هل يكفي ديكارت؟

كتب الصديق سلامة كيلة مقالاً نُشر في موقع الأوان بعنوان “ربما نحتاج إلى ديكارت” ووجدت من الضروري التعليق عليه نظراً لما فيه من قضايا تتطلب النقاش والحوار، حيث تبين لي وجود شيء من الانتقائية في مشروع الحداثة كما يطرحه في هذا المقال، خاصةً وأن مشروع الحداثة بعد تشكلّه التاريخي في أوربا لم يعد من الممكن إعادة اكتشافه بشكل انتقائي. وبالتالي صار لا بد من الانطلاق منه بصورة كلية، ولهذا كان هذا النقاش ضروريا من أجل الاستمرار في توضيح الأفكار وتبادلها وبناء مشروع الحداثة العربي، الذي هو بمشكلاته المطروحة سلباً وإيجاباً مشروع معاصر بامتياز، وبالتالي فإنّ إخفاقاته وتطوراته مسائل محايثة لوحدة العالم التي تترابط وتتشارط بشكل يحدد قيمة أي مشروع اجتماعي.
إن موجة اليقين العامة التي تُغلف المنطق العام للفكر العربي في لحظته الراهنة ليست وليدة لحظة الأمس، بما هي لحظة تغييب البعد الشكي والنقدي عن العقل والفكر، والتي لعب الغزالي دون أدنى شك دور الريادة فيها، ولكنها كانت لحظة الدين بامتياز بما هو إيديولوجية تلك القرون.

لحظتنا الراهنة المليئة باليقين الذي يماثل ولا يطابق اليقين الديني لها سبب مختلف، فهي لحظة التاريخ العالمي المليء باليأس وانعدام الآمال حيث لا آفاق سوى ما تصنعه دولة القوة، والذي يتغذى عدا عن مصالح تلك الدولة وشركاتها الرأسمالية العملاقة من أيديولوجيات الصراع بين الحضارات أو نهاية العالم في الرأسمالية. وبالتالي تسوية العالم المشاغب ( العالم مستوٍ كما يشير توماس فريدمان) ليصبح هو العالم الأمريكي بامتياز. إذن وفي هذه اللحظة التاريخية المصنوعة بفعل التدخل العولميّ السافر تُقرر الثقافات والسياسات والمجتمعات العربية وغيرها مستقبلها ضمن خانتين لا ثالث لهما، إما معه أو ضده. ولأن الأمر على هذا النحو فإن اليقين يأتي إمّا من زاوية الاندماج مع الدولة القوية وإما الخروج من التاريخ .

هذا المنطق هو منطق المصلحة بأسوأ أشكالها، وهو ما يشكل مصدرا ومرتكزا أساسيا لليقين الأعمى، عدا عن العمى الصادر من نقص المعرفة أو الجهل.

إن العقل العربي المُشكل سابقاً ضمن سياق تكراري يعيد إنتاج ذاته عبر تجديد العادات والتقاليد ودور العبادة والفكر الأصولي لا يلغي ما قلناه، بل إن الشرط الكوني الذي يلغي الأفق الحر هو الذي يعيد إنتاج تلك البنية الإيديولوجية المقدسة في العقل.

الشك كمنهج اجترحه ديكارت للوصول إلى اليقين كان أمراً تاريخياً بامتياز ولم يكن أمراً فردياً بالمطلق، وضرورة وجوده تلازم وجود الفكر والبشر كمسألة لا تحتمل تتابع الزمن بل هي خطوة في سياق حداثي كما أشرت. وبالتالي هناك مياه كثيرة أتت بعد ديكارت ولذلك لا يمكن الاكتفاء بديكارت، وإلا فإننا كمن يدعو إلى العودة إلى زمن ديكارت، بينما نحن نعيش في زمن المحافظين الجدد والأصوليات القاتلة. فهل هذا الأمر ممكن فكرياً وما فائدة ذلك؟

إن ما تحصّل بعد ديكارت هو جزء من تاريخ تقدمي ارتسم ولا يمكن العودة عنه وبالتالي كي يعود للشك أهميته لا بد من الاعتراف بما للعلم الطبيعي والاجتماعي من قوانين في فهم المجتمع والطبيعة وكذلك للفكر الديمقراطي العلماني بما هو التعبير الفكري عن الحداثة.

هذا الفهم يتضمن يقينا كبيرا، ولكنه ينبني على مجموعة ثورات حدثت وكان لها السبق التاريخي في إحداث التطور، كما حدث في أوربا ولذلك ليس بديكارت وحده يتطور التاريخ، ولا حتى بالنسبة لعقل المفكرين بل بكل التطور اللاحق. أي أن بناء رؤية جديدة لتاريخٍ مثقلٍ بالتخلف لا يمكن بدؤها من ديكارت من أجل تفكيك منهج الغزالي بل لا بد من البدء من حصيلة الثورات المعرفية من اجل إحداث تقدم عام.

عقلنا المفكر، “مثقفينا وقادتنا المفكرين” ليس وليد ذاته بل هو كذلك وليد لحظته التاريخية. وتجاوزه النسبي لشرطه الواقعي لا يلغي ارتباطه به، ولذلك ليس “بالعقل المفكر” يتحرك التاريخ بل بحركة البشر الصانعة للتاريخ ومنها فقط ينبعث العقل المفكر. وإذا صح ذلك فإن عقلنة التاريخ تبدأ من عقلنة حركته الاجتماعية. وهذه الأخيرة تتطلب مشروعاً تاريخياً يتجاوز بحجمه ما أعده التاريخ الأوربي من ثورات متلاحقة استطاعت أن تتجاوز التاريخ الوسيط. أي أن تاريخنا الحالي ليس من الممكن أن يتجاوز كل ارتباطاته بدون الاستغراب الكامل (التمحور داخل فكر الحداثة الأوربية واستيعابها ونقدها على أرضية شروط واقعنا العربي وفق ما يشير إليه الدكتور هشام غصيب) في ثورات أوربا وإحداث القطيعة المعرفية، والبدء التاريخي الجديد.

هذا غير ممكن في لحظة اليوم(لحظة الليبرالية الديمقراطية)، لذلك فإنّ قيم المواطنة والديموقراطية والعلمانية والاشتراكية هي القادرة على استيعاب شك ديكارت وتجاوز عقل الغزالي وفصل الدين ورجالات الدين وفتاواهم عن السياسة والدولة والاقتصاد والحريات الشخصية والجنسية والزواج وغيرها .

أخيراً ليس بديكارت وحده يمكن تجاوز الراهن. ومهما كانت لحظة الواقع فجة وسكونية ومسيطرا عليها، واستعصائية، ومهما أتحفنا مثقفونا بيقينيات دائمة وفائضة عن الحاجة لا تقل عن إيمانيات محيطنا الاجتماعي، فإن المستقبل لن يصاغ إلا بثورات معرفية واجتماعية وسياسية واقتصادية توعى في العقل وتتشخصن في الواقع وتغير الأخير والأول.

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق