الصّعق أو الموت المؤدّي إلى العشق من موسى كليم الله إلى قيس مجنون ليلى

عندما لا يحتمل العاشق “الآله” رؤية المعشوق وقد انبعث نوره، يستفحل أمر العشق-الأله، فتصيبه غشية هي ما يسمّيه القرآن، وتسمّيه نصوص العشق “صعقا”. (…)

يحيل الصّعْق إلى “الغشية” والموت، كما يحيل إلى العامل الذي يسبّبهما، وهو إمّا أن يكون “الصّاعقة”، وهي إحراق البرق الإنسان أو “نار تسقط من السّماء في رعد شديد”، وإمّا أن يكون الصّوت يسمعه الإنسان “كالهدّة الشّديدة”.
ولعلّه من الضّروريّ أن نميّز بين مفهوم الصّرْع والغشية المرتبطة به ومفهوم الصّعق. فالصّرْع (…) يتنزّل في دائرة الخياليّ، لارتباطه بالمسّ وبعالم الجنّ، بما أنّ الجنّيّ هو شوق الإنسان المنفصل عنه، والمرفوض بطريقة هستيريّة بالأحرى، ولذلك يدخل الجنّيّ جسد الإنسان لـ”يتخبّطه”. أمّا الصّعق، فإنّنا نفترض أنّه مرتبط بلقاء الغير المنفصل عن الإنسان، باعتباره الغير المطلق الغيريّة، أي باعتباره لامحدودا ولانهائيّا، ولذلك فهو لا يحتمل. إنّه لقاء بالغير باعتباره مستحيلا، واكتشاف للعشق باعتباره متضمّنا للاستحالة. وهذا ما سنبيّنه.

{{ صعق موسى}}

لا شكّ أن أحسن من يجسّد الصّعق، بل من يجسّد الصّعق “الأصليّ” هو موسى، كليم اللّه، عندما اشتاق إلى وجه اللّه : “ولمّا جاء موسى لميقاتنا، وكلّمه ربّه، فال : يا ربّ أرني أنظرْ إليك، قال : لن ترني، ولكن انظر إلى الجبل، فإن استقرّ مكانه فسوف تراني، فلمّا تجلّى ربّه للجبل، جعله دكّا، وخرّ موسى صعقا، فلمّا أفاق قال : سبحانك تبت إليك وأنا أوّل المؤمنين.”( الأعراف 7/143)

هناك غموض في الآية، تعمّدنا عدم تجنّبه بالعودة إلى التّفاسير المختلفة، فهي ستقدّم ولا شكّ إجابات معقلنة وحلولا توضيحيّة. لنتأمّل الآية كما لو كانت بيتا في العشق، أي بمعزل عن التّرسانة التّأويليّة التي يحيطها بها التّقليد. لماذا صعق موسى؟ ألأنّه رأى اللّه، أم لأنّه لم يره؟ ما الذي لم يحتمله موسى : شدّة النّور التي تنخطف لها الأبصار والألباب، أم وقوف الجبل واسطة تحول بين النّاظر والمنظور، بحيث أنّ المنظور لن “يتجلّى”، وإن وعد بذلك، لن يُرى إلاّ من خلال حجاب، فهو لن يرى(1) ؟

هل صَعِق موسى لأنّه رأى شيئا من اللّه أم لأنّه لم ير اللّه، أم صعق “حتّى” لا يرىJustify Full اللّه؟ هل “صُرف” عن رؤية اللّه عندما أتيحت الرّؤية؟ هل وضع حجاب الجبل على نور اللّه أم وضع حجاب الغشية على بصر موسى؟ هل اجتمع الأمران لحجب الوجه الإلهيّ : غِشاء الجبل وحجاب الغَشية؟

إنّنا نذهب إلى أنّ الآية تتّسع إلى جميع هذه الممكنات التّأويليّة المختلفة، ولكنّنا نرى أنّها مع ذلك تؤكّد أمرا أساسيّا : هو استحالة رؤية اللّه، هو استحالة اللّقاء المباشر باللّه واستحالة حضوره. الأكيد هو أنّ موسى لم ير اللّه من حيث رآه أو أوشك على رؤيته : “أخطأ اللّهَ”. ننتقل في الآية من إمكان المستحيل، بما أنّ اللّه وعد موسى بأن يريَه وجهه، إلى استحالة الممكن، بما أنّ الرّؤية انتهت بعدم الرّؤية.

والأكيد أيضا هو أنّ موسى استخلص عبرة من مجابهة الاستحالة عندما “أفاق” وتاب. هذه الإفاقة هي الإفاقة على الواقعيّ باعتباره مستحيلا، وقد سبق أن وجدناها في الشّعر المعلن عن انقطاع الحبل، وفي الشّعر الذّاكر طيف الصّباح بدل طيف اللّيل، وفي المقدّمة الطّلليّة التي تذكر ضرورة الكفّ عن مخاطبة الطّلل وضرورة الرّحلة لقضاء الحاجات والضّرب في الأرض. الأكيد أخيرا أنّ علاقة موسى باللّه تخضع إلى ملامح الإخطاء العشقيّ ذاته : عندما اشتاق موسى إلى اللّه لم يره، وعندما أتيحت رؤيته فقد الوعي، وعندما عاد إلى وعيه أيقن بأنّ اللّه لا يمكن أن يرى : عندما يحضر موسى “إلى نفسه” يغيب اللّه، وعندما يحضر اللّه يغيب موسى.

إنّ عدم إدراك استحالة رؤية اللّه بعين الحسّ يؤدّي إلى الجنون، أو هو مرادف للجنون : مجرّد ادّعاء رؤية اللّه يؤدّي إلى الجنون الاجتماعيّ وإلى الإقصاء : “حُكي عن مالك بن دينار قال : مررت يوما ببعض سكك البصرة، فإذا بصبيان يرمون رجلا بالحجارة، فقلت : ما هذا؟ فقالوا : مجنون يزعم أنّه يرى ربّه عزّ وجلّ على الدّوام. فزحزحت عنه الصّبيان، فإذا شابّ بهيّ قد أسند ظهره إلى الحائط، فقلت له : ما هذا الذي يزعم هؤلاء؟ قال : وما يزعمون؟ قلت : يقولون إنّك ترى ربّك على الدّوام. فبكى وقال : واللّه ما فقدته مذ عرفته، ولو فقدته ما أطعته. ثمّ أنشأ يقول : [من الهزج]

عَلَى بُعْـدِكَ لاَ يَصْبِــ

رُ مَنْ عَادَتُهُ القُــرْبُ

وَلاَ يَقْـوَى عَلَى هَجْـِر

ك مَنْ تَيَّــمَهُ الحُـبُّ

لَئِنْ لَمْ تَـرَكَ العَيْــنُ

لَقَدْ أبْصَــرَكَ القَلْـبُ (عقلاء المجانين).

لا ندري إن كان الصّبية، وهم يمثّلون سلطة المجموعة وصوتها، فهموا هذا العاشق الإلهيّ خطأ، أم أنّ هذا العاشق أدرك مثل موسى استحالة الرّؤية بناظر الحسّ، فطلب الرّؤية بناظر القلب. الأغلب على الظّن أنّه من “عقلاء المجانين”، فهو ليس بالمجنون ولا بالعاقل(…)

وقد يتكرّر الأمر، يتكرّر الصّعق لدى أهل المحبّة، فيتحوّل إلى تقنية جسديّة، غايتها إنتاج وهم الحضور، حضور شيء من الذّات الإلهيّة في الجسد(2) ، وهذا شكل من أشكال “استبدان الإلهيّ” somatisation du divin يختلف عن اللّقاء بالمستحيل، وعن قبوله.

{{ مجنون ليلى : هل صعق أم صرع؟}}

ونجد “الصّعق” في أخبار “العشّاق الطّبيعيّين”، ومنهم مجنون بني عامر. المعشوق المستحيل لم يعُد اللّه بل ليلى، لاسيّما أنّها كما سنرى تشبّه بالشّمس لأنّها لا تدرك. فهل يلتقي المجنون بالمستحيل فيفيق؟ وهل تمثّل ليلى غيرا مطلقا أم صورة من صور الأنا تتخبّط المجنون كما يتخبّط الجنّ من أصابه مسّ؟

“حدّثنا بعض مشايخ بني عامر أنّ المجنون مرّ في توحّشه، فصادف حيّ ليلى راحلا، ولقيها فجأة، فعرفها وعرفته، فصعق وخرّ مغشيّا على وجهه، وأقبل فتيان من حيّ ليلى، فأخذوه ومسحوا التّراب على وجهه، وأسندوه إلى صدورهم وسألوا ليلى أن تقف له وقفة، فرقّت لما رأته به، وقالت : أمّا هذا فلا يجوز أن أفتضح به، ولكن يا فلانة –لأمة له- اذهبي إلى قيس فقولي له : ليلى تقرئك السّلام، وتقول لك : أعزز عليّ بما أنت فيه، ولو وجدت سبيلا إلى شفاء دائك لوقيتك بنفسي منه، فمضت الوليدة إليه وأخبرته بقولها، فأفاق وجلس وقال : أبلغيها السّلام وقولي لها : هيهات! إنّ دائي ودوائي أنت، وإنّ حياتي ووفاتي لفي يديك، ولقد وكّلت بي شقاء لازما وبلاء طويلا. ثمّ بكى وأنشأ يقول : [من الطّويل]

أقُولُ لأصْحَابِي : هِيَ الشَّمْسُ ضَوْؤُهَا

قَـِريبٌ وَلَكِــنْ فِي تَنَاوُلِـهَا بُعْدُ

لقَدْ عَارَضَـتْنَا الرِّيحُ مِنْهَا بِنَفْــحَةٍ

عَلَى كَبِدِي مِنْ طِيبِ أرْوَاحِهَا بَرْدُ

فَمَا ِزلْتُ مَغْشِـيًّا عَلَيَّ وَقَدْ مَضَـتْ

أنَاةٌ وَمَا عِنْـدِي جَـوَابٌ وَلاَ رَدُّ…(الأغاني)

رؤية ليلى بصفة مباشرة أدّت إلى عدم المباشرة، أي إلى صعق المجنون، وتكرّر الإخطاء : عندما حضرت ليلى غاب المجنون عن الوعي. وبعد ذلك، عندما عاد الوعي إلى المجنون كان لابدّ من واسطة بينه وبين ليلى تمثّلت في الفتيان من قوم ليلى، أو في الأمَة التي كلّفتها ليلى بتبليغ رسالتها إلى المجنون. لقد أفاق المجنون وذكر المستحيل : ليلى شبيهة بالشّمس، لا في جمالها وبهائها، بل في البعد رغم توهّم القرب، في الاستحالة التي تبدو إمكانا.
ولكنّنا نذهب إلى أنّ المجنون، خلافا للنّبيّ موسى حسب الرّواية القرآنيّة لم يتّعظ ولم “يفق” حقيقة، يظهر ذلك فيما يلي :

–أعلن في نثره عن فوات الأوان (هيهات!)، فهو سائر إلى موته لأنّ ليلى هي داؤه ودواؤه.
–عادة ما تأتي الاستفاقة، والتّسليم بالاستحالة بعد البكاء، أمّا المجنون، فقد بكى بعد أن أفاق.
–لم يل البيت الذي يقرّ باستحالة ليلى سلوٌّ، أو إعلان عن قطع الحبل، أو غير ذلك من الممكنات الشّعريّة التي تعرّضنا إليها في هذه الدّائرة، بل تلاه بيت في التّشوّق، أي في العودة إلى الخيال لعقد الصّلة بليلى ولاستحضارها وهْما. ليلى مستحيلة ولكنّه سيظلّ يجري وراءها.
–انتهت الأبيات، وانتهى الخبر بأكمله بذكر الغشية، بل وطــولها واستمرارها (” فما زلتُ مَغْشِـيًّا علَيَّ… “) وذكر عدم الكلام ( ومَا عِنْدِي جَـوابٌ وَلا رَدّ)، عدم الإعلان عن قطع الحبل ربّما.

وبذلك لم يفق المجنون من غشيته إلاّ ليعيد الغشية، ولم يأنس إلى قوم ليلى إلاّ ليعود إلى توحّشه، ويمضي إلى موته. وهذا هو الفارق بين صعق موسى و”صعق” المجنون(…)

ليس صعق المجنون لقاء بالغير المطلق، بل هو لقاء بغير موجود داخل العاشق، هو مبدأ عدم قبوله العشق وتبعاته، ومبدأ تغيّر العاشق واعتلاله. فهو من النّاحية المفهوميّة صرع وليس صعقا.

صرع المجنون يختزل قصّة الحبّ في دائرة السّدم : عشق فموت، وصعق موسى وغيره من العشّاق “الإلهيّين” أو “الطّبيعيّين” يختزل قصّة الحبّ في دائرة المستحيل : موت فعشق، لقاء بالموت فعشق تلوح منه استحالة العشق. إنّه الموت الذي تنبعث منه ذات أخرى، أدركت المستحيل، وسلت على نحو ما، أي : ابتلعت شيئا من الموت.

{{من كتاب “العشق والكتابة”، بتصرّف.}}

{{الهوامش:}}

1-يقول ماسّينيون متسائلا، رابطا بين صعق موسى وسجود إبليس : “هل يجب رفض طاعة اللّه، عندما يطلب منّا في القرآن أن ننظر ( أن ينظر موسى) إلى صفحة وجهه Son reflet(وهي غيره) في سيناء، أو عندما يطلب منّا (من الشّيطان) أن يسجد أمام صورته Son image (وهي غيره)، في شكـل آدم؟” انظر :
La Passion de Hallaj 1/410-11.

2- انظر حديث دي سرتو عن المصروعين الإلهيّين الذين “ينتجون أشباه حضور” des semblants de présence ، وهم غير المتصوّفين الحقيقيّين الذين “يدافعون عن الاستحالة التي يواجهونها” :
De Certeau Michel : La Fable mystique : XVI –XVII siècles, Gallimard, p 14

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق