لسن عاريات.. أنت تظنّ ذلك

توحي لوحات رينوار عن المستحمات بأن متلصصاً ما قد استطاع ضبطهن وهنّ عاريات، وأننا بدورنا نستطيع استعارة عينيه والتحديق بهنّ كما نشاء، مع افتراض أنهنّ غير عارفات بوضعهن تحت المراقبة. وهذا الافتراض يبدو ضرورياً لنقتنع بعدم وجود فرصة لديهن لإخفاء ما يردن إخفاءه، أي لنقتنع بأنهن مكشوفات تماماً. يحتلّ الجسد هنا المكان الجدير به، أي مقدمة اللوحة، ولا يحتاج رينوار إلى إضافة طفل أو ملاك بجناحين إليها، على غرار بعض فناني عصر النهضة، فهو لا يريد إثبات “براءة” العري، بل يريده مفتوحاً على احتمالاته كلها. المجموع أيضاً يساعد على تعدد الاحتمالات، حيث يأخذ كل جسد وضعيته الخاصة، بالإضافة إلى الحقل الإيروتيكي الذي يتولد من التماس المتوقَّع بين الأجساد. إذن إن قسماً من الإثارة يأتي من الحركة المتوقعة التي تضمرها اللوحة، وتكملها المخيلة “على الأغلب هي المخيلة الذكورية”. ثمة رهانان هنا : الصورة إذ تراهن على المخيلة، والمخيلة إذ تنتظر من الصورة إشارة البدء. وهذان الرهانان يقتضيان غموض الصورة، وغموض المخيلة : “لنلاحظ أن الجذر اللغوي للغموض والإغماض واحد وهو مضادّ للرؤية”.

تنتفي فكرة التلصص نسبياً مع عاريات موديلياني، فهنّ يغمضن أعينهن، أو يفتحهن، مع الإيحاء بأن عريهن متاح أمام النظر. وربما لهذا تظهر الخطوط أكثر قوة، وأقلّ استدارة، ما دام الجسد برمته يأخذ زمام المبادرة، ويقتحم مجال الرؤية. قد يساند الجسد الأنثوي المبادر الرأيَ الشائع عن أن موديلياني لم يرسم سوى نفسه، وأن نساء موديلياني هنّ موديلياني مؤنثاً، هذا للوهلة الأولى، لكن لحظة الكشف الأولى تنجلي عن مكر الجسد وهو يستدرجنا إلى البحث عما هو مخبوء، إذ لا يعقل أن يكون الجسد واضحاً وجريئاً وليس لديه ما يخفيه. على الأقل لا تركن المخيلة إلى ما هو مكشوف. وما كان محتجباً تحت الثياب، أو وراء حاجز، أصبح الآن بمثابة غموض مرئيّ، ولهذا فهو أدعى إلى الشكّ، وتقليب النظر بحثاً عن وضوح يظلّ عزيز المنال. ومن هنا تبقى فكرة التلصص أعمق من أن يشبعها العري، كما أن العري نفسه يعجز عن أن يكون عرياً بالمعنى المطلوب.

لا شكّ في أن حجم ما يظهر وما يحتجب من الجسد رهن بالثقافة وبالظرفي، فلباس البحر يختلف بطبيعته عن اللباس الشتوي، والساري الهندي يختلف عن الشادور الأفغاني، وثمة حالات قصوى مثل شواطىء العراة. ومع هذا لا تبدو مسألة العري قد وجدت لها حلاً، وربما كان السؤال المقابل هو عمّا إذا كان يجب أن تجد لها حلاً. على العموم لم تكفّ الثقافة السائدة عن الانشغال بالجسد، وقد صرفت جزءاً كبيراً من اهتمامها إلى السيطرة عليه، ونخصّ هنا الجسد الأنثوي، إذ لطالما اختُزل جسد الرجل إلى محض قوة عضلية. على هذا يظهر الرجل شبه عارٍ لأن ليس لديه ما يخفيه، أو لديه القليل مما يخفيه. النموذج الجسدي للرجل هو البطل، وهو نموذج تنبع غوايته من قدرته على الفوز وعلى توفير الحماية للآخرين “النساء على وجه خاص”، أي يتم تقييم جسد الرجل وفق معركة متوقَعة، لا وفق ما يقتضيه التواصل البدني الطبيعي. من هنا، وبخلاف الرسوم والمنحوتات التي جسدت الملاحم والأساطير، يتضاءل حضور جسد الرجل، ويتم التركيز غالباً على الوجه بعدّه مرآة للتفكير والمساحات التعبيرية المرتبطة به. الرجل على هذا النحو إما مهموم “مفكِّر” أو مقاتل، وليست الغواية من شأنه، ما دامت الغواية موجّهة له. والرجل، وفق هذا المعيار، صاحب المخيلة، أما المرأة فلا تحتاج إلى مخيلة تبعث فيها الإثارة، ما دامت هي مطرح الإثارة وموضوع المخيلة.

ذهبت الثقافة السائدة إلى التقليل من شأن التفاعل البدني باطراد، واستلزم هذا إقصاء للجسد على مستويين، فأولاً تم إقصاء جسد الذكر ككل عن الحقل الجنسي فاختُزل جنسياً بالقضيب، وثانياً تم تكريس جسد الأنثى بأكمله كحقل جنسي فتطلّب حجبه ومحاربته. وسنرى وسط هذين المستويين بوناً شاسعاً من الكبت والحرمان، يبدأ بتغريب الذكر عن جسده، ومن ثم عن جسد المرأة، مروراً بتكبيل جسد المرأة ووضعه في نطاق الإثم. وسنرى أيضاً مخاتلة الحجاب، إذ يستر ما هو مرغوب فيه، فلا يؤدي إلا إلى تسلط الرغبة وفقدان الإحساس بالإشباع، إن تيسر ذلك. وكانت المفارقة دائماً في أن المرأة بقدر ما هي مغيَّبة عن المجال العام، وبمقدار ما يكون جسدها مغيَّباً، فإن غيابها يحفر في الثقافة الذكورية ويؤدي إلى تعميق فصاماتها. من ناحية أخرى تبقى فكرة الحجاب مهيمنة، ولا يتولد الاقتناع بانكشاف الجسد الأنثوي حتى في حال كون هذا الجسد عارياً، فالشغف المتوارَث عمل على توليد حقول دلالية تنفي عنه الوضوح. لقد أصاب التنميط جسد الرجل مثلما أصاب جسد المرأة، لكن الأخير غادر مجاله الفيزيولوجي إلى ما تخلقه المجازات، وبقدر ما أصبح أكثر فنّية فقد ازداد حسّية، ولم يعد يأخذ فاعليته الجنسية من ذاته، بل أصبح يستجلب هذه الفاعلية من الصورة المتخيَّلة عنه.

بتعبير آخر تحوّل جسد الأنثى إلى منتَج ثقافي، أي غدا مستقلاً عن الواقع. وبقدر ما تحرر الاستقلالية الفن من إملاءات الواقع، حسب بيير بورديو، فأنه لا يستطيع التجرّد مطلقاً عنه، وعلى الأخص فإنه يستقلّ كحقل ثقافي له فضاؤه المنظّم من الاحتمالات. وهذه الفكرة جوهرية لفهم الطريقة التي تناولت بها النساء جسد المرأة، فقد عدّت الحركات النسوية، بدءًا من سبعينيات القرن الماضي، الجسد كمدماك أساسي في المعركة الإيديولوجية ضد الثقافة الذكورية، وتمّ الاشتغال بدايةً على تحرير الجسد من القيم الجمالية المصنّعة ذكورياً، وهكذا حاولت الحركة النسوية الانقلاب على المفاهيم، ولكن من ضمن الاحتمالات المضادّة في الحقل الثقافي ذاته. ويمكن لنا أن نضع في هذا الإطار الأعمال الطليعية لإليانور أنتين وجودي شيكاغو، اللتين اشتغلتا على تمثيلات جديدة لجسد الأنثى، وكان الجانب الأكبر من أعمالهما شخصياً جداً و”مسيَّساً”، كما كان أحد التأثيرات الرئيسية لهذه الصور هو إثارة شعور بالقرف لدى الجمهور. وربما تكون النقلة الأهم هي التي بدأت في ثمانينيات القرن الماضي، مع أعمال سيندي شيرمان وأولان وجيني سافيل، حيث قُدّم الجسد بسياقين متضافرين: الأول هو خلق الأنوثة الظاهرة، والثاني هو النقد الذاتي لتمظهرات الأنوثة.

رغم أهمية ما تقوله النساء عن أجسادهن، والإشارة إلى “النقاط البرّيّة” المهمَلة فيها، وحتى إعادة “الشوائب” و”القبح” إليها، فإنّ “فنّ النساء” لم يُقيّض له بعد أن يكرّس نظرة جديدة، ومردّ ذلك إلى هامشيته حتى الآن، بالإضافة إلى التساؤل الملحّ عمّا إذا كان ممكناً إسباغ تعبير بصري مستقلّ عن التجربة الأنثوية، آخذين في الاعتبار السياق البطريركي الذي تتكون فيه الرغبة والتجربة الأنثوية. إن اقتراح أنطولوجيا جديدة ومغايرة للجسد يظلّ مشروعاً شائكاً، حتى مع المحاولات المذكورة آنفاً، فالحركات النسوية بكلّ إشكالياتها ظلّت أسيرة النخب، ولم تنجز النقلة المرجوة من الإطار الثقافي الضيق إلى الإطار الثقافي الاجتماعي العريض. ومن جهة أخرى ما تزال الثقافة البطريركية تراكم في رؤيتها للجسد، وهي تزداد رسوخاً على محورين متساندين، فثمة أولاً الحقل الفني الذي يخاتل بتحويل الجسد إلى محض دلالات. وتالياً الحقل الثقافي الاجتماعي العام الذي يستثمر المنجز السابق في صناعة رأسمال جسدي، مستفيداً من الإرث الرمزي لهذه “السلعة”. إن رحلة الجسد من ذاته إلى صورته لا تبدو قابلة للنكوص، لذا فالرهان الحالي هو على أنطولوجيا تقبل التعدد، وتقرّ بالخبرة الشخصية. أي أن الصراع غير المتكافىء يدور بين نظرة للجسد امبريالية بطبيعتها، ونظرة أخرى منافية لها من حيث أنها لا تسعى إلى أن تكون معممة

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق