الأربعاء 30 تموز (يوليو) 2014
الأوان من أجل ثقافة علمانية عقلانية
الصفحة الرئيسية > حوارات > أندري كونت سبونفيل A. C. Sponville: نحو “روحية دون إله”

أندري كونت سبونفيل A. C. Sponville: نحو “روحية دون إله”

ترجمة: كمال بوعجيلة

السبت 1 كانون الثاني (يناير) 2011
، بقلم   

شارك اصدقاءك هذا المقال




هل هناك عودة للإله في العلم؟

لنقل أنّ هناك تأرجحا ما. خلال القرن 19، تجاوز الفيزيائيون مسألة الله بسهولة. لا يرون فيه، مثل لابلاس Laplace ، سوى فرضيّة غير ذات جدوى. في البيولوجيا وعلوم الفكر، على العكس، العلماء يحسون بعجزهم عن تفسير معجزة الحياة والوعي، التي تبدو من مشمولات الدين. اليوم يبدو الأمر معكوسا تماما : فالله هو شخص غير مرغوب فيه عند البيولوجيين وقد فرضت الدروينية نفسها. ويجب البحث مطوّلا كي نجد عالم بيولوجيا عصبية neurobiologiste لا يعتبر الفكر نتيجة عضو مادي هو الدماغ، وليس نتيجة روح غير مادية. في حين أنّ الله يبدو عائدا، على الأقل كسؤال، في الفيزياء والفيزياء الفلكية. مع من ناحية نظريّة الانفجار العظيم big bang التي تحمل في حدّ ذاتها فرضية بداية الكون -إذا لما قبل (وهذا يجعلنا نخمن في الخلق)- ومن ناحية أخرى الميكانيكا الكمية التي تلقي بنا في تساؤلات متشعبة.

إذن الانفجار العظيم والميكانيكا الكمية وضعا الله في الواجهة؟


لا أذهب معك إلى هذا الحدّ. ولكن هذا ما أدخل الغموض من جديد. حيث بإمكاننا الاعتقاد، خطأ، أنّ ذلك قد اندثر. ومن هنا ألاحظ أنّه من المستحيل الإجابة عن السؤال الكبير لـ Leibniz "لماذا كان هناك شيء ما عوض أن لا يكون هناك شيء؟" أستطيع، كملحد، أن ألحظ هذا اللغز دون وجوب الإيمان بالله. الذين يعتقدون أنّ الإلحاد غير منسجم مع اللغز هم ماديون قصيرو النظر، أو مؤمنون لكنّهم كذلك قصيرو النظر يريدون الاستحواذ على اللغز. اللغز لا ينتمي لأحد، لا للعلماء ولا لرجل الدين. نحن جميعا من صلب الكائن وعاجزون عن تفسير وجوده. نحن جميعا في قلب اللغز. ولكن هذا اللغز ميتافيزيقي (ما ورائي). لا يجب التعويل على العلوم لفك رموزه.

ما هي المسائل العلمية الكبرى التي تصطدم بهذا اللغز؟

أكبر مسألة على الإطلاق تظلّ المسألة الماورائية اللاعلمية، "لماذا هناك شيء ما عوض لا شيء هناك؟" سؤال يظل بدون جواب. بما أنّنا لا يمكن أن نفسر وجود الكائن إلاّ بكائن، فهذا ما يترك الكائن نفسه دون تفسير. لماذا الكائن؟ البعض يجيب "جرّاء الانفجار العظيم" ولكن لماذا الانفجار العظيم عوض "لا شيء"؟ آخرون يجيبون "بفعل الله" ولكن لماذا الله عوض "لا شيء"؟ نحن لا نجيب أبدا. نحن ننقل السؤال لا أكثر… العلم لا يمكن أن يعمل إلاّ انطلاقا من اللحظة التي يكون فيها شيء ما. الصفر ليس عددا ماديّا، من هنا العبور من اللاشيء إلى شيء ما، هو خارج حقل الفيزياء. أصل الكائن يفلت بالتالي من المعرفة العلمية.

هل للدين إذن أسبقية على العلم؟

لا أعتقد ذلك. الإجابة بأنّ الله هو أصل الكون لا تجيب عن سؤال أصل الله، ولا بالتالي عن أصل الكائن، نحن جميعا في مواجهة لغز الكائن. في العمق المؤمن هو شخص قرّر أن يسمّي هذا اللغز "الله". هو حرّ، ولكن هذا يعود إلى تفسير شيء لا نفهمه بشيء أعسر فهما. من جانبي أفضّل أن أترك هذا اللغز دون "مسمّى" وأن ألزمه بأكثر وضوح ممكن.

بإفراغ الكثير من المسائل من محتواها الماورائي ألا يكون العلم قد خيّب آمال العالم؟

أقول إنّه أفرغها بالأحرى من الخرافات. كان الخوف وحتّى قرون قريبة، يعتبر ظاهرة فوق طبيعية بالفعل، لقد ساهم تقدم العلوم وتطوّرها في اندثار بعض المسائل الميتافيزيقية على مدى عشرين قرنا، وحتّى قدوم كوبرنيك ظلّ سؤال "هل الأرض هي مركز الكون؟" سؤالا ميتافيزيقيا دينيا. اليوم هو سؤال علمي بحت ونحن على دراية بالجواب طبعا. ولكن ما الذي غيّرته الثورة الكوبرنيكية في قراءة الأناجيل؟ لا شيء جوهريّا. فالمهمّ في النصوص الدينية أو الميتافيزيقية الكبرى ليس موقع الأرض.

هل الكنيسة تحاول وضع يدها على العلم؟

يحاول الفاتيكان الآن، متأخرا بثلاثة أو أربعة قرون، أن يتصالح مع العلوم. كما قضى قرنين أو ثلاثة ليقبل بالديمقراطية. كان يمكنه السير بسرعة أكبر. ولكن هذا يعتبر على أيّة حال تطورا، لن نشتكيه!

ولكن يجب أن لا توهمنا الكنيسة أنّ العلم يسير في ركابها. ليس على الكنيسة أن تتخذ موقفا من اكتشاف علميّ تماما كما هو الحال بالنسبة للانتخابات الرئاسية القادمة.

ألا تمنح الاكتشافات العلمية الأخيرة، في الفيزياء الفلكية والفيزياء، بعض الشرعية للنظرة الدينية للعلم؟

لما يكون ذلك؟ "الميكانيكا الكمية" تتحدّث عن "ضباب واقعي" ولكن لا شيء يسمح بالقول إنّ هذا الواقعي هو "الله" أو من صنع "الله"، بما أنّه مخفي مغطّى، لا أحد يعرف ما سبق الانفجار العظيم. ولكن لماذا تريد أن يكون "الله"؟ أما عن المبدأ الذي يصرّ على القول إنّ وجودنا هو الهدف الكوني فما هو إلاّ "تخيّل ثقفوي". ما فهمته من الفيزياء هو أنّ الكون في حالة توسّع، وأنّه يبرد ويسير نحو موت حراري. هذا لا ينفي أنّه يوجد مثلا في الأرض تطوّر تعقيدي. حين تكون الشمس قد انطفأت؟ ما تعلّمنا إياه الفيزياء هو بالأحرى حتمية الموت. فيم يعطي هذا معنى للكون؟ وفيم يدفع هذا إلى الاعتقاد في الله؟

إذا بتحليلك قدما يدلّل العلم تقريبا على عدم وجود الله؟


أيضا لا. مونتاي Montaigne، باسكالPascal ، Hume وكذلك Kant برهنوا منذ زمن، كل بطريقته، أنّ العلوم لا يمكنها التدليل على وجود الله. الدين هو بطبعه ماورائي، إذن خارج حقل الفيزياء. العلوم عكس ذلك تماما فهي ليست دينية ولا غير دينية.

العلوم إذن لائكية؟

هو كذلك بالفعل، بما أنها لا تخضع لأيّ كنيسة، ولا لأيّ عقيدة، بالنسبة للباحث، يمكن أن يكون الدين أحيانا دافعا ومحفّزا إضافيا بنفس درجة متعة المجد والمال! ولكن العقيدة لا يمكن أن تكون بوصلته، فالبوصلة تعطي وجهة ما. رجل العلم الذي لا يبحث إلاّ في الوجهة التي يحددها الدين لا يمكن أن يكون عالما ولكن يمكن أن يكون رائيا. رجل العلم له الحقّ في ممارسة الميتافيزيقا، ككلّ الناس، ولكنّه يكفّ عندها عن ممارسة العلم. التمشي العلمي يستوجب وضع الله بين قوسين. لكن العلم ليس ملحدا. الذين يتصوّرون أنّ مسألة الله لم تعد مطروحة لم يفهموا شيئا. العلموية ماتت وهذا أفضل. لا تعطي العلوم أهمية لا للميتافيزيقا ولا للروحانيات.

بالنسبة لك، الروحانية يمكن أن تقوّي العلم؟

وإذا كان العكس؟ العلوم واعية بحدود مجالها. المطلق في العلم ليس في المتناول. لا تقلّص المعارف الجديدة من لانهائية ما لا نعرف. ذلك أنّ كل اكتشاف جديد يؤدي إلى مشكل جديد. تطوّر العلوم أفقد العلماء رفاهية اليقين. يعرفون أنّهم محكومون بالشك، لا بل شكل من التشكّك. وهكذا فجأة، تطفو المسائل الماورائية للسطح. وعلى كلٍّ هذا أفضل. على كلّ حال، كانت أوّل تجربة علمية ملاحظة السماء (الجنس البشري، أغلب الظنّ، هو الوحيد الذي يستلقي على ظهره وعيناه سابحتان في النجوم) وهذا ما سمح لنا بإدراك هذا اللغز الذي يتملكنا ويسكننا، إنّها بداية الروحانيات.


 


 

- أجرى الحوار كريستوف لاباي وأوليفيا روكاسون Cristophe Labbé et Olivia Recasens


المصدر: مجلة Le Point عدد 1977- 5 أوت 2010.
 


شارك اصدقاءك هذا المقال

هل نجني ثمار فشل (...)

أحكمت الأنظمة العربيّة غلق القماقم العتيقة، وبمجرّد تزعزع بعضها أو تلاشيها، غير مأسوف عليها، انطلقت عفاريت الهويّة والطّائفيّة والشّريعة والعقيدة وفتحت أمامنا مسرحا قياميّا شبيها برقصة أشباح الماضي مع الأحياء. كلّ هذا الرّعب الذي نراه يتمّ باسم الإسلام، رغم كلّ الحسابات والرّهانات الجيوستراتيجية، ورغم الدّور التّخريبيّ الذي لعبته بعض الدّول، ورغم تعدّد أطراف اللّعبة في كلّ بلد فتح فيه جحيم هذا الحفل (...)
الفيسبوك
تويتر