ما يزال الحديث عن العمليات الاستشهادية والإرهاب موضوعاً مسوَّغاً، راهناً، قويَّ الحضور عالمياً – سلباً وإيجاباً- في الذاكرة، والفكر، والواقع… وقد قام الباحث الأنتروبولوجيّ طلال أسد بإلقاء سلسلة محاضرات حول هذا الموضوع "في مكتبة وَلّك Wellek Library بجامعة كاليفورنيا، إيرفاين، أيام 15- 17 أيار/ مايو ، 2006" جُمِعت في كتاب تولّى الأستاذ فاضل جتكر ترجمته إلى العربية، ترجمة رفيعة المستوى، صدرت مؤخراً تحت عنوان " عن التفجيرات الانتحارية" (المركز الثقافي العربي، الدار البيضاء – بيروت، ط1، 2008).
وتجنّباً للخوض في سجالات، كثر اللغوُ فيها، حول أسباب التفجيرات الانتحارية، والإرهاب، وتعريفات هذا الأخير، واتخاذ موقف سطحيّ أو انفعاليّ منه…، يضع المؤلِّف نُصب عينيه هدفاً شديد التحديد والوضوح هو "تحليل الخطاب العامّ الغربيّ حول "الإرهاب الإسلاميّ"، "تحليل خطاب الإرهاب"، بعيداً عن الهواجس الأخلاقية، كما يقول في مقدّمته للترجمة العربية. وفي إطار هذه الرؤية للهدف يلتزم طلال أسد منهجية صارمة، معمَّقة، يعاين في ضوئها ظاهرة تحتلّ في ثقافتنا اليوم حيِّزاً بالغ الخطورة، اتِّساعاً ودلالة وآفاقاً وقابلية للتوظيف، فينظر إلى ثلاثة من وجوه هذه الظاهرة، في ثلاثة فصول هي متن الكتاب: الإرهاب، الإرهاب الانتحاريّ، وهول الإرهاب الانتحاريّ.
هذه المنهجية ( النقيضة تماماً للـ"تهويش" الإعلاميّ، ولا سيَّما في إعلامنا العربيّ، الذي يثير من الغبار ما هو كفيل بحجب الحقيقة ، أو - أقلُّه- بتضبيبها، أو ما يمكن أن يكون مقارَبة للحقيقة ثاقبةً وموضوعية) هي ما يحمي مؤلِّف كتاب "عن التفجيرات الإرهابية" من الوقوع فريسة الاتّهام السهل بتبرير "الإرهاب" و الدّفاع عنه، أو الاصطفاف السريع إلى جانب من "يلعنون الظلام" وهم في الظلام: "موقع الدّفاع عن الإرهاب الانتحاريّ بوصفه أحد أسلحة الضعفاء من ناحية، وموقع شجبه بوصفه وحشية دينية من الناحية الثانية" (ص22) . على هذا الحدّ الدقيق، الفاصل بين المنهج العلميّ والمنطق الاتهاميّ أو التبريريّ، يقف طلال أسد ليناقش أبرز الباحثين في الغرب (في الولايات المتحدة الأمريكية أساساً)، عبر متابعة كتاباتهم متابعة عميقة ودقيقة، ويؤكّد أنّ الإرهاب والتفجير الانتحاريّ ليسا أشدّ عنفاً، ولا أكثر قتلا للأبرياء من الحروب التي تخوضها دول ليبرالية أو دكتاتورية على السواء. ذلك "لأنّ الحرب، عادلة كانت أم ظالمة" تفعل ما يفعله "الإرهاب"، و"قسوة أيّ جيش رسميّ أو جماعة إرهابية ذاتُ صفات مشتركة كثيرة" (ص99). غير أنّ "الدول القوية لا يتمّ إخضاعها أبداً لمحاسبة (…) وأنّ الضعفاء المهزومين فقط يمكن تجريمهم بجرائم الحرب كما بالجرائم التي هي ضدّ الإنسانية" (ص59).
مثال ذلك، حتى في رأي رجل بحجم زبيغنيو بريجينسكي وموقعه في السياسة الأمريكية، أنّ قيام إسرائيل مؤخّراً (صيف 2006) بقتل مئات اللبنانيين هو "قتلُ رهائن أملاً في إخافة أولئك الذين تريد زرع الرعب في قلوبهم" (ص85). وهو يوضّح، في الوقت نفسه، أنّ ما يقوم به "ليس تسويغاً للفظاعات التي يقوم بها الإرهابيون، بل تمحيص لجملة التسويغات والتبريرات التي تساق لتغطية فظاعات (تقوم بها) دول في حالة حرب". ولمّا كان يرى، في سياق البحث، أنّ ثقافة الموت/ القتل عامل مشترك بين الإرهاب والليبرالية، فإنه يستخدم "تفسيرات العنف الإرهابيّ وسيلة لمقاربة دور العنف في تأسيس المجتمع الليبراليّ وإدامته"، انطلاقاً من يقينه بأنّ لليبرالية "ثقافةَ موت تميزها"، تعود إلى تراث يهوديّ - مسيحيّ قديم (قصّة شمشون وتداعياتها الحديثة في إسرائيل (ص155-170)، وقصّة الصلب (ص183- 193) وتتمثل في كون "الاستعداد للقتل والموت هو أحد شروط الحرية الليبرالية". ونقرأ في الكتاب اقتباساً من مؤرّخ متخصّص في الفكر السياسيّ الحديث المبكر، يُدعى ريتشارد تاك، يقول:"هناك نوع من العنف في صُلب الليبرالية من النمط اللوكيّ (نسبة إلى جون لوك) يعود إلى جذوره في سياسة النهضة العنيفة حيث كانت الحرية والحرب مترابطتين"، و"أن ذلك العنف يشكل ركيزة النظرية والممارسة الليبراليتين اليوم". وبناء عليه: "يبقى العنف متجذّراً في صُلب مفهوم الحرية الكامنة في قلب العقيدة الليبرالية" (ص132).
فالإرهاب، في نظر المؤلف، "جزء لا يتجزأ من الذاتيات الليبرالية (الإصرار على إلحاق الهزيمة بالإرهاب السياسيّ، الخوف من الهشاشة الاجتماعية، الإحساس بالهول والانبهار إزاء الموت والتدمير)، رغم أنّ الإرهاب نفسه مستبعد ومرفوض لكونه من حيث الجوهر جزءاً من ثقافة غير حديثة، غير ليبرالية". وفي إشارة إلى الممارسة الفعلية للإرهاب داخل دولة ليبرالية ديمقراطية، يعيدنا طلال أسد إلى ما تسمّيه كاثرين ستوفل "إعدامات إرهابية" شملت ألفاً ومائتي واقعة إعدام عنصريّ، علنيّ للزنوج دون محاكمة (أعوام 1882 – 1950) كانت تجري تحت بصر الدولة. كما يورد المؤلف شهادة مرعبة على ما يسمّى "جماليات القتل وإباحياته الداعرة"، وعلى الانتشاء بالقتل الذي كان يسميه جنود المارينز في فيتنام بـ "مضاجعة العيون" (ص161- 163).
على أنّ إرجاع ظاهرة الإرهاب، أو التفجيرات الانتحارية، إلى سبب أو دافع دينيّ وحيد، أو غالب، لا يصمد للحجة، إذ: "تُظهِر البيانات أن ليس ثمّة أيّ علاقة قوية بين الإرهاب الانتحاريّ والأصولية الإسلامية، أو أصولية أيّ دين آخر. يبقى قصب السبق، على صعيد شنّ الهجمات الانتحارية، بيد نمور التاميل في سريلانكا، وهي جماعة ماركسية- لينينة ينتسب أعضاؤها إلى عائلات هندوسية، ولكنهم شديدو المعارضة للدين في الحقيقة" (ص 123). وهذا، بالطبع، إذا ما تركنا خارج دائرة الاهتمام الآن أعمال العنف التي عُرفت بها مجموعة بادر ماينهوف في ألمانيا، والجيش الإيرلنديّ في بريطانيا، ومنظمة إيتا في إسبانيا، أو منظمة الألوية الحمراء في إيطاليا، وعَلمانيون فلسطينيون أواخر الستينات.
ورَدّاً على كثيرين ممن يكتبون عن الإرهاب، يقول الباحث إنّ "التفجير الانتحاريّ المدروس ليس حادث غضب غير قابل للتحكم"، بل هو "القتل الذي يردّ على الظلم بانتهاك القانون"، إنه "الفعل العفويّ حين تكون أبواب الوسائل السياسية المشروعة مسدودة" (ص112-113)… وجدل المؤلف مع غيره في هذا المجال يطول.
غير أنه لمّا كان عَرض هذا الكتاب، ولا سيّما الفصل الثالث الباهر منه، بل عَرض بعضٍ من مرتكزات أساسية في الكتاب، سيكون، كما يبدو لنا، مسألة اجتزاء شديدةَ الإجحاف إزاء سلسلة متَّسقة مذهلة من الأفكار والاستنتاجات والجدل الذكيّ المتبصِّر، سلسلة يتعذّر اختصارها أو تجاهل بعض حلقاتها، وتملي على المهتمّ أن يقرأ الكتاب جملة، فإننا سنكتفي بتسجيل فكرتين لافتتين أو، ربما، صادمتين، أقلُّه، لمن أَلِف عدَّ ما يؤمن به مسلَّمات لا تقبل الجدل، أو لمن لديه إجابات يقينية على جميع الأسئلة وليست عنده أسئلة أصلاً:
1) إذا كان العنف الكامن في صلب العقيدة السياسية الليبرالية "يستدعي مشروع خلاص كونيّ"، فإنّ "حقّ الدول الديمقراطية الليبرالية في الدفاع عن نفسها بالأسلحة النووية – وهذا يبدو مقبولاً من جانب الأسرة الدولية – ليس، عملياً، إلا تأكيداً لحقيقة أنّ الحرب الانتحارية قابلة لأن تكون مشروعة" (ص 138)؛
2) في تقديمه لترجمة كتابه هذا إلى اليابانية، حيث يجدِّد طلال أسد تأكيده أن هدفه هو: "تحليلُ الخطاب الغربي حول "الإرهاب" المتمادي في التركيز على حوادث التفجيرات الانتحارية الفلسطينية"، يخلص إلى القول: "إن عمليات تدمير المدنيين والإجهاز على حياتهم الطبيعية التي توجهها الدولة أفظع بكثير من أيّ شيء يستطيع الإرهابيّون أن يفعلوه" (ص217).
1) إذا كان العنف الكامن في صلب العقيدة السياسية الليبرالية "يستدعي مشروع خلاص كونيّ"، فإنّ "حقّ الدول الديمقراطية الليبرالية في الدفاع عن نفسها بالأسلحة النووية – وهذا يبدو مقبولاً من جانب الأسرة الدولية – ليس، عملياً، إلا تأكيداً لحقيقة أنّ الحرب الانتحارية قابلة لأن تكون مشروعة" (ص 138)؛
2) في تقديمه لترجمة كتابه هذا إلى اليابانية، حيث يجدِّد طلال أسد تأكيده أن هدفه هو: "تحليلُ الخطاب الغربي حول "الإرهاب" المتمادي في التركيز على حوادث التفجيرات الانتحارية الفلسطينية"، يخلص إلى القول: "إن عمليات تدمير المدنيين والإجهاز على حياتهم الطبيعية التي توجهها الدولة أفظع بكثير من أيّ شيء يستطيع الإرهابيّون أن يفعلوه" (ص217).



- زهير الشرفي
20 أيلول (سبتمبر) 2008 12:39
حين نتحدث عن العمليات الانتحارية للأصوليين الإسلاميين لا بد من التمييز بين ما تعنيه من التضحية والمقاومة للمحتل في أحد جوانبها وبين ما تعنيه في الجانب الآخر وفي عديد الأحيان من الاعتداء والارهاب للآخرين المختلفين عقائديا.. مقال السيد نيوف وربما الكتاب المقصود أيضا حسب ما يبدو من الاستشهادات الواردة يخلط الأوراق، حيث جاء في المقال ما يلي: "… 1) إذا كان العنف الكامن في صلب العقيدة السياسية الليبرالية "يستدعي مشروع خلاص كونيّ"، فإنّ "حقّ الدول الديمقراطية الليبرالية في الدفاع عن نفسها بالأسلحة النووية – وهذا يبدو مقبولاً من جانب الأسرة الدولية – ليس، عملياً، إلا تأكيداً لحقيقة أنّ الحرب الانتحارية قابلة لأن تكون مشروعة" (ص 138)". هكذا إذا، زيادة على خلط السيد نيوف منهج الدعاية والاشهار للكتاب مع محاولة الإقناع بالحجة والمنطق بما للكتاب المذكور من "فائدة"، يختلط أيضا معنى اللبرالية بمعاني الإرهاب والعنف، ويختلط عنف اللبراليين الجدد الأمريكان وغيرهم بمعاني ومقاصد الحرية التي حملتها عبارة الليبرالية منذ ظهورها كتيار فكري. إنما العنف يكمن في السياسة الليبرالية الجديدة وليس في الليبرالية ككل. وشرعية العمليات الانتحارية ضد الجيوش الغازية لا تبرر بأي شكل من الأشكال ما نشاهده من الإرهاب الأصولي ضد رجال الفكر وضد المخالفين في القناعة والمعتقد. بل لعلني لا أخطئ حين أقول بأن الليبراليين الجدد والإستعماريين بشكل عام هم الذين ساندوا ودعموا الحركات الوهابية والأصولية الإسلامية منذ ظهورها في الجزيرة العربية وانتشارها في الهند ومصر… لعله لا يغيب أيضا على علم كاتب المقال ما يصدر حتى أيامنا هذه من الفتاوى التكفيرية التي تنادي للقتل وللحروب الطائفية والتي تبقى حتى الساعة بدون ردع محلي أو دولي والتي يمثل صدورها في أحوالنا الآنية علامة من علامات التواطئ المتواصل مع الإرهاب الأصولي الإسلامي…
الرد على التعليق