المجتمع المدنيّ في مصر : البحث عن شرعيّة للمصطلح والممارسة

ترى ما السبب الذي دفع المثقفين العرب وهم بصدد تناول المجتمع المدني إلى الإقرار سلفا بأهميته وحتميته على صعيد نقل مجتمعاتنا العربية من طورها السلطوي إلى طور آخر يختلف حتما من حيث درجة إحكام النخبة المسيطرة على مفاتيح اللعبة السياسية في البلاد؟

فخلال السنوات الثلاث الماضية تعززت -في مصر على الأقل- فرضية ذلك الدور “الاستثنائي” الملقى على كاهل المجتمع المدني للتصدي إلى أشكال الممارسات السياسية “الاستبدادية” وتحويلها إلى ممارسات ديموقراطية.

ولا يبدو أن الأسباب التي دفعت قطاعات واسعة من النخبة السياسية والحقوقية (المعارضة بالتعريف) إلى التهليل بالمجتمع المدني، غامضة أو غير مألوفة، بل هي على العكس من ذلك بادية للعيان، فمثلا اندفعت الإدارة الأمريكية وراء فرضيات مبهمة في عالم ما بعد 11 سبتمبر لتبشر بأجندة للحرية، وذلك بهدف تبنى الدول “غير الحرة” لمفردات الديمقراطية “الليبرالية”، بزعم أنها الضمان الأكيد لحماية وضمان أمن المواطن الأمريكي.

في هذا الصدد جرى تصميم مبادرات إصلاحية -مثل مبادرة الشرق الأوسط الكبير- استهدفت مخاطبة المكونات الأقل عداءا للولايات المتحدة الأمريكية، والتي لم تكن في التحليل الأخير سوى القوى المطالبة بتغيير الأنظمة العربية الحاكمة.

ما يهم هنا هو أن “المثقف المصري” آمن بهذه الحتمية المفترضة للمجتمع المدني، وخاض معركة إعادة نقل وصياغة تعريف هذا المفهوم، سواء من خلال موقع المجتمع المدني في تلك المساحة التي تفصل ما بين الدولة ومجالها العام، والفرد والأسرة ومجالهما الخاص، وهو من ناحية ثانية ركز على نوعية المكونات التي تدخل تحت مظلة المجتمع المدني، وتلك التي لا تدخل تحت مظلته، في محاولة جادة للبحث عن صيغة لضم هذا المكون (منظمات حقوق الإنسان)، واستبعاد ذلك المكون (الجمعيات الدينية مثلا).

ساهم في ذلك أن السواد الأعم من هذه التعريفات تم استقائها ونقلها من مصدرين رئيسيين، أولهما هو الأكاديمي “شديد الالتصاق بالرؤى الأمريكية” سعد الدين إبراهيم وثانيهما هي الباحثة “شديدة الالتصاق بالرؤى الرسمية” أماني قنديل.

قدم إبراهيم وقنديل جهودا مهمة للغاية في سياق بناء تعريف متماسك لمفهوم المجتمع المدني، وهو الأمر الذي جعلهما عن جدارة الصوتين الأكثر ترددا في مجال الحديث عن المجتمع المدني. لكن هذا لا يعنى أن كليهما قدم استجابة أكاديمية وافية للرد على الخطاب النقدي المعارض للمجتمع المدني، ناهيك عن تقديم معالجة نقدية للمفهوم نفسه على غرار ما فعله “عزمي بشارة” في كتابه “المجتمع المدني : دراسة نقدية، مع إشارة للمجتمع المدني العربي”. و سواء كانت الأسباب التي دفعت هذين الاسمين إلى تجاهل تقديم خطاب نقدي “لحدود ومجالات عمل المجتمع المدني”، وإلى سهولة بناء تعريف عن المجتمع المدني، في مقابل الصعوبة البالغة والشديدة الوطأة للحديث عن “تاريخية” مفهوم المجتمع المدني، ومن ثم معالجة قضايا تحليلية مثل حدود المفهوم، أو موقعه في المنظومات الفكرية لهيجل أو ماركس أو حتى جرامشى ، إلا أن النتيجة تبدو واحدة في النهاية و هى أن النقص في الخطاب النقدي قد سحب مساحة كبيرة من شرعية وجود “المجتمع المدني” لصالح خطابات تمارس تصورات ذهنية لا تنقل النقاش قيد أنملة إلى الأمام.

{{المجتمع المدني: شرعية التواجد و شرعية النفي}}

ربع قرن من الزمان توشك أن تمضي لتفصل ما بين اللحظة الراهنة و بين لحظة أخرى اجتمع فيها عدد من المثقفين العرب في ليماسول عام 1983 لبحث أسباب المأزق العربي (بعد قيام الآلة العسكرية الإسرائيلية باحتلال بيروت في عام 1982). في هذا المؤتمر تهامس المؤتمرون حول غياب المجتمع المدني غيابا يلخص عمق المأساة العربية و سبب العثرة. وعلى الفور، تم تأسيس “المنظمة العربية لحقوق الإنسان” لتكون نواة لمجتمع مدني عربي يستطيع أن يعالج سوء المآل العربي. و بعد ثلاث سنوات من ذلك التاريخ خرجت المنظمة المصرية لحقوق الإنسان من رحم المنظمة العربية لتبدأ حركة جديدة للتغيير. في تلك اللحظة تم طرح رؤية مفادها أن غياب المجتمع المدني هو الذي يفسر إخفاقين معاصرين في التاريخ العربي (و المصري على وجه الخصوص) : الإخفاق الأول هو ضعف المحتوى الديمقراطي للعملية السياسية في النظم العربية و من بينها مصر بالطبع، وهو ما يجعل هذه البلاد مسرحا لممارسات سلطوية و قمعية لا نهاية لها، دون أن تجد قوى مجتمعية حقيقية تقف بالمرصاد لهذه الممارسات. أما الإخفاق الثاني فهو ببساطة تحدى الإسلام السياسي، حيث ظهرت قوى سياسية تعتقد أن هناك فهما وحيدا للإسلام، و هي التي تمتلك هذا الفهم الوحيد، و من ثم ترتب عن هذا الاعتقاد أن حددت هذه القوى مجالات عملها، وتمثّلت هذه المجالات في الإقصاء التام و إعلان الجهاد والحرب على كافة مظاهر الحياة المعاصرة. لقد قدمت هذه القوى نفسها على أنها ليست خيارا ما، بل حتمية لا تقبل الرفض، وأداة للتشكيك في طبيعة و شكل الأبعاد المدنية للدولة المصرية التي تم تحقيقها على مدار قرنين من الزمان.

تحققت شرعية المجتمع المدني من خلال ثنايا إخفاق الديمقراطية و تحدى الإسلام السياسي، وكتب سعد الدين إبراهيم راصدا التجربة التاريخية لظهور مفهوم المجتمع المدني في السياق العربي من خلال مؤتمر ليماسول، وكان مما قاله أن المؤتمرين تصوروا المجتمع المدني على أنه عبارة عن “تنظيم الناس خارج الأطر الحكومية الرسمية على أساس “المواطنة الحرة ” و”الإرادة المستقلة”، بحيث تكون هذه التنظيمات حامية للأفراد ضد تعسف الدولة، و داعمة لهم في مواجهة الدولة وفي الدفاع عن مصالحهم الذاتية المستنيرة” (سعد الدين إبراهيم، من ليما سول إلى القاهرة : الموجة العربية الثانية للديموقراطية ، في سعد الدين إبراهيم (إشراف) المجتمع المدني و التحول الديموقراطي في الوطن العربي ، التقرير السنوي 1992 ، القاهرة ، مركز ابن خلدون للدراسات الإنمائية و مركز سعاد الصباح ، القاهرة ، ص 11). يعني هذا أن المجتمع المدني قد نفذ إلى مصر من خلال مساحة الصراع على الدولة. و هو يتحدد من خلال آليات عمله التي يقف فيها في مواجهة الدولة، سواء من خلال القيام بوظيفة حمائية، أي توفير مظلة للأفراد لحمايتهم من جهاز الدولة، أو من خلال وظيفة رقابية على الدولة ومؤسساتها، أو من خلال وظيفة اتصالية لنقل الرؤى و التصورات من المجال الخاص إلى المجال العام.هذا إلى جانب أن المجتمع المدني يقوم بدور حائط الصد ضد قوى الإسلام السياسي، التي تتبنى سياسة الإقصاء و النفي، والأحادية، و القسر و الإجبار، بينما يتبنى المجتمع المدني سياسة الإدماج و الدفاعية، و يعبر عن التنوع و التعدد في تصورات الأفراد، إلى جانب كونه أداة تستهدف تحقيق درجة من النفع العام لقطاع عريض من المنتفعين.

لم يحظ هذا الطرح برضا الدولة بالطبع، فمارست نفيا متعمدا للمجتمع المدني، و أضحينا أمام ثنائية (الدولة –المجتمع المدني)، حيث ظهر رفض الدولة لتحديد مساحات حركة منظمات المجتمع المدني، و لم تسع إلى تصميم علاقة قائمة على التكامل الوظيفي للأدوار بينها و بين المجتمع المدني.

{{في ممارسة المجتمع المدني:}}

على مدار عقدي الثمانينات والتسعينات، قامت طائفة مكونة من نشطاء سياسيين ومثقفين وصحفيين وشخصيات عامة بتدشين حملة تبشير بالمجتمع المدني، و ساعدت بعض الظروف المرتبطة بتحولات عالمية في سياق إعادة تعريف وظائف الدولة الاقتصادية على نمو و تزايد الإحالة إلى المجتمع المدني، هذا بالإضافة إلى عدد من المؤتمرات الدولية حول السكان و المرأة و البيئة قامت جميعها بدفع مفردة المجتمع المدني إلى سلم الأولويات. فتم تصميم برامج عمل حول حقوق الإنسان و التنمية و غيرها راهنت منذ البداية على إمكانية تحقيق شراكة بين الدولة و المجتمع المدني في تحقيق هذه البرامج. لكن هذا الرهان أثبت فشله التام، و لعل أبرز الفاعلين الذين آمنوا بضرورة تغيير العلاقة بين الدولة و المجتمع المدني في مصر هم الأطراف الخارجية، ومبعث ذلك أنه ومع دوي الانفجارات التي هزت مدينة نيويورك في 11 سبتمبر، و كجزء من متغير جديد في السياسة الخارجية الأمريكية أصبح المجتمع المدني في مصر هو فرس الرهان بالفعل، فهناك حديث خافت أو صريح عن المجتمع المدني في كل مبادرة إصلاحية، سواء كانت مبادرة كولين باول في 2002، أو الشرق الأوسط الكبير (التي أعطت دورا كبيرا للمجتمع المدني في إنجاز الإصلاح)أو غيرها من المبادرات.

عموما استقبل النظام المصري هذه المبادرات بدرجة كبيرة من القلق، فهذه هي المرة الأولى التي يتم فيها ممارسة ضغط واضح و صريح على النظام الحاكم في مصر من أجل تحقيق تنازلات قد ينتج عنه سحب مفاتيح اللعبة السياسية من قبضته. و على مدار سنتين هما 2004 و 2005 ، قدم النظام مجموعة من التنازلات مثلت عن حق إجراءات غير مسبوقة في التاريخ السياسي المصري. و بغض النظر عن أسباب هذه التنازلات، يمكن القول إن المجتمع المدني قد نال حصة الأسد من المزايا التي وفرتها له هذه التنازلات، فقد اكتسبت منظمات حقوق الإنسان شرعية جديدة من خلال الرقابة على الانتخابات، وارتبطت بقواعد لم تستطع أن تصل لها في السابق. و بالطبع لا يمكن إغفال نجاح هذه المنظمات في دفع الدولة المصرية إلى رعاية مبادرة الإسكندرية، والتي أشارت إلى ضرورة إطلاق حرية تشكيل مؤسسات المجتمع المدني، وذلك بتعديل القوانين المقيدة لحرية منظمات المجتمع المدني، لأن تعديل الأطر القانونية يعد في مقدمة القضايا المرتبطة بالتطور الديمقراطي للمجتمع.

يعنى هذا ببساطة أن مسيرة ما يقرب من ربع قرن للمجتمع المدني، كللت في النهاية بنجاح نسبى، فقد اعترفت الدولة بالمفهوم و الممارسة بعد أن توجست منهما خيفة في سنوات الثمانينات و التسعينات، و فرضت حصارا سياسيا محكما على مكوناته (سواء بالقوانين المقيدة للجمعيات الأهلية، أو بفرض الحراسات على النقابات المهنية).

{{بعض التحديات}}

حقق المجتمع المدني إذن بعض ملامح شرعية التواجد ، و لكنه لا يزال أسيرا لتحديات النفي و الإقصاء، و يمكن هنا رصد عدد من هذه التحديات، فمن ناحية أولى لا تزال منظمات المجتمع المدني أسيرة لبنية قانونية لا فكاك منها، بحيث تشكل قيدا على الحركة (وليس منظما لها)، و الدولة تسير في ذلك بمنطق أنها لا تستطيع أبدا أن تكون فقط منظما لعمل المجتمع المدني، بل تريد أن تكون هي المصممة لحركته و برامجه و مساحات حركته، بمعنى آخر تريد الدولة تأميم كافة مظاهر العمل المدني. ثاني هذه التحديات- و هو للأسف أقواها- يتمثّل في الخطاب السائد حول قضية التمويل، حيث تنظر قطاعات واسعة من الرأي العام لقضية التمويل على أنها قضية حاسمة في النظر إلى دور المجتمع المدني و القضايا التي يتبناها، فنشاطات المجتمع المدني عند هذه القطاعات ما هي إلا تلبية لأجندات غربية بعيدة عن واقع بلادنا، و هي تستهدف العدوان على البلاد و العباد. و تتراوح جدية هذا النقد من خلال خطاب تمثله رطانة كلامية لصحفي مثل مصطفي بكرى ، أو منطق ثقافي مثل ما كتبته الراحلة سناء المصري في كتابها”تمويل و تطبيع”، و لكنه على أي حال نقد هش يعتمد على سطحية و ضبابية في المعلومات و مصادرها، بمعنى أن هذا النقد لا يتقدم خطوة للأمام من خلال البحث في مغزى التمويل الخارجي عموما أو البحث وراء المؤسسات التي تقدم المنح، ولا يقدم أي نتاج فكرى حول الفروق بين التمويل المقدم للدولة و التمويل المقدم لهذه المنظمات. كما أن هذا النقد لا يتطرق إلى دور مؤسسات الدولة في الرقابة على آليات التمويل وشكل هياكل الأجور و مدى استخدام وسائل رقابية فعالة لأوجه تسلم و إنفاق التمويل. ثالث هذه التحديات لا يجد إجابة واضحة من منظمات المجتمع المدني، و هذا التحدي عبارة عن تحدى فكرى بالأساس، و هو لا يرى في المجتمع المدني سوى أنه مساحة لنقل النشطاء اليساريين من ميدان العمل الرئيسي مع الجماهير سواء في الشارع أو المصنع أو الحقل، إلى الجلوس في القاعات المكيفة، و هذا هو مضمون كلام الروائي اليساري صنع الله إبراهيم، و بهذا المعنى فالمجتمع المدني يقوم على التدرجية والخيرية وصياغة مشكلات بعيدة عن جوهر الرأسمالية، بما يعنى أن المجتمع المدني حسب هذا الخطاب ليس إلا محاولة لتكريس حالة الرضا بالوضع القائم، و رفض أي محاولات جذرية لتغييره.

رابع هذه التحديات يكمن في قدرة منظمات المجتمع المدني على التعبئة و الحشد، و الاتصال المباشر بالقواعد وتكوين شبكات مرنة من جمهور المنتفعين، إلى جانب تصميم برامج عمل خلاقة تستطيع أن تتجاوز قضايا الحساسية الثقافية (مثل قضايا النساء و حريات الرأي والتعبير و حرية المعتقد و الضمير)، وهو تحد بالغ الوطأة خصوصا في ظل مناخ عام لا وجود لثقافة التطوع فيه، هذا إلى جانب حساسية قطاعات واسعة من المجتمع المصري من الفعل السياسي المباشر، كما أنه لا يمكن إنكار أن الخطاب التقني لهذه المنظمات يمنعها بالضرورة من الاشتباك الحي والمباشر و المكثف مع القواعد، فعلى الرغم من نجاحات واضحة لمنظمات دفاعية مثل مركز النديم لتأهيل ضحايا العنف أو دار الخدمات النقابية و العمالية في الوصول إلى قواعد حقيقية ومنتفعين حقيقيين، إلا أنهما يمثلان شكلا من أشكال الاستثناء و ليس القاعدة.

آخر هذه التحديات هو عبارة عن الديموقراطية الداخلية لمنظمات المجتمع المدني، و هو تحدّ بالغ الوضوح والفجاجة معا. فمثلا إذا حاولنا تصميم عدد من المؤشرات لقياس الديمقراطية الداخلية لمنظمات المجتمع المدني مثل إمكانية مساءلة القيادات في المنظمات، أو آليات الرقابة و المحاسبية داخل المنظمات، أو الأشكال الانتخابية داخل المنظمات، أو درجة تمثيل النساء في هياكل المنظمات ، هنا سنجد أنفسنا أمام حالة أخرى من الاستبداد السياسي الممارس من قبل فاعلين من غير الدولة، و هو ما يعنى أن المجتمع المدني في مصر لا يستطيع أن ينتج خطابا حقيقيا حول الديموقراطية في بلادنا

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق

Share This