لا أحد في الخارج

أكرمني ربي أنا وزوجتي شيماء، بعد سبع سنوات، قضينا نصفها تقريبا في الدمام، ونصفها الآخر في الشارقة، وحققنا حلم حياتنا في امتلاك شقة يرمح فيها الخيل. مائة وثمانون مترا مربعا  نكاد نطل منها علي شارع عباس العقاد بمدينة نصر، قبلة العائدين من الخليج ومنتهي آمالهم. ولولا المبني الحكومي الكالح الذي يحتل الناصية المقابلة لبنايتنا الضخمة ذات المصاعد الثلاثة، لأصبحت الشرفة البحرية لشقتنا تطل علي شارع عباس العقاد أهم وأوسع شارع، بكل ما يضمه علي جانبيه من أسواق ومحلات ومعارض ومولات.
أكرمني ربي من أجل أولادي الثلاثة الذين أنجبناهم تباعا في الغربة، فكثيرون غيرنا تعرضوا للنصب والاحتيال، وفقدوا ما جمعوه في جحيم الغربة ونارها المتوقدة في الليل والنهار علي السواء. كما أكرمني ربي من أجل زوجتي الطيبة التي وقفت ورائي تشد من أزري، وكانت كالوردة في هجير الصحراء. لم تأل جهدا- في الحقيقة- في تدبير معاشنا حتى ادخرنا مبلغا محترما. كان من حسن حظنا أننا دفعناه ، وحصلنا بالفعل علي مقابل ما دفعناه، بينما حكى لنا العشرات من معارفنا القريبين قصصا مرعبة حول ما تعرضوا له من نصب المقاولين وأصحاب شركات توظيف الأموال والسمسرة في الأوراق المالية والسندات.
شقتنا كانت مملكة شيماء، كما يحلو لها أن تردد.. فرشتها على مزاجها وزينت حوائط الريسبشن بمناظر بديعة. طيور وزهور وبحار وأشجار وفواكه وشلالات. حجرتان لأولادنا إحداهما مغلقة، فمازالوا صغارا، والثالثة حجرة نومنا. زينت جدرانها بورق حائط مرسوم عليه مناظر طبيعية لطواويس وغزلان وظباء تتجول في حديقة، وهي الحجرة التي شهدت صباحاتنا المترعة بالحب، أول ما نبدأ به يومنا  مهما كان الجو باردا مثل هذا الصباح، غادرتني لتأخذ حمامها، فسرقتني غفوة حتى عادت .
اضطررت للنهوض آخر الأمر. باشرت شؤوني الصباحية بسرعة بعد أن لمحت المنبه في الصالة، ووجدت أننا متأخران عشرين دقيقة حتى الآن، وعندما لم أجد شيماء في حجرة النوم، أدركت أنها في حجرة العيال، وتبينت أصواتهم تعلو هناك. شعرت بالخوف، فالدقائق العشرون التي تأخرت طيلتها حتى الآن يمكن أن يترتب عليها عدم اللحاق بباص المدرسة، وأنا رجل لم أتأخر عن مواعيد عملي المقدسة مطلقا، لا في الدمام ولا في الشارقة ولا في الشركة هنا في مصر عندما عدنا. ارتديت ملابسي بأقصى سرعتي وكدت أركض إلي المطبخ. جاءني صوتها مع العيال في الحمام، تلك معركة الصباح الأولى، وأمامنا الآن نصف ساعة فقط علينا أن ننهي فيها كل شئ ونخرج سريعا. بعد أن يركب فيصل ورقية باص المدرسة، آخذ أنا نعمات الصغيرة – التي أصررت على أن أسميها باسم أمي الله يرحمها- في يدي إلى الحضانة على أول الشارع ، أما شيماء فتركب الميكروباص وتمضي إلي عملها.
عملت الشاي باللبن لنا جميعا، وحملت الصينية عائدا إلي الصالة ، وزعقت مناديا عليهم فنحن قد تأخرنا بالفعل، ولن أسمح بالتّأخر عن عملي، وصاحب الشركة التي أعمل فيها حريص علي أن يجلس بنفسه في المدخل كل صباح بجوار كشك الحضور والانصراف ليراقبنا. عدت راكضا تقريبا إلي المطبخ. عملت سندويتشات للجميع، ولففت لكل واحد لفافة منفصلة. وعندما رجعت إلي الصالة، كانت شيماء تشرف عليهم بدقة وتشخط في الولد وتضرب البنتين ضربات خفيفة حتي يركزوا وينهوا الشاي باللبن، فمازال أمامهم ارتداء الأحذية والجوارب، وهي معركة يومية أخرى علينا أن نخوضها كل صباح.
في نهاية الأمر، كنا في طريقنا إلي الباب، وتأكدت من تهيؤ الجميع ثم فتحته. وجدت ثلاثة  رجال ضخام يرتدون زيا متشابهًا ويتمنطقون بأحزمة جلدية. عريضة تتدلى منها الرشاشات. كان هذا الزي قد انتشر في الفترة الأخيرة. بدل كاملة بكرافتات، تستطيع أن تلمح بسهولة تحتها ظِل الحمالات المعلقة بها الرشاشات المتدلية من الخصور. وقفت مرعوبًا أحدق في الأقرب لي، وقد ارتدي كرافته سوداء. بادرني :
-ممنوع الخروج النهار ده..
أجبته علي الفور:
-حاضر.. لكن العيال والمدارس والشغل يعني..
-مش شغلك.. ممنوع الخروج.. إحنا ها نخّبط عليكم عشان الأكل…
دفعني إلي الداخل وأغلق الباب. لكنه ما لبث أن فتحه من الخارج  وأطل قائلاً :
-لا شبابيك تتفتح ولا بلكونات .. مفهوم..
في اليوم التالي فعلوا الشيء نفسه. لا أعرف كيف مرّت الساعات، ورحت أطمئن شيماء والعيال أن الغمة ستزول في الصباح، وإن كنت في قرارة نفسي غير مستريح للأبجر ذي الكرافته السوداء الذي دفعني بغباوة وأغلق الباب من الخارج. في أول الليل حاول العيال مشاهدة التليفزيون، إلا أن الإرسال كان مقطوعًا، فانقلبوا نائمين، وأخذت أنا شيماء إلي حجرة نومنا. أحسست بها مستيقظة في سريرنا مرتجفة، فضممتها إلي ورحت أربت على كتفيها.
منعونا من الخروج في اليوم الثالث أيضًا. وبعد عدة أيام أصاب  العيال الحصر، وشيماء نأت بنفسها وفقد كل منا رغبته في الآخر. شيماء التي كانت وردة في هجير الغربة لم تستطع أن تصمد أمام ما يجري لنا في بلدنا. وعلى الرغم من أنهم كانوا يأتوننا بطعام جاهز بما يشبه الانتظام إلا أن المشكلة الحقيقية هي ما الذي يجري الآن؟ ولماذا يمنعوننا من الخروج والسعي من أجل أكل عيشنا؟ ومتى ينتهي هذا الكابوس؟
الحق يقال إنهم ظلوا حازمين، بل وتمادوا في زجري، إنهم لا يجيبون علي أي سؤال لك، وعليك أن تلتزم بما يأمرون به بكل دقة، وإلا فإن أكفهم الضخمة كانت تلطمني بكل قسوة. وعندما تذكرت أن لدينا راديو، أخرجته من بين الكراكيب وفتحته فوجدت أنهم قطعوا إرسال كل محطات الإذاعة الخارجية والداخلية.
رحت اقضي الوقت أتنقل من غرفة إلى أخرى، أتطلع من بين الفرجات الضيقة لشيش النوافذ، لكنني فشلت في التوصل لأي تفسير، والمساحة التي أتمكن من رؤيتها خالية ولاشيء غير عادي، إلا أن أصواتا متداخلة كانت تشتد أحياناً لطلقات رصاص بعيدة متفرقة. وفي أحيان قليلة كنا نسمع ما هو أقوى من الطلقات أيضاً، وبدا أنهم يديرون معركة بالقرب منا.
وحدث ما كنت أخشاه. لقد فقدت تتابع الأيام. استيقظت من النوم ووجدتني لا أتذكر في أي يوم نحن، أما الشهر فمازلت أتذكره لحسن الحظ، لكنني حاولت أن أتماسك عندما واجهتنا مشكلة الصابون، أما تجفيف ملابسنا فلا مشكلة، لأننا كنا نعلقها أو نفردها حتى تجف ولا نحتاج إلى إذن خاص لننشرها علي حبل الغسيل في الشرفة التي أمرونا بإغلاقها. بقيت مشكلة الصابون. طلبت من الواقف علي الباب، خلال اللحظات القليلة التي يناولنا فيها علب الطعام أن يزودنا بحصص إضافية من الصابون بسبب عددنا وحبستنا التي طالت، استجاب مرة أو  اثنتين ثم دفعني بقبضته صارخاً :
«حتي الصابون تأكلوه يا أوساخ»
لذلك اضطررت أن أشرف على حمام يومي بالماء فقط للعيال الثلاثة، أما شيماء فقد كنت أجرها بالقوة لأحممها بنفسي، والحقيقة أنها باتت مشكلة أيضاً بعد أن طالت فترات صمتها، وما لبثت أن اتخذت لنفسها ركناً بعيداً عنا، شعر العيال بالخوف منها واعتزلوها. مشكلتي أنا مختلفة، فقد كان متعينا علي أن أتماسك في مثل هذه الظروف وأظل واقفاً على قدمي ثابت الجنان، وهو ما آليت على نفسي أن استمر فيه حتى النهاية.
منذ اللحظة الأولى كان من الصعب تفسير ما يجري للعيال، أنا نفسي لم أستطع التوصل لتفسير مقنع، واجهوني بسيل من الأسئلة : لماذا لا نذهب إلي المدرسة؟ ولماذا لا نخرج؟ ومتى ينتهي ما نحن فيه؟ ومن هم أولئك الواقفون علي الباب يمنعوننا؟ وهل سيعودون إلى المدرسة مستقبلاً؟ وهل كل الناس جرى لهم ما جرى لنا؟
عندما أتذكر الآن كم كانت الأيام الأولى بالغة الصعوبة، أندهش من قدرتي على الصمود، في البداية كان مضنيا أن أسيطر على العيال وأمنعهم من العبث بالنوافذ وأبواب البلكونات، وخصوصاً أن شيماء لم تكن قد فقدت حزمها فقط، بل وقدرتها التي تميزت بها في الثبات أمام العواصف، تأكدت من ذلك بعد مرور عدة أيام وربما أسابيع، حين أجبرتها على دخول الحمام وحممتها بالماء فقط، ثم حملتها مبلولة إلى فراشنا، هي لم تمانع ولم توافق، فقد كانت في عالم آخر، لذلك كان مستحيلاً أن أستمر فشيماء التي سقتني من الحب ألواناً وأشكالاً لم تكن هي تلك الخرقة المحلقة بعينيها في الفراغ.
بذلت مجهوداً خارقاً مع العيال أول الأمر ورأيت أن أصارحهم على الفور بأنني لا أعرف ماذا يجري بالضبط، لكن يبدو أن هناك أشرارا يتربصون بنا، ولما سألني فيصل الأكبر هل الأشرار هم اولئك الواقفون على الباب، أم أن الواقفين يحموننا من آخرين أشرار خارج مسكننا، أجبته إنني لا أعرف على وجه التحديد ثم اهتديت بعد عنت إلى أسلوب آخر وهو أن أؤكد لهم أن حبسنا لن يستمر علي الرغم من أنني لم أكن مقتنعا تماماً بما أقوله.
لكن كل شيء تغير فجأة عندما تزايدت طلقات الرصاص في الخارج وباتت تستمر طوال اليوم، ثم اشتدت أصوات القتال بل إن زئير وصفير الطائرات المغيرة قد بدأ وأعقبته طلقات المدافع. هاجت الدنيا وعصف بنا الرعب عندما تكسرت بعض ألواح النوافذ الزجاجية، وصرخت شيماء للمرة الأولي منذ أن حبسونا. أخذتها في حضني هي والعيال وجلسنا علي الأرض في الصالة.
عندما استيقظت في اليوم التالي كنا ما نزال جالسين على الأرض وقد هدأت الدنيا من حولنا وغرقنا في صمت مفاجئ. كانت أعضائي تؤلمني بشدة، وما إن حاولت فردها حتى تململ العيال، وانقلبت شيماء علي جنبها. كان الصمت ما يزال مخيما في الخارج. هل توقفت الحرب إذن؟ وعندما ازداد تململ العيال وبدا صوتهم قوياً يتردد وسط الصمت وعتمة أول النهار الخفيفة، قلت لنفسي إن علي في كل الأحوال أن أنهض لأبحث لهم عن أي شيء يتناولونه. حاولت أن أعدل رأس شيماء وشددت قميص النوم لأغطي جسمها. قمت إلى المطبخ. لم يكن قد تبقى لدينا شيْ إلا بقايا شاي وسكر، وكانوا قد توقفوا عن توزيع الخبز والمعلبات كما تعودوا. وضعت الماء في البراد وأشعلت البوتاجاز، ثم رحت أغسل الأكواب والملعقة في الحوض. صببت الشاي الذي كان خفيفاً إلا أنني أضفت إليه النعناع فبدا لونه أفضل.
عدت إليهم حاملاً صينية الشاي، ووجدت العيال مكومين بعد أن استيقظوا ليجدوا كل شيء كما هو لم يتغير. شيماء كانت ما تزال ملمومة وحدها وقد عاد قميص نومها للارتفاع عن جسمها فشددته مرة أخرى أغطيها. كنا جائعين كلنا، وكان العيال بالطبع أكثرنا جوعاً. كانوا يغمغمون ويدمدمون، غير أنهم فقدوا كل قدرة على الصراخ، بعد أن تواصل صراخهم أثناء اندلاع الحرب على مدى اليومين الأخيرين عندما اشتد القتال. تذكرت أني كنت في البداية ملهوفاً على معرفة أنباء تلك الحرب المفاجئة، بل إنني كنت قد غامرت بسؤال الواقف علي الباب قبل عدة أيام، وكان رده أن صفق الباب في وجهي. لذلك لم أعرف من الذي يحارب من، بينما كان الأمر بكامله فظيعاً بالنسبة للعيال الذين كانوا يعيشون معركتهم الأولى، فأنا على أي حال عاصرت حربين وربما ثلاثا من قبل.
طعم الشاي كان مائعاً.. بسكر خفيف جداً، وبلا  شاي  تقريباً، فانقلبت أمعائي وكدت أتقيأ، كما أن العيال نحوا أكوابهم جانباً، بينما لم ترشف شيماء إلا رشفتين فقط وغمغمت وهي تعود للاستلقاء متخذة من حجري مستقرا لرأسها. كان علي أن أنهض في كل الأحوال وكان الهدوء المخيم في الخارج أكثر مدعاة للقلق. فكرت في أن أتوجه للنافدة، وهناك لم أستطع أن أتبين شيئا تقريبا، وأنا واقف خلف الشيش، وشعرت بالخوف أكثر عندما هممت بفتح جانب من النافذة، فربما قفز أحد العيال فجأة، خصوصاً أن عمعمتهم تعالت، بل إن رقية صاحت: «أنا جعانه يا بابا.. حاسة بصداع.. راسي بتدق».
لم نلبث أن سكتنا جميعاً، وخيل لي أنني غفوت، وربما أكون قد حلمت، لأنني استيقظت مرضوضاً عطشاً، أنهج بصوت مسموع، ثم أطارت رائحة عفنة بقايا النوم من عيني. هل هي رائحتنا جميعاً منذ فترة ولم أنتبه لها من قبل لأنها رائحتي أنا أيضا رحت أشمشم في كل اتجاه، وتأكدت أنها تنبعث من الجميع. كان هذا أقصى ما يمكن احتماله، فحزمت أمري ونهضت مصمماً على أن أفتح باب الشقة وأواجه الواقف بالخارج. وعندما فتحته كدت أسقط من المفاجأة، فلم يكن هناك أحد مطلقاً، بل سقطت بالفعل وصرخت أناديهم: «يا شيماء.. يا فيصل.. يا عيال.. تعالوا الغمة انزاحت.. لا أحد في الخارج».
أسرعوا يتسابقون، وقد بعثت الروح فيهم فجأة حتى شيماء وجدتها أمامي وقد أشرق وجهها وراحت ترتجف كأنها مبتردة، وبدت على وشك الابتسام. فقط إننا ننزلق إلي هاوية جديدة لا نعلم عنها شيئا ومن الخطورة أن نغادر. تخطتني نعمات الصغيرة متجهة إلي السلم. صرخت فيها، وأدركت في هذه اللحظة مسكننا دون أن ندري ماذا يجري في الخارج. وعندما اندفع فيصل ورقية غير عابئين بصراخي، أمسكت  بهما بقسوة وضربت فيصل على وجهه ودفعتهم جميعاً داخل الشقة، وأغلقت الباب خلفي  بالمفتاح وأسندت ظهري إليه ووقفت أحدق فيهم ثم قلت متمهلاً: «ومن أدرانا أن لا أحد في الخارج فعلاً..»

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق