بعد الاطلاع على كتاب هنري ترويا عن بودلير وكتاب بيير برونيل عن رامبو ومراجع أخرى عديدة يمكن ان نستنتج ما يلي : أنّ الفترة الواقعة بين عامي 1850-1890 كانت حاسمة بالنسبة لمصير الشعر الأوروبي. فهي التي شكلت ما ندعوه بالحداثة. وهذه الحداثة مرتبطة بثلاثة أسماء : بودلير، رامبو، مالارميه. ثم تواصلت بعدئذ حتى وصلت الى أبولينير والسورياليين. وبالطبع ينبغي أن نضيف لوتريامون، فتأثيره على الحداثة الشعرية وقصيدة النثر ليس بحاجة إلى برهان. مهما يكن من أمر فإن الشعراء الأوروبيين الآخرين يعترفون بريادة فرنسا فيما يخص هذا الموضوع. ومن المعلوم أن الكاتب الألماني والتر بنيامين كان يزمع أن يخلع على أحد كتبه العنوان التالي : باريس، عاصمة القرن التاسع عشر.المقصود عاصمته شعريا وروائيا.
ففي ذلك العصر ظهر العمالقة الكبار مثل فيكتور هيغو، وجيرار دونيرفال، وبودلير، ورامبو هذا بالاضافة الى بلزاك وفلوبير وستندال فيما يخص الرواية. ثم انتشرت الحداثة الشعرية في كل أنحاء أوروبا من خلال شعراء كبار كريلكه، وت.س. إيليوت، وسواهما. ويعود للحداثة الفضل في اكتشاف شاعر كبير كان الزمن قد غمره بدون حق هو: هولدرلين. فرغم أن إنتاجه الشعري توقف عملياً عندما جنّ عام 1805، إلا أنه كان عظيما بل وربما أعظم شاعر في تاريخ أوروبا الحديث. ولكنهم لم يكتشفوا أهميته إلا بعد الحرب العالمية الأولى، أي بعد مرور أكثر من مائة سنة على موته الفني أو الإبداعي. وهناك إجماع الآن على أن "أزهار الشر" تمثل ميثاق الحداثة الشعرية الأوروبية أو ديوانها الأول. فأهمية هذه المجموعة الشعرية التي صدرت عام 1857 والتي قُدِّم صاحبها إلى المحاكمة في باريس بسببها متعددة.
وتعود في الواقع إلى ذلك الطلاق الحاصل بين ذاتية الشاعر التوّاقة إلى المطلق والحالمة بالسيطرة على الفن الشعري، وبين مقاومة الواقع لهذه الرغبة أو محاولته عدم الخضوع لها. ففي كل شعر بودلير يتجلّى هذا التوتر الكثيف بين الحساسية الشعرية المفرطة في ذاتيتها، وبين برودة الواقع الخارجي ولامبالاته بهموم الشاعر أو بذاتيّته الجريحة. ولهذا السبب فإن شعر بودلير يعبّر عن استلاب الكاتب في مجتمع معادٍ له. يضاف إلى ذلك أن الشعر، بدءاً من بودلير، راح يغيّر من محيطه أو من مرجعيته الخارجية. فقد كانت هذه المرجعية ريفية، زراعية، في عهد الرومانطيقيين (انظر الشاعر الإنجليزي وردزورث). وكانت أسطورية في عهد هولدرلين وجيرار دونيرفال، بمعنى أن الشاعر كان يبحث لديهما عن واقع يتجاوز الواقع: واقع بريء، أصلي، لا يتلوث بالواقع الأرضي.
من هنا البراءة الصافية التي نجدها أو نحس بها عندما نقرأ قصائد هذين الشاعرين الكبيرين. ثم كانت المرجعية تاريخية على يد فيكتور هيغو الذي أخذ يحلم بتغيير الواقع والتاريخ من أجل أن يتحقق الحلم الكبير: تقدم البشرية. وأما على يد بودلير فقد أصبحت المرجعية حضرية، عمرانية، تكنولوجية. فبودلير ليس فقط شاعر باريس، وإنما هو أيضاً ممثل البشرية التي تعرف أن مصيرها أصبح منذ الآن فصاعداً، مرتبطاً بالمدن والعواصم الكبرى. وهكذا حصل اختلال توازن بين "أنا" الشاعر، وبين الحجم الضخم للواقع الجديد الذي أصبح يتخذ أبعاد مدينة كبيرة. لقد أصبح الشاعر ضائعاً في مدينة الحداثة، والمصانع، والقطارات، وسكك الحديد، والآلة البخارية… في الماضي كان الشعر مرتبطاً بالقرية، والريف، والطبيعة، والأشجار، والعصافير،وسهرات الصيف،وضوء القمر… وأما الآن فقد أصبح الشاعر يحس بالرعب أمام واقع يتغيّر بشكل سريع ومذهل. لقد أصبح الشاعر يشعر بأنه مرميّ في خضم مدينة الحداثة، وما عليه إلا أن يواجه الواقع الذي لا يرحم. وتشبه حالة بودلير هنا وضع الشاعر العربي الذي قدم من الريف إلى المدينة لأول مرة، فشعر بالصدمة، والرهبة، والوحدة، والغثيان.

هكذا حصل التناقض بين الداخل/والخارج، بين ذاتية الشاعر المليئة بالنواح والبكاء/وبين الواقع الخارجي الأصمّ الأبكم الذي لا يعبأ بك. أمام هذا الوضع هناك موقفان: موقف الشاعر الرومنطيقي، وموقف شاعر الحداثة. فالشاعر الرومنطيقي رفض هذه المتغيرات التي طرأت على الواقع، وراح ينعكف على نفسه، وينخرط في البكاء والنحيب على الزمن الضائع أو الفردوس المفقود او الحبيبة الغائبة، الخ… وأما شاعر الحداثة، وهنا تكمن أهمية بودلير، فقد عرف أن الاعتكاف على الذات لا يجدي نفعا، لأن الواقع الجديد، واقع المدينة الكبيرة، قد استلب الذات وتغلغل إلى أعماقها.. وبالتالي فما علينا إلا أن نكتب الشعر انطلاقاً من هذا الواقع الجديد : واقع الصناعة والتكنولوجيا والمدينة الكبرى والقطارات. أو لنقل بالأحرى : ينبغي أن نكتب شعراً قادراً على هضم الواقع الجديد واستيعابه على الرغم من الصدمة أو المرارة التي يسبّبها لذاتية الشاعر الحساسة. عندئذ أصبح الشعر الرومنطيقي يبدو وكأنه ينتمي إلى الماضي: أي إلى ما قبل تاريخ الشعر. وعندئذ حلّ "الشعر الموضوعي" إذا جاز التعبير محل "الشعر الذاتي" المفرط في العاطفية والذاتية.
لا ريب في أن بودلير ظل رومانطيقياً في أعماقه، ولكنه أضاف إلى رومانطيقيته شيئا يمكن ان ندعوه بالواقعية الجديدة. وعن طريق المزج بين الرومنطيقية والواقعية استطاع أن يؤسس الحداثة الشعرية. فهو يستخدم أحياناً كلمات نثرية شديدة البرودة والواقعية للتعبير عن حالات نفسية شديدة الهيجان والانفعال. وعن طريق المزج بين الحار/والبارد، أو بين الماء/والنار، أو بين الذاتية/والموضوعية استطاع أن يكتب ديوان الحداثة الشعرية الأوروبية. لقد فقد الشاعر حميميته الداخلية في عصر المدينة الكبيرة التي تسحق العواطف والمشاعر الشخصية، أو لا تبالي بها على الأقل. وعرف عندئذ أنه مُستلب إلى الأبد في عالم مادي، إنتاجي، بورجوازي، لا يرحم.
وانطلاقاً من الاعتراف بذلك راح يكتب الشعر.. ولو أن بودلير رفض أن يأخذ معطيات الواقع الجديد بعين الاعتبار، لو أنه اعتكف على ذاته في برج عاجي، لظل شاعراً رومانطيقياً من الطراز التقليدي، ولما احتلّ كل هذه المكانة التي احتلّها في تاريخ الشعر الفرنسي والأوروبي وحتى العالمي. لا. بودلير راح يستخدم مشاهد هذا الواقع الباريسي لتوليد لغة شعرية جديدة تليق بعصر الحداثة أو ترتفع إلى مستواه. على هذا النحو أصبحت باريس مسرحاً للدراما التاريخية للحداثة. وراح يركز على المشاهد السلبية التي ولّدتها هذه الحداثة المادية والأنانية ويحولها إلى شعر. فراح يتحدث مثلاً في مقاطع بعنوا: "مشاهد باريسية" عن العجائز الوحيدات، وعن الشحاذين، والعميان، والعاهرات، الخ… كل شيء نثريّ بارد او حتى قبيح(من هنا عنوان كتابه : أزهار الشر) أصبح موضوعاً للشعر بالنسبة له. كل مظاهر الحداثة التي تبدو أبعد ما تكون عن الشعرية استطاع أن يحولها إلى شعر. هنا تكمن عبقرية بودلير. صحيح أنه يكره هذه الحداثة على عكس فيكتور هيغو، صحيح أنه يرفضها ويرفض قيمها القائمة على الجشع، والكسب، والادخار، والركض وراء الماديات… ولكنها أمر واقع، ولا بدّ من التفاعل معها بشكل أو بآخر، لا بد من تحويلها إلى شعر، لا بد من الانتصار عليها شعرياً… من خلال كل الأشخاص الذين هزمتهم الحداثة أو نبذتهم على قارعة الطريق راح يرى نفسه، يشاهد استلابه، يتحمل قدره ومصيره كشخص منبوذ، أو"كشاعر ملعون" كما يقول فيرلين.
وهكذا أصبح الشحاذ (أو الصعلوك او الكلوشار باللغة الباريسية) صديقه الحميم، وكذلك المرأة العجوز التي تجلس وحيدة في الحديقة العامة دون ان يقترب منها أحد.حتى الأطفال أصبحوا ينفرون منها لأن تجاعيدها المتغضنة تخيفهم. وحتى العاهرة أصبح يرى فيها الوجه الإنساني –أو اللاإنساني- لعصر الاستغلال والحداثة. العاهرة بالنسبة له كانت ايضا شخصية محترمة جدا بل وأقل عهرا بكثير من تلك الشخصيات البورجوازية المنتفخة التي تملأ الفيلات والقصور من وزراء وصناعيين وقادة أمن وعسكر وضباط كبار ومنتفعين ولصوص ووحوش وفي طليعتهم زوج أمه الحقير : الجنرال أوبيك الذي كان يكرهه كره النجوس. لكن هل نسي بودلير الحلم بحجة الواقعية؟ لا. ولهذا السبب فإن ديوانه كله ليس إلا توتراً صراعياً بين المثال الأعلى/والواقع البارد، بين الجنة المفقودة/وجحيم المدينة الكبيرة.

هذا يعني أن الحداثة المادية أو الباردة القلب لم تستطع أن تقتل كل شيء في أعماق بودلير. فقد ظل هناك شعاع من النور في أعماق الديجور. ظل الأمل بتحقُّق الحب يوماً ما قائما، ربما في عالم آخر غير هذا العالم..من يتركك ان تحب أصلا؟ نحن في عصر الملاحقات الضارية والعصابات المافيوزية. نحن في عصر الأنظمة الأخطبوطية البوليسية التي وصفها جورج أورويل أو ميشيل فوكو. ممنوع ان تحب اللهم الا الآنسة التي يفرضونها عليك فرضا بقدرة قادر او يعتبرونها مناسبة لك غصبا عنك. وهكذا تظل بدون حب وبدون جنس وبدون تفاعلات : عشرة على الشجرة ولا شيء في اليد. ممنوع ان تتنفس حتى مجرد تنفس الا اذا سمحنا لك بذلك. واذا لم يعجبك الوضع فاذهب وبلط البحر.ألم تكفك محاولة اغتيال أولى ذهبت بأذنيك؟ يمكن ان نجهز عليك بمحاولة ثانية تذهب بعينيك. ماذا تريد اكثر من ذلك؟ نحن هنا، ويدنا طويلة! يمكن ان نصل اليك حتى ولو في المريخ! بل ويمكن ان نتحرش بك حتى دون ان تتحرش بنا او تحرك ساكنا. وسوف نظل نلاحقك حتى نقصم ظهرك. منذ ربع قرن وعيننا عليك. فاما ان تعود الى بيت الطاعة واما ان نسحقك سحقا. ويساعدنا على ذلك بل ويتواطأ معنا، سرا وعلانية، مستشارنا المعتمد شاعر الحداثة العربية المرشح لأرفع الجوائز العالمية. فمن أنت؟
ولكن أليس كل تاريخ الأدب مبنيّا على هذا التناقض الصارخ الذي لا يطاق ولا يحتمل: أقصد التناقض بين المثال الأعلى/والواقع الجهنمي، بين العالم السماوي/والعالم الأرضي، بين الحلم اللازوردي/والحقيقة المرة؟… أليس الأدب شاهداً على هذه الفجيعة: فجيعة الفراق، وانفصام الشخصية، وهجران الأحبة، وضربات الزمان؟ لماذا يُكتَب الأدب أو الشعر؟ واذا لم يكن الأدب (او الفكر) شاهدا على العصر، اذا لم يكن رفضا قاطعا للتورط مع الواقع الفاسد والنهج الخطأ فما قيمته وما جدواه؟ أليس "المستحيل" هو الموضوع الأول للشعر، مثلما أن "الممكن" هو الموضوع الأول للسياسة؟ هناك قصيدة مرعبة بعنوان : جيفة أو جثة. هناك حيث يتحدث بودلير عن موت الحبيبة، أو المرأة الجميلة، وكيفية نزولها إلى القبر، وكيف ينهش الدود جسدها الغض، كما ينهشه هو الإحساس بتأنيب الضمير! قصيدة رائعة، مجنونة، ولا أروع.ولكن قصيدة سوداوية، مرعبة في واقعيتها. قصيدة لا أستطيع ان أقرأها تقريبا لوحدي في خلواتي.
لقد أثر بودلير على الشعراء الأوروبيين الآخرين من أمثال ريلكه، أو ت. س. إيليوت، أو عشرات غيرهما كما قلنا. فالبدايات الشعرية لريلكه يمكن فهمها "كتعليق" على بعض أشعار بودلير وبخاصة في قصائده : مشاهد باريسية. أمّا ت. س. إيليوت فقد ضمّن قصيدته الشهيرة "الأرض اليباب" مقاطع من شعر بودلير الذي عبّر عن جحيم الحداثة، مثلما عبَّر دانتي قبله عن جحيم الآخرة. فالأرض –من منظور إيليوت- أصبحت يباباً، عقيمة في مجتمع الحداثة التكنولوجية المفرَّغ من الروح والتعالي الرباني. لقد انهارت اليقينيّات المطلقة في عصر الحداثة، وأصبح الشاعر فريسة للخوف في عالم لا طمأنينة فيه ولا ركائز ولا صور ولا معالم. لا يمكن أن نفهم شعر الحداثة الأوروبية إذا لم نربطه بانهيار اليقينيات الدينية والميتافيزيقية التي كانت تحمي الشاعر سابقاً من الوقوع في براثن العدمية، والقلق، والعبثية.
انهيار المسيحية كان حدثا ضخما بل وزلزالا سيكولوجيا بالنسبة للمجتمعات الاوروبية. لقد ترك وراءه فراغا كبيرا وهلعا لا يوصف. ذلك ان الدين هو اليقين الراسخ والملاذ المطمئن والمعنى الممتليء. وربما عدت إلى هذه النقطة مستقبلاً لكي أعمّقها بشكل أكثر. ولذا نقول بأن الثورة الشعرية الحديثة لا تطرح مشاكل التفعيلة والوزن والقافية فقط كما توهم بعضهم، وإنما تطرح ايضا مشاكل فلسفية أو وجودية لا يمكن إهمالها. الشاعر حل محل رجل الدين وأصبح مسؤلا عن اعطاء معنى لعالم فقد معناه. الشاعر ليس فقط شاعرا وانما هو مفكر ايضا يحمل على كتفيه هموم البشرية. فعلى هذا المستوى من العمق تكمن إشكالية الحداثة. ثم بعد بودلير يجيء رامبو لكي يرسخ المنجزات السابقة للحداثة الشعرية ويضيف إليها مسحته الخاصة أو براءته النقية التي تتفوق على كل البراءات. لقد أراد رامبو بحسه الرؤيوي الخارق أن يكتشف مناطق الواقع التي لم تُكِتَشَف بعد، بل ولم تخطر على بال أحد قط. من هنا كان شعره مغامرة خطرة في مجهول المجاهيل : إنها تشبه مغامرة "القارب السكران" الذي فقد قبطانه فأصبح يترنّح في كل مكان، من نهر إلى نهر، ومن بحر الى بحر، حتى تكسرت أضلاعه أخيرا على رصيف الصخور. ربما لم يتجرأ شاعر على سَبِر أغوار المجهول –وعلى دفع الثمن- مثلما فعل رامبو.أستثني لوتريامون بالطبع ولكن بمعنى آخر او باتجاه آخر.
لقد أراد رامبو إخضاع الواقع لكيمياء الفعل (أو كيمياء الحرف والكلمة)، واستخدم هذه الكيمياء الشعرية أو السحرية بكل براعة من أجل استكشاف المجاهيل. وهكذا استطاع أن يتجاوز إشكالية "الذاتية المجروحة" من قبل الواقع الخارجي المعادي، وهي الإشكالية التي سيطرت على شعر بودلير. لقد تجاوزها عن طريق حركة تحول الذات والواقع أو تصهرهما في عملية إبداع خلاقة تدوّخ العقول. فقصيدة :"القارب السكران" تعبر عن رغبة رامبو في إخضاع الواقع لرؤيا ولغة شعرية تعيدان خلق الواقع أو إعادة تركيبه من جديد. وهكذا أصبحت اللغة الشعرية هي التي تغير العالم أو تفتح مجاهيله المغلقة عن طريق خيال وثّاب، جريء، يصل إلى حد التهور والفوضى الخلاقة. بهذا المعنى يمكن القول بأن رامبو ذهب في اللغة الشعرية إلى نهاياتها القصوى : أي اعتصر كل إمكانياتها ثم لفظها بعد ان أصبحت فارغة مفرغة وسكت نهائياً. وعلى أثر بودلير كان يعرف أن "الخيال هو الملك المتوج للشعر"، ومن يمتلكه يمتلك الشعر.(بين قوسين : بهذا المعنى يمكن القول بأن المعري ذهب بالخيال العربي الى أقصى حد ممكن في رسالة الغفران، وان ألف ليلة وليلة ربما كانت أعظم كتاب في الأدب الكوني. فالخيال ازدهر فيها الى أبعد الحدود..). ولذلك ذهب رامبو إلى أقصى حد يمكن أن يصل إليه في شطحاته الجنونية الخيالية، ثم خلق بواسطة ذلك لغة جديدة تكون على مستواه. ذلك لأن "المشاعر الجديدة، كما يقول، بحاجة إلى أشكال جديدة"،أي الى صياغات لغوية مبتكرة.
ولا يمكن أن نعبّر عن شعر الحداثة بلغة القدامة، او بأشكال مهترئة. هنا تكمن العلاقة الانصهارية بين الشكل والمضمون. ولهذا السبب أصبح رامبو رائداً للسوريالية الأوروبية التي فتح لها فضاء من الحرية لا حدود له. رامبو هو الفوضى الخلاقة بامتياز وقل الأمر ذاته عن مجنون آخر هو لوتريامون، او جيرار دو نيرفال. لقد قدم هؤلاء الشعراء للسوريالية التي جاءت بعدهم بأربعين او خمسين سنة سلاح الحلم، أو حتى الهلوسة والجنون، من أجل فتح الأبواب الموصدة للواقع والتوصل إلى ما بعد الواقع، أو ما فوق الواقع: أي العالم السوريالي. وهذا العالم السوريالي، او ما فوق الواقعي، او ما وراء الواقعي، هو العالم الحقيقي الذي ننتصر به على عالم الحياة اليومية النثرية المبتذلة والمخيّبة للآمال. وهكذا، وعن طريق الاستبصار الرؤيوي الخارق، ننتقل إلى عالم آخر يريحنا من هذا العالم المضجر الذي نعيش فيه. لكننا نعرف حجم الثمن الذي دفعه هؤلاء الشعراء جراء رغبتهم المجنونة للخروج من الواقع الواقعي: أي من واقع الحياة المادية بكل إكراهاتها وقيودها والتزاماتها الاجتماعية. صحيح أنهم ربحوا الشعر في نهاية المطاف، وأي ربح! ولكنهم خسروا الحياة والمناصب والوجاهات…



- أمير الغندور
12 كانون الأول (ديسمبر) 2010 11:25
الرد على التعليق