24 سبتمبر 2010)

31- (سيرة ابن هشام، ص 315.)

32- ندين بهذه الفكرة لـ Lecker الذي تناولها بالتفصيل انظرْ:

Michael Lecker, A Variant Reading in the Story of the ’Aqaba Meeting, Le Muséon, Vol.109, 1994, p169-184.

 

33-البغوي، معالم التنزيل..، تحقيق عبد الرزاق المهدي، دار إحياء التراث العربي، بيروت، 1420هـ، ج1، ص485.

34- حديث رقم 15798.

35-الطبراني، المعجم الكبير، تحقيق حمدي بن عبد المجيد السلفي، مكتبة ابن تيميّة، القاهرة، ج19، ص250.

36-ابن قتيبة، غريب الحديث، تحقيق عبد الله الجبوري، مطبعة العاني، بغداد، 1397هـ، ج1، ص303.

التعليق على هذا المقال

تعليقات حول الموضوع

- نور العلوي
28 حزيران (يونيو) 2011 21:59

تحية للأستاذ محمد النجار

مقال رائع ، فقط شدتني جملة في الخاتمة ، حيث تقول " هذا النبيّ الذي تلقّب بـ"الرجل المحبوب= איש חמדות-إيش حمدوت" محبوب من الله ومن جبريل (مثل دنيال)، وترجمته بالعربيّة "محمّد" "

هذا يوحي للقارىء أن النبي اتخذ لنفسه هذا الإسم" الدانيالي" لكنك تنكر ذالك في أعلى النص حين تقول " فنرجّح أنّ أهل الأخبار لم يعرفوا إلاّ اسم "محمّد" ولو كان عندهم خبر عن اسم "قثم" لذكروه " . حقا ، قد نقل لنا صحابة محمد و مفسري القرآن الأوائل ( مثل " مقاتل ") أدق التفاصيل عن حياة محمد - حتى الأسطورية منها - بل لم يستثنوا حتى طريقة بوله ، فلا أعتقد أن يكون للنبي إسما غيره ســهى عن ذكره الرواة ؟ مع أني أعترف أنهم غضوا الطرف عن مراحل مهمة في حياة النبي خاصة تلك المتعلقة بطفولته و الفترة التي تفصل الطفولة عن " نزول الوحي " وذالك لنقص في المعلومات . هل سبق أن تعرض الباحثون الغربيون لفرضية الإسم الدانيالي التي توردها في مقالك - بغض النظر عن فكرة Kurt Hruby ؟ مع الشكر الجزيل على هذه الدراسات الأكادمية .


الرد على التعليق

- نزيه كوثراني
28 حزيران (يونيو) 2011 23:12

أرى حسب وجهة نظري ان من بين المشكلات التي تواجه الباحث في التاريخ القديم بكل مستوياته الدينية والثقافية …ليس فقط شح المصادر وصعوبة الوصول اليها بالاضافة الى ضرورة التمكن من اللغات القديمة بل المشكلة ايضا في تلك المادة المتوفرة وما تتميز به من تعامل انتقائي مصلحي او مذهبي …الشيء الذي يعقد من مهام النقد التاريخي منهجيا ومعرفيا .وماذا يمكن ان نقول عن نص الاستاذ النجار وهو ينتزع اسطر قليلة من كتاب هشام جعيط ليعبر به عن انشغاله المشروع علميا ولكن غير المبرر علميا ايضا بسلوك القراءة التجزيئية الانتقائية للكتاب كمشروع علمي طموح في واقع عربي اسلامي يمكن ان يكفر حتى صاحب الرسالة محمد صلى الله عليه وسلم .كتاب يحاول الاختراق والزحزحة كما يؤكد اركون وحسب اعتقادي هو من الكتب النادرة والجريئة التي مارست بجدية النقد التاريخي والانتروبولوجي . كتاب مادته غنية ومبنية منهجيا ومعرفيا في الاحاطة بالشروط التاريخية والاجتماعية والثقافية والاقتصادية والدينية بصورة تبين التراكم المؤسس للدين الاسلامي من جميع الزوايا بما يجعلنا امام تناص ديني ابداعي يمتلك أرضيته وتاريخيته بما يجعله قادرا على قراءة الواقع الديني والاجتماعي والثقافي واقتراح رؤى وتصورات والتأسيس للمضامين والمعاني والدلالات .هشام جعيط خاض معركة شرسة في التاريخ المسربل بالاسطورة كقداسة متشعبة المسارات والتبلورات من قرن لأخر ومن فئة لأخرى ومن حيز جغرافي لاخر …مثلا على مستوى المصاحف والحديث والفرق … .في هذا السياق جاءت اشارات هشام جعيط لاسم الرسول وكيف تسمى بمحمد . والقارئ لكتاب جعيط يدرك انه ما يهمه في الامر هو إثارة السؤال وتعميق البحث التاريخي من زاوية نقدية . ان مايشغله السؤال وليس الجواب الدقيق فهو يدرك كغيره من الباحثين صعوبة الحفر والتنقيب الاركيولوجي والتاريخي واللغوي الفليلوجي …نخلص من هذا الاشارات المبتسرة الى ان كتاب جعيط يعد مساهمة نادرة باللغة العربية .ورغم رغبتنا في تعميق جرأة البحث فربما جعيط يدرك أفق انتظار القارئ المسلم ولا يريد منه أن يناصبه العداء وهو يهدف الى الوصول به الى بر الامان الذي هو التاريخ ونزع القداسة عن العالم بتعبير ماكس فيبر . كما لاننسى ان الاستاذ النجار اهمل وهو يشير الى اسم محمد صفة ونعت لا اسما علما متداولا الى ماذكره جعيط ( هذه الكلمة ترجمة لعبارة الباراكليتس كما وردت لدى ابن إسحاق، فهي عبارة تفخيم ورفعة اتّخذها النبيّ في المدينة بعد أن ارتفع مقامه لكنّه أكسبها معنى دينيّا وربطها بتراث المسيحيّة زيادة على معناها الدنيوي . ومحمد لقب وليس باسم واللقب صفة تلصق بشخص وهو قليل الوجود في تلك الفترة عند العرب . ص148 ) ولانعرف لماذا توقف الاستاذ عند كلمة الدنيوي . مع تحياتي


الرد على التعليق

باريس - محمد النجار
29 حزيران (يونيو) 2011 10:26

أهلا أستاذ نور العلوي، لا نستطيع معرفة متى تلقّب النبيّ باسم محمّد، إن كان جدّه سمّاه به منذ ولادته كرغبة في تحقيق النبوءة الدنياليّة وختم النبوّة أو تلقّب النبيّ به بعد النبوّة في المدينة، كما طرح جعيّط، أو أطلقه عليه اليهود، أو أيّ فرضيّة أخرى، لكن الفكرة الأساسيّة هي البحث عن إطار هذه التسمية وجذورها الدينيّة الشرقأوسطيّة، لذلك لم أقتنع بإرجاع هذا اللقب إلى الفضاء السرياني المسيحي وإنّما رأيت أنّه متجذّر في التراث اليهودي ومواصلا له، أمّا عن إيش حمدوت فقد تناولها Gallez أيضا سنة 2005 لكن تأكيدا على كلام Hruby وهو الأمر الذي لم يقنعني كما أشرت في البحث.تحيّاتي.

السيّد كوثراني، لم أعرف ما محلّ تعليقك من الإعراب، وهذه ليست أوّل مرّة تعلّق فيها خارج المتن وتطرح أسئلة خارجه ثمّ تجيب عليها خارجه أيضا، وهي مغالطة رجل القشّ، فمن أبجديّات التعليق السليم هو فهم النصّ والتعليق عليه في إطاره الذي يتناول نقطة محدّدة في كتاب جعيّط أشرنا إليها منذ البداية وهي مسألة اسم النبيّ، ولا أرى داعيا أن تحدّثنا عن مشاعرك تجاه بحوث جعيّط وقيمتها الفكريّة فهذا أمره نعرفه من ناحية، ولم نتعرّض إليه من ناحية أخرى، وإنّما اقتصرنا على نقطة معيّنة، وهي اسم محمّد، فإن كان لك إضافة يمكن أن تدلي بها لإثراء هذا الموضوع فإنّي شاكر لك، فالرجاء قليلا من المنهجيّة.تحيّاتي.


الرد على التعليق

  • - نزيه كوثراني
    29 حزيران (يونيو) 2011 17:38

    اعجبت كثيرا بتعليق استاذ المنهجية الذي تحايل على مجهود الاخرين واكتفى من كتاب جعيط ببعض اسطر بترها بشكل ينم عن منهجيته الحديثة مع العلم ان استاذ المنهجية كان عليه ان يكمل النص حتى يكتمل المعنى عوض ان ينسب ذلك لنفسه وهو تساؤل مشروع لايقبل المراوغة بالاضافة الى ان تناول جعيط لاسم محمد جاء في سياق خاص لاينبغي اهماله وهو لايختلف كثيرا عن النتائج التي أشرت إليها في مقالك السابق الذي أغنته تعليقات المشاركين( سرور ونادر قريط وآخرين …) بمعارف ثرية أكثر مما ورد في نصك دون أن تكلف نفسك عناء الإشارة إلى ذلك في نصك المنسوخ هذا . وبالمناسبة ليست لدي مشاعر كما تحاول ان تبخس مجهود الباحث جعيط و لا انتظر منك جوابا أكثر مما قلته في نوع من الهروب الى الامام وتلك لعبة لاتتماشى واخلاقيات البحث العلمي وأنا هنا لا ادعي الاستاذية ولا امتلك أية حقيقة ولست من دعاة الفكر الإسلامي لا في صورته التقليدية ولا الحديثة لكنني احترم عقائد الاخرين واحاول فهمها ومعرفتها قبل التجاسر على نقدها . و اعتقد أيها الاستاذ الكبير ان من حقنا ان نتعلم ابجديات المنهجية منكم ولست اكثر من طالب معرفة يزجره استاذ كالنجار محذرا إياه من الخروج عن النص والتلاعب المنهجي وإلا سيتخذ في حقي إجراءات تعودنا عليها من كثير من اساتذتنا في الجامعات العربية وكأنه يقول لي كتابات الأستاذ النجار ليست من شغل الصغار . نموذج العقلية المتصلبة التي تسمع نفسها دون الاخرين وهي تعتلي سماوات الحقيقة والمعرفة الكاملة لاتقل في تناصها عن القران وصاحبه .وهي تبني اسطورتها العمودية في الحوار والنقاش .


    الرد على التعليق

    • - محمد النجار
      29 حزيران (يونيو) 2011 23:15

      ألم أقل لك يا سيّد كوثراني قليلا من المنهجيّة؟ لا أحبّ أن أكرّر نصيحتي للمرّة الثالثة لأنّي سأتجاهل تعليقك، فليس لي رغبة ولا وقت ولا جهد في الدخول في هذا النوع من المهاترات والشخصنة التي لاتفيدني ولا تفيد القارئ في شيء. شكرا على التفهّم.


      الرد على التعليق

      • - نزيه كوثراني
        2 تموز (يوليو) 2011 16:44

        للتوضيح أقول أنا لا اعرف محمدالنجار وليست لي اية اغراض ذاتية معه وعليه ان يميز بين مايكتبه وبين شخصه لان ردوده السابقة تتصف بالغضب . يرفض محمد النجار ما طرحه هشام جعيط بشان اسم النبي وذلك باعتماده على ما ذكره البلاذري ويرى بان هذا الطرح ناقص لايتناول (جميع الاخبار التي من شانها ان تنير الضوء لفرضيات اكثر متانة) . ورفضه لتلك النتيجة التي اعتمدها جعيط هو من باب( انه خبر سنجمعه من الاخبار لتتوضح لنا الصورة) فيعتمد بذكائه المنطقي على مجموعة من الاخبار التي تحتاج هي نفسها الى جمع الأخبار . انه الترتيب المنطقي القريب جدا الى لغة الإقناع الأصولي الممتلئ فرحا بقصص الأدب الديني وهو يعتقد في قرارة نفسه انه يمتلك تاريخا يعتد به امام الاخرين . ولنفترض جدلا صحة هذه القصص الدينية فهل من الضرورة أن زواج رجلين في يوم واحد يترتب عليه حمل في يوم واحد .1 قصة الحمل 2حمزة اكبر من النبي 3 الزواج في يوم واحد4كلام البلاذري ( مجرد توابل الحبكة ) والنتيجة ( أنجب عبد المطلب حمزة وأنجب عبد الله قتم وبه تكنى ثم توفي ابنه صغيرا ) .ويأخذ النقاش مسارا اخر حول( كلمة محمد) ويبقى السؤال معلقا حول اسم النبي الذي لم تستطع اخبار النجار أن تنير الضوء لفرضيات أكثر متانة فيما يتعلق باسمه . وإذا عاد القارئ الى كتاب جعيط رغم أننا نختلف معه في الكثير سيجده صاحب سؤال نقدي وغير مطمئن لكل الاخبار التي يناقشها من أب النبي عبد الله الى أمه آمنة مسلطا الضوء على تاريخية الدعوة بما في ذلك اللقب ( محمد )كصفة ألصقت بالنبي . فالباحث يدرك صعوبة المحاولة إزاء فترة مظلمة تغطيها الأسطورة وترفض رفع يدها بسهولة أمام النقد التاريخي للكشف عن الحقائق التاريخية .


        الرد على التعليق

رام الله - زكريا محمد
2 آب (أغسطس) 2011 06:56

الطائر المخمور: ديانة مكة قبل الإسلام http://www.faisal.ps/atemplate.php?… المخمور ديانة مكة قبل الإسلام&catId=16


الرد على التعليق


William Bouguereau (فرنسا)

سياسة المراحل عند (...)

نشرنا في الأوان حوارا أجري مؤخّرا مع المفكّر والدّاعية السّويسريّ طارق رمضان، رجونا أن يكون منطلقا للتّفكير والنّقاش في مسألة دقيقة هي علاقة الإسلاميّين بالحقوق والحرّيّات الفرديّة. يقرّ طارق رمضان في هذا الحوار، أو يخيّل لنا أنّه يقرّ، بمبدإ أساسيّ من مبادئ الحقوق الجنسيّة هو حرّيّة الإنسان في سلوكه الجنسيّ. فقد أجاب عن سؤال متعلّق بالمثليّة الجنسيّة على هذا النّحو : " ولا يجب لأي شخص التدخل بالسلوك (...)
alawan on facebook
alawan on twitter