“فاعلم أنك خيال في خيال” السرد وتخييل اللغة

ربما بات من المعروف أن تيارات ما بعد الحداثة في النصف الثاني من القرن العشرين، بمدارسها النقدية والفلسفية واللغوية المختلفة، خُلقت في إحدى مسبباتها كمحاولة للانقلاب على مناهج الحداثة، أو محاولة لتقويض التمثال الذي صنعه الحداثيون للعقل. فالأسباب الأساسية التي حدت بالحداثة، في بحر القرن العشرين، للانقلاب على ميتافيزيقية المجتمع الأوروبي وقدريته في القرن التاسع عشر حدت بحركات ما بعد الحداثة كذلك للانقلاب عليها، متوجهة إلى كل ما سبق أن اتهمت الحداثة بإهماله. بالتالي حاولت نبش الأسطورة وإحياء الثقافات الشعبية بمختلف تمظهراتها اللغوية والشفوية، من قص وأمثال وخرافة وما إلى ذلك، محاولة بذلك تقويض الاتجاه العلمي الذي ألّه العقل، وفقط العقل، في المدارس الحداثية عموماً، وبالتالي ألّه الثنائيات الضدية، وتنصّر للمطلق والمادية العلمية في مواجهة نسبية وتعدد الماورائيات، كما اتهمت تيارات ما بعد الحداثة تيارات الحداثة عموماً!

لا ريب أن مساجلات الحداثة وما بعد الحداثة ما زالت قائمة حتى اليوم، والاتهامات المتبادلة عرضة للتفكير وإعادة النظر، كما أن التقسيمات التي تخصهما معاً ما زالت ضبابية، لكن ما بات ملاحظاً أن الآداب عموماً، ومنها الرواية، راحت تنزع عنها ثوب العقلنة، أو لنقل ثوب الواقعية المباشرة، في الثلث الأخير من القرن العشرين، داخلة في أراض جديدة تترك الساحة للتخييل باعتباره نوعا من الممارسة الأدبية للخيال. ذلك أن الرواية كانت من أول الآداب التي راحت تشعر بالفراغ الروحي، بالنقص، وبالحاجة إلى الامتلاء بعد تقشف الحداثة المادي. وربما كانت السوريالية التعبير الأكثر وضوحاً عن تلك الانحرافة في تاريخ الكتابة الروائية وفي تاريخ الفنون عامة.

لكن لوثة التخييل المدهشة التي راحت تغيّر زاوية النظر النقدية إلى اللغة بدأت قبل ذلك بكثير، ذلك أن وليم بليك (1757-1827) الشاعر والرسام الإنكليزي حاول أن يؤسس قبلاً لفكرة الخيال، سابقاً مدارس ما بعد الحداثة بزمن بعيد، وذلك حين تحدّى العقل في عصر الفلاسفة العقلانيين، ومجّد الخيال في عصر العلم، أي في نهايات القرن الثامن عشر وبدايات التاسع عشر. كان بليك يقول إن للرحمة قلبا إنسانيا، وللشفقة وجها إنسانيا، والحب هو الشكل الإنساني الإلهي. ربما كان بليك هو أول من نظّر للخيال، أو للتخييل بمصطلحاتنا الأجدّ، على الرغم من أن غوته سبقه حين قال إن روحاً واحدة تسري في العالم.

يبدو الأمر بناء على ما سبق أشبه بمتوالية عبثية تكاد لا تخمد: عقلانية القرن الثامن عشر ولّدت روحانية القرن التاسع عشر، وهذه ولّدت بدورها عقلانية أشد في أوائل وأواسط القرن العشرين، مدعّمة بثورة مرعبة للعلم والمعلومات والتقنيات الإلكترونية، ليجنح القسم الأخير من القرن إلى الروحانية جنوحاً حاداً يتناسب مع قفزات العلم والمادية التي سبقته. اليوم تكاد فكرة الخلاص من التشيؤ تعمّ أرجاء العالم، وهلوسات المثالية كذلك، والتمرد على الماديات عن طريق إشاحة النظر ولو قليلاً عن العلم والعقل والاتجاه إلى الخيال، أو لنقل بجملة أكثر روحانية : حقن الحياة اليومية السطحية بنكهة ماورائية تدخل الدهشة و(العمق الروحي) إليها.

ربما كان كل ذلك جزءاً من السبب الذي حدا بالعالم إلى تلقف روايات الواقعية السحرية كمن يتلقف برشاماً مهدئاً بعد أن طغت روايات الحرب والعلم والإيديولوجيات الكبرى على متون روايات الخمسينيات والستينيات وحتى سبعينيات القرن العشرين. ربما كان تعطش الآداب لتلك الشحنة هو السبب في جعل رواية كالخيميائي، للكاتب البرازيلي باولو كويهلو، تغدو سفراً في العالم، على الرغم من أن كاتبها يرفض الفكرة القائلة بمثالية روايته. الأمر ذاته حدث مع روايات الشرق الأقصى كروايات اليابان بفلسفاتها الماورائية، وروايات الصين (غير الشعبية)، والروايات الأفريقية التي غيّبت لعقود طويلة.

الأمر ذاته حدث مع الرواية العربية رغم حداثة سنها مقارنة مع غيرها من الرواية العالمية. فأن يخرج روائي كالليبي ابراهيم الكوني ليكتب عن أساطير الصحراء وماورائيات الروح في عصر الرواية القومية واليسارية والعروبية و… أمر ليس سهلاً البتة. ومع أن القارئ العربي كان، وما زال إلى حد ما، ينتشي بالمقولات الإيديولوجية العربية وبمختلف تمظهراتها، فإنه تلقف الكوني وكأنه موجة منعشة في عزّ القيظ. ويبدو لي واضحاً أن الجيل الجديد من الروائيين العرب، إن صحت التسمية، راح يتملص من كل ما يقيّد التخييل في نصوصه السردية ويتنصر له فحسب خارج عقلانية القرن الماضي وجموده، كما راح ينزع رواياته من فخ المناشير والخطابات التي تجهض التخييل في مهده.

كل ما سبق جعل روايات الهامش غير المكتوب تتقافز على سلّم الرواية حتى تكاد تبلغ قمته، فبعد أن كان عصر العلم والعقلنة يؤله الأقوى طفقت (القراءة العالمية) تلتفت مع الزمن، وبشكل جليّ، إلى كتابات البلدان المهملة، وأقصد مهملة على صعيد الإنسان لا على الصعيد السياسي، كروايات أواسط وغرب آسيا : الهند وإيران وأفغانستان وتركيا، والروايات العربية كذلك، وتلتفت إلى روايات الأقليات والهامش الأثني والجنساني وما إلى ذلك، هذا الذي أدى إلى امتداد مدارس النقد النسوي الفرنسي والأنكلوساكسوني، وهي كما هو معروف من مدارس ما بعد الحداثة، لتسود مناطق العالم بأكمله.

هل من الممكن أن نتذكر الآن الشيخ الأكبر محي الدين ابن عربي؟ هو الذي سبق حركات ما بعد الحداثة تلك بمئات السنين حين قال في الفصل التاسع من فصوص الحكمة : “فاعلم أنك خيال، وجميع ما تدركه مما تقول فيه ليس إلا خيال. فالوجود كله خيال في خيال”.

على هدي هذه الجملة الدالة، تحاول الرواية اليوم أن تقود المتعامل معها باعتبارها سفراً للتخييل، أن تأخذ مكانها الحقيقي مبتعدة عن الزاوية الذي زجّها فيها عصر العقلنة الصرفة، وألا تبقى مجرد مناشير سياسية أو حكم اجتماعية أو عظات ودروس أو ميادين لتصفية الثأر والحسابات المختلفة. هذه الفكرة تبدو بكامل جلالها في كتاب يوسف سامي اليوسف المميز: الخيال والحرية[1]. يقول الكاتب إن الخيال، بما هو تذوّق للجمال، “ينهض بوظيفة حيوية، وهي صيانة النفس من الترمد بين الجامدات”. وفي مقارنة جميلة بين الصوفيين والروائيين يصل إلى أن روحاً واحدة تجمعهم، ومن صفاتها: “فقه النفس ومعرفة خفاياها. التذوق الناضج العارف والمرهف. تذوق اللغة. والاستسرار”. وهذه المشتركة الأخيرة الجميلة تكثّف كامل الفكرة باعتبار أن إيمان الصوفيين الأساسي يكمن في البحث عن سرّ العالم، وذلك عبر الغوص في أعماقه ابتغاء البلوغ إلى فحواه، كما هو إيمان الروائيين أن اللغة سرّ عليهم الغوص في دواخلها واستنباط خفاياها وتفكيك إشاراتها الغامضة.

لكن عصر الشاشات والصورة السمعية البصرية راحت تجعل الخيال والتخييل الفني قطعاً نادراً في سوق التلقي، خصوصاً أنها تعمل على صنع الخيال وتصديره فحسب إلى عقل المشاهد، في حين تغدو الرواية مقارنة بها وسيلة تحفيزية للخيال النائم، وسيلة متعبة مجهدة لخيال اعتاد السبات.

ولا بد أن يتساءل البعض : وهل تكون الرواية مجرد خيال؟! وماذا عن الرواية التاريخية مثلاً؟

باعتقادي أن الحديث عن وقائع أو أحداث تاريخية أمر ممكن باعتبار أنّ الأحداث حدثت ودونت في كتب التاريخ. لكن الحديث عما حصل فعلاً، عن حقيقة ما حصل فعلاً، أمر محال في الحقيقة، ذلك أن كل منتصر يدوّن بناء على مصلحته في النهاية، ولا أحد يمتلك الحقيقة التي تبدو كقطعة حلوى قسّمت إلى عشرات الأجزاء ويعتقد كل من يملك جزءاً منها أنه امتلك الحقيقة كاملها أو يدّعي ذلك. ولن يتنطح إلى هذه المهمة المستحيلة سوى الرواية باعتبارها نبشا لكل ما هو مستور، أو إعادة تدوين للحياة، هي التاريخ/ التخييل لما حدث أو سيحدث.

هذه الفكرة يقولها بودريا حين يرى أن فقدان وسائل التمييز بين الواقع ونظائره المتخيلة يفضي إلى اعتبار الحدث بمثابه اللاحدث[2]. وأعتقد أن هذا ما تعنى به الرواية. فمن سيعرف حقيقة ما كان يعتمل في قلب أبي عبد الله الصغير وهو أمام أسوار غرناطة على سفح جبل الريحان في يوم من محرم سنة 897 هـ؟ لكن أبا عبد الله الصغير نفسه قد يكون شخصية روائية غاية في العمق والـ (حقيقية) في رواية! والأمر حدث فعلاً في رواية أنطونيو غالا : المخطوط القرمزي. هنا في السرد التخييلي، الذي هو الرواية، لا يغدو مهماً البتة ما حدث فعلاً لأن لا أحد يعرفه، كما قلت آنفاً، المهم هو الشخصية باعتبارها شخصية روائية، وما التاريخ هنا إلا مجرد إكسسوار للغة لا غير.

نهاية القول إن السرد التخييلي أكثر عمقاً بكثير من التاريخي، أكثر حقيقية وأكثر تفرداً، ولا أعتقد أن هناك من يهتم بحقيقة ما فعله حسن الصباح حين قرأ رواية ألموت لفلاديمير بارتول، ولا إن كانت فرجينيا وولف قد فكرت في ما فكرت فيه شخصيتها الروائية في رواية مايكل باكنغهام: الساعات. إنه التخييل، الممارسة المستعرة للخيال في اللغة، والخيال، كما قال شيخنا الأكبر، لا يكون فاسداً قط.. ولا ينسب إليه الخطأ.

[1] الخيال والحرية، يوسف سامي اليوسف، دار كنعان، دمشق 2001

[2]- انشغلت الناقدة يمنى العيد في كتابها الأخير: “في مفاهيم النقد وحركة الثقافة العربية”، بمسألة العلاقة بين المتخيل والمرجعي، خاصة المرجع الحي. وهي لم تعمل على تفكيك هذه العلاقة المعقدة باعتبار مبدإ وجودها أو عدمه بل باعتبار كيفية تمثّل هذه العلاقة في دينامية الشكل وكيفية القول.

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق