الحداثة مشروع [تنويري] لم يكتمل

كتب الفيلسوف الألماني يورغان هابرماس بأن الحداثة هي مشروع لم يكتمل. وجاء هذا في سياق الجدل الفكري الساخن الدائر في أوروبا وأمريكا حول الحداثة وما بعد الحداثة. وهذا جدل يبدو راهنا وكأنه يتوجه شيئا فشيئا نحو إقرار نوع من الاستقطاب الذي يتواجه ضمنه معسكران (إذا جاز لنا أن نستعمل هذا اللفظ الحربي) :

–معسكر الحداثيين وما بعد الحداثيين.

–معسكر من يمكن نعتهم بدعاة التنوير الجديد.

وبالطبع، فالتواجه (أو المواجهة) هنا لا يصل إلى حد التناقض الجذري والتناحري. فلا أحد في المعسكرين ينكر –مثلا- إيجابية التقدم التاريخي العام الحاصل ويدعو إلى نوع من الردة البدئية والسلفية في هذا الصدد. فهذا غير وارد. ولكن جوهر الخلاف (لأن ثمة خلاف) هو في تقويم سياق ومآل هذا التقدم. بل إن فكرة التقدم نفسها هي موضع خلاف حاد وعميق. وهنا تأخذ أطروحة هابرماس المذكورة أعلاه كل مدلولها الدقيق والعميق.

فالحداثة –كما هو معروف- مشروع فكري وسياسي واقتصادي واجتماعي انخرطت فيه المجتمعات الأوروبية تحديدا انطلاقا من القرن الخامس عشر (النهضة أو الرونيسانس) والقرن السادس عشر (الإصلاح الديني) والقرن السابع عشر (قرن العقلانية والتجريبية و الكشوفات والنظريات العلمية الحاسمة). والقرن الثامن عشر -الذي ينعته عادة مؤرخو الفكر بقرن التنوير- هو القرن الذي تبلورت فيه الحداثة اصطلاحا ومفهوما ومضمونا (صدور كتاب فنومنولوجيا الروح للفيلسوف الألماني هيجل؛ تأصيل الحساسية الفنية الجديدة مع الشاعر الفرنسي بودلير…). والسؤال اللازم طرحه في هذا الصدد هو : ما هي علاقة التنوير بالحداثة؟ هل التنوير هو مجرد “مرحلة” من مراحل الحداثة تم تجاوزها إلى مرحلة أرقى هي مرحلة الحداثة ذاتها ثم مرحلة ما بعد الحداثة؟

للفيلسوف هابرماس صاحب أطروحة “الحداثة مشروع لم يكتمل” كتاب هام بعنوان الخطاب الفلسفي للحداثة يرصد فيه –بالتحليل والنقد- بروز وتطور وتحول “فكر” الحداثة منذ عصر كانط وهيجل إلى عصر ديريدا وباطاي وفوكو مرورا بنيتشه وهوركهايمر وأدورنو وهيدغر، ليخلص إلى ما يدعوه في إطار فلسفته الخاصة ب”العقل التواصلي” أو “المضمون المعياري للحداثة”. وليس هنا مقام عرض نتائج هابرماس الدقيقة والحاسمة في هذا الصدد، ولكن نشير وحسب إلى أن المنظور الفكري العام الذي يؤصل لهذه النتائج ينعته هابرماس ب”عقلنة الحداثة وتحديث العقلانية”.

وهذا ما يمكن اعتباره يمثل مضمون بل جوهر ما دعوناه بالتنوير الجديد.

فمن جهة، ليس التنوير مجرد مرحلة في مسار تحديث العقل الأوروبي خاصة والفكر الإنساني عامة، إلى حد اختزاله، مثلا، في مجرد فلسفة الأنوار الموسوم بها القرن الثامن عشر في فرنسا. ففلسفة الأنوار (فولتير، ديدرو،روسو…) ليست إلا أحد تجليات فكر التنوير الذي سطعت شمسه على مجتمعات أوروبا الرائدة في القرن الثامن عشر (التنوير الإنكليزي أو enlightenment، التنوير الألماني أو aufklarung…)، وبالتالي، يجوز تماما الحديث هنا عن مجالات متنوعة لتبلور فكر التنوير وليس عن تنوير وحيد وواحد نماهيه ونطابقه بهذه الحقبة المحددة من تاريخ أوروبا خاصة وتاريخ الإنسانية عامة.

ومن جهة أخرى، فالتنوير لم ينته بحلول زمن الحداثة (يذهب بعض مؤرخي الفكر إلى حد إقرار تواريخ زمنية محددة في هذا الصدد!)، بل إن أفكار التنوير الأساسية –ممثلة في الحرية والعقلانية والتقدم- استمرت مكوِّنة ما يمكن اعتباره قاعدة الفكر الأوروبي الحديث وبنيته الأساس. وبالطبع، ثار نقاش حاد وصاخب وعنيف منذ نهاية القرن الثامن عشر، وعلى امتداد القرن التاسع عشر، ولاحقا…وكان محوره تحديدا أفكار الحرية والعقلانية والتقدم. وكان حامل “مطرقة” الهدم في هذا الصدد-بامتياز- الفيلسوف نيتشه قبل أن يتسلمه منه -باقتدار- هيدغر صاحب كتاب الوجود والزمن.وساعدت ظروف العالم السياسية والاقتصادية الرهيبة (الاستعمار، فظائع الفاشية والنازية…) في تثبيت نظرة “عدمية” شاعت وهيمنت تحت مسميات شتى أبرزها-خاصة- فلسفات ما بعد الحداثة المعادية لفكر التنوير الأصلي جهارا.

وهنا لابد من التدقيق والتوضيح حتى لا يساء فهمنا : إن أعمال ج.ف.ليوتار (صاحب ما يمكن اعتباره “بيان ما بعد الحداثة”) وميشيل فوكو وجاك دريدا وغيرهم من الفلاسفة الحداثيين وما بعد الحداثيين تتضمن تحليلات نافذة وانتقادات عميقة لمسار الفكر الأوروبي، باعتبار “مركزيته الذاتية” و”الأوهام” و”الأساطير” الفكرية والإيديولوجية المتولدة عنها، ولكن النقد الجذري والمشروع لهذا الفكر (ولنسمه نقدا أركيولوجيا أو تفكيكيا أو غيره) لا ينبغي –حسب التعبير الفرنسي- أن ينتج عنه رمي الوليد مع ماء الغسيل! فالحرية كما نظَّر لها فلاسفة التنوير الكبار مثل لوك الإنكليزي وروسو الفرنسي وكانط الألماني قد تناقش بل وتنتقد، لكن هذا إنما يتم باسم مبدأ الحرية ذاته. وكذلك انتقاد العقل والعقلانية (إذا جاز أن هناك ما يبرر انتقادهما) إنما يتم بأداة العقل ذاتها! ولا بديل عن فكرة التقدم إلا الرجعية والمحافظة الجديدة.

وعليه،فالدعوة إلى “تجاوز” فكر التنوير، بله “القطيعة” معه- باسم الحداثة وما بعد الحداثة- هو استبطان- بوعي أو بدون وعي- لاستبداد ومحافظة جديدتين يؤطرهما “فكر” عدمي مغلَّف ببهرج الحداثة وما بعد الحداثة… وهذا ما يعارضه فكر تنويري جديد ناهض في أوروبا وأمريكا تلخصه أطروحة هابرماس “الحداثة مشروع لم يكتمل” والتي حورناها قليلا لتصير : الحداثة مشروع [تنويري] لم يكتمل.

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق