حديقة الجنوب في شمال أفغانستان (1/2)

كانت السيارة البيضاء الضخمة التويوتا اللاند كروزر تتقدم مثل حصان بري يجري ترويضه في شريط سينمائي بطيء من أفلام الغرب الأمريكي. تتلوى السيارة وترتفع مقدمتها عبر المدقات والحواري الضيقة لسوق بلدة فايزاباد ثم تنخفض مرة أخرى. وبينما ارتفعت مقدمة السيارة من حفرة تعجز عن التعامل معها سيارات البشر العادية، شاهدت شخصية “كينى” وبقية أبطال مسلسل ساوث بارك (أي حديقة الجنوب باللغة العربية) للرسوم المتحركة ينظرون إلى من على صدر فانلة معلقة على عمود حديدي يمتد أعلى الطريق من أحد المحال.

أعتقد أنني كنت الوحيد في السيارة، وربما في السوق كله إن لم يكن في تلك المنطقة النائية كلها من أفغانستان، الذي واتاه الشعور باغترابه عن المكان، والفضل في هذا لعشرات الحلقات المذهلة فكاهة والتى شاهدتها من هذا العمل الفني العبقري أثناء إقامتي في واشنطن العاصمة طوال أربع سنوات سابقة على سفري إلى أفغانستان.

لمعظم سكان فايز اباد، لا بد أن كيني المختفي دائما تحت غطاء رأس بني اللون والذي يلقى مصرعه في نهاية كل حلقة بشكل مأساوي ساخر، يمثل هو ورفاقه ما كانت شخصيات المجلات المصورة منذ أكثر من عشرين سنة تمثل بالنسبة إلي في مدينة المنصورة في دلتا مصر وأنا أبحث في كوم من عشرات المجلات القديمة عن أعداد معينة من مجلتي المفضلة تان تان في محل صغير للغاية في شارع محمد فتحي. شخصيات كارتونية تأتى من ثقافة مختلفة ومغايرة لا أعرفها ولا أعرف لغتها ولكنى أحب أنتاجها النهائي ممثلا في المجلة التي كنت أشتريها كل يوم سبت مترجمة إلى العربية.

وحديقة الجنوب (ساوث بارك بالانجليزية) في كل حلقاته وفي الفيلم الذي ظهر بنفس الاسم يسخر دون هوادة من العادات والتقاليد الأمريكية وخاصة في منطقة وسط الغرب. الأبطال الأربعة وهم أطفال يسخرون في مواقف مضحكة في سوداويتها من المؤسسة الدينية والسياسية والثقافية الأمريكية ومن النظام الدولي (يظهر صدام حسين في الفيلم وهو في الجحيم بينما جورج بوش يسعى إلى قتال السماء من أجل تدمير ترسانة أسلحة الدمار الشامل التي أخذها صدام حسين معه إلى الجحيم!!). ويستخدم كينى ورفاقه الثلاثة لغة تتخاجل منها الطبقة الوسطى في الولايات المتحدة وغيرها، مما يعجز التلفزيون الأمريكي المفتوح عن بثه، ولذا تذاع الحلقات على قناة متاحة على الكابل للمشتركين فقط.

وعندما رأيت صور كينى ورفاقه في سوق فايز أباد، فكرت في الكاتب الصحفي الأمريكي توماس فريدمان وأنه لو كان مكاني لأسهب في وصف آثار العولمة الممتدة حتى آخر أصقاع الأرض (وفايز اباد يا سادتى صقيع حقيقي منعزل حتى إن الجبال القريبة منها تدعى بامير، وهو ما يعنى “سقف العالم”). فريدمان سيقول في الأغلب أن فانلات شخصيات المسلسل الأمريكي إذا انتشرت من فايز اباد حيث كان التحالف الشمالى للطاجيك الأفغان ساعتها مسيطرا (قمت بزيارتي الأولى قبل انهيار نظام الطالبان في وجه الغزو الأمريكي) إلى قندهار حيث كان معقل ومنشأ الطالبان، فهذا يعني أن هؤلاء المتشددين الباشتون المسلمين من الطالبان الشبان لن يواصلوا حربهم الدموية ضد الطاجيك. ألم يقل فريدمان أنه لا توجد دولتان بهما فروع لمطاعم ماكدونالد يمكن أن تتقاتلا لأن وجود هذه السلسلة من المطاعم في البلدين إشارة إلى التقارب الفكري والاقتصادي والاجتماعي الذي تنتفي معه أسباب الحرب؟ وقررت أنني في زيارتى المقبلة لقندهار سأبحث جيدا عن فانلات ساوث بارك! وإذا وجدتها سأثبت خطأ فريدمان!! إلا إذا احتج علي بأن نظريته تنطبق فقط على البلدان وليس على الحروب الأهلية داخل كل بلد!

على جانبى الشارع الضيق في وسط سوق فايز أباد تتراص المحال وأمامها لفائف مرتفعة من الأقمشة، وحلي فضية تركمانية خلف ألواح زجاجية، في فتارين بدائية من الخشب والزجاج، وطاولات خشبية مترنحة تحمل طماطم وخيارا وخضروات أخرى متغضنة في أغلبها. وتتدلى أمام معظم محال البقالة شرائط خضراء طويلة من البلاستيك يقتطع البائع قسما منها كلما عن لزبون أن يشترى هذا الشيء. اقتربت منه، يا سلام، أنه شريط من شامبو صن سيلك مقسم إلى عبوات صغيرة يمكن فصل بعضها عن بعض. العولمة بخير رغم سعير القتال في أفغانستان ساعتها!

ذبائح الضأن معلقة من مخاطيف حديدية عند الجزارين وعدد من الباعة الجائلين وكثير منهم أطفال يحملون صناديق لمسح الأحذية القليلة المتوفرة ويبيعون السجائر والمناديل الورقية. وأخيرا السادة الصرافون وأمامهم أكوام هائلة مرتفعة في انضباط لملايين الملايين من العملة المحلية (وتدعى الأفغاني).

ويمكن أن يذهب المرء إلى فايز اباد برا من كابول في طريق يستغرق عددا من الساعات، يتوقف على وجود المواجهات الحربية المتنقلة وعلى سقوط الجليد الذي يمنع المرور في طريق دون آخر، وعلى كون النفق الموجود شمال كابول مفتوحا أم مغلقا. ولكن يمكن الذهاب أيضا بالطائرة التي ستهبط بك في مطار فايز أباد.

ممر الطائرات في فايز اباد مصنوع من ألواح حديدية متصل بعضها ببعض بصواميل (نصفها مفقود أو ربما باعه واشتراه تجار الخردة). وبالتالي، بمجرد أن تلمس الطائرة هذا السطح المجعد تبدأ الاهتزاز بعنف إلى أعلى وأسفل ويمنة ويسرة ويزعق الممر المعدني الأخضر بصوت يصم الآذان (والخضرة من لون الأعشاب البرية المنتشرة من قلب ثقوب الصواميل المختفية). ويستحيل الهبوط في الشتاء إذا تساقطت الثلوج بغزارة، إذ يصبح الممر المعدني زلقا بصورة تحول الاهتزاز إلى انزلاق وهو ما لا تحمد عقباه. بالطبع يبدأ الممر وينتهي بنفس الجبل الملتف حول المطار.

أمام مباني المطار الخالية كان هناك النصف الأمامي من طائرة عسكرية روسية ومروحتها تلف ببطء مع الريح، بقايا سيارات عسكرية مدرعة تتناثر على الجانب الآخر من الممر وقريب منها كان بعض الأوزبك الآفغان المزارعين يدرسون القمح بالضبط كما كانوا يفعلون في قريتي في الشرقية قبل أن تظهر ماكينة الدريس. وهناك أربع مجموعات عرقية رئيسية في أفغانستان : باشتون وطاجيك وأوزبك وتركمان.

وبينما كانت طائرتنا الصغيرة تدرج على الممر، كان راعى أغنام صغير يعدو على بعد أمتار ليست بالكثيرة من الطائرة ويلوّح بعصاه القصيرة لنا وهو يضحك.

كنت لا شك أكثر سعادة منه لكوننا هبطنا أخيرا بعد أن تأرجحت الطائرة في آخر ثلاثين دقيقة قبل الهبوط فوق واد ضيق بين قمم سلاسل جبلية، حتى وصلنا لنهاية الوادي ونظرت أمامي والطائرة تتجه إلى حائط اسود هائل هو نهاية الوادى، أمسكت بذراعي المقعد وأنا في حالة ذهول : ما الذي يفعله الطيار اللعين؟ وقبل عشرات الأمتار من الحائط الجبلي الصلد والطائرة مستمرة في الهبوط، انحرف الطيار يسارا بصورة قذفت ببقايا الطعام في معدتى من جانب إلى آخر لنرى أمامنا فجأة بداية ممر الهبوط الحديدي الأخضر.

التفت الطيار الدنمركى الأشقر ومنحنا إحدى ابتساماته الطفولية قائلا : “مرحبا بكم في فايز اباد” وهو يدلى الدرجات الثلاثة من قلب الطائرة إلى أرض الممر لنندفع خارجين، ونحن سعداء بأننا على قيد الحياة.

إلى جنوب ممر الطائرات تساندت ثلاثة مبان آيلة للسقوط من دور واحد بعضها على بعض، إنه مبنى المطار. لا سور. قطيع خرفان كان يرعى قرب الممر. لم يكن هناك موظفون في مبنى المطار لختم جوازاتنا. لم تكن هناك مكاتب في الحقيقة. لم يكن المرء يحتاج إلى تأشيرة ليطير من إسلام اباد في باكستان إلى فايز اباد، كل ما يحتاج إليه قليل من الشجاعة وربما وظيفة مثل وظيفتي في إحدى منظمات الغغاثة الدولية تتطلب منه الذهاب إلى هناك. ليس هناك في الحقيقة دافع آخر للذهاب إلى سقف العالم في عز الشتاء والبرد (أو حتى والدنيا ربيع والجو بديع على رأي صلاح جاهين). إذا كانت هناك حرب أهلية مستعرة وكانت فايز أباد هى آخر منطقة في أقصى بقعة من البلاد لم يسيطر عليها الطالبان بعد. شمالها تقع طاجيكستان الفقيرة الخارجة هى الأخرى من حرب أهلية، كان لبعض أطرافها صبغة إسلامية، وشرقها إقليم صينى ذو أغلبية مسلمة وجنوبها وادى بانجشير الأفغانى.

وفايز اباد هى عاصمة إقليم باداخشان، الإقليم البديع الجبال والمناظر والنهيرات، بيد أنها طبيعة قارسة وصارمة ليس فيها ما قد تحصل عليه في جبال الآلب الأوروبية إذا ذهبت للتزلج (وأنا لا أتزلج في الحقيقة ولكني شاهدت هذه القمم البديعة من نافذة الطائرة مرات عديدة). نصف مليون شخص يعيشون هناك. ويضم الإقليم لسان أو ممر واخان الشهير الذي وضعه الإنجليز والروس داخل الأراضى الأفغانية عندما قسموا الحدود في آسيا الوسطى في عامي 1895 و 1896 لسبب بسيط: خلق حاجز جغرافي بين مناطق سيطرة بريطانيا من ناحية، (خاصة في الهند ساعتها)، وبين مناطق السيطرة الروسية. ومثلما كان العالم في القرن العشرين ملعب كرة قدم لفريقى الحرب الباردة من واشنطن وموسكو، كانت أفغانستان قلب مباراة الاستعمار في آسيا بين الدب الروسي والعرش الإنجليزي.

ولكن لا أحد يسيطر الآن على بلدة فايزاباد، رغم أن ساعة زيارتى كان برهان الدين ربانى البالغ من العمر آنذاك ستين عاما ما زال يتمسك بلقب رئيس أفغانستان، وهو المنصب الذي شغله قليلا قبل أن تقتحم فلول الطالبان كابول في عام 1996. وكان التحدي الماثل أمام ربانى كل يوم هو السيطرة على أمراء الحرب الذين تتوزع مناطق نفوذهم على المقاطعات والقرى الجبلية المتناثرة.

ولم أتمكن من لقاء السيد ربانى الحاصل على درجة ماجستير في الدراسات الإسلامية من جامعة الأزهر في الستينات. ولكنى رأيت منزله المؤلف من طابقين رماديين ببلكونات خضراء يرتفع قليلا في وسط البلد خلف السوق.

لأفغانستان تاريخ طويل من الحروب، الأهلية والخارجية، منها حربان مع بريطانيا العظمى في القرن التاسع عشر (1800-1899)، ثم تغلغل للنفوذ السوفيتى في الثمانينات من القرن العشرين انتهى بغزو شامل عام 1979. وبدلا من حقل صراع جامد بين البريطانيين والروس في القرن التاسع عشر، صارت أفغانستان آخر ميادين مواجهة الحرب الباردة والحروب بالوكالة بين الولايات المتحدة والاتحاد السوفيتى في أواخر القرن العشرين. وتولى الوكالة الأمريكية في الحرب عدة فرق من المجاهدين الأفغان (لا شك أن ربما معظمهم كانوا صادقى النية في دحر محتل غاشم ودفاعا عن أرضهم وعرضهم ودينهم، ولكن مصالحهم التقت مع مصالح واشنطن وإسلام أباد فسلحتهم الأولى بشراهة ومنحتهم الثانية أراض للتدريب ومدربين وتغاضت عن تجارة المخدرات المتنامية والضخمة).

ما زلت أتذكر إعلانات في شوارع القاهرة في الثمانينات تعلن في بنط ضخم “ادفع جنيها .. تنقذ مسلما.” الولايات المتحدة والسعودية دفعت كلاهما مئات الملايين من الدولارات في عدة سنوات حتى انسحب السوفييت تحت وطأة خسائرهم، وللتغير الاستراتيجى الذي أحدثه ميخائيل جورباتشوف الرئيس السوفيتى (الأخير)، وهو التغير الذي بدأ بسياسة المصارحة والمكاشفة، مرورا بالانسحاب من أفغانستان، ثم تفكك الاتحاد السوفيتى نفسه، وفورة الحروب الأهلية فيما كان يشكل جمهورياته وأقاليمه المختلفة التى ما زال بعضها يعانى من آثارها.

ولكن الانسحاب السوفيتى كان نهاية لمرحلة في الحرب الأفغانية وليس الحرب نفسها، إذ راح كل طرف من الأحزاب الجهادية يؤكد أنه أحق بحكم أفغانستان من غيره، ووصل النزاع إلى حد الاقتتال الذي راح ضحيته عشرات الآلاف من الأفغان. واعتقد البعض، واهمين، أنه بعد توقيع اتفاق بيشاور في 24 إبريل 1992، بين أحزاب الاتحاد الإسلامي لمجاهدي أفغانستان السبعة وحزبين شيعيين، وتشكيل حكومة مؤقتة لمدة شهرين وعلى رأسها صبغة الله مجدد ، ثم ولمدة أربعة أشهر برهان الدين رباني أن الحرب قد انتهت. ولكن الحزب الإسلامي بقيادة قلب الدين حكمتيار رفض الاتفاقية بالرغم من أنه من الموقعين عليها، وهاجم كابول وانهارت الاتفاقية قبل أن تنتهى فترة حكم رباني، وبالتالي ظل الرجل رئيسا لدولة حتى بعد أن انهارت تلك الدولة.

في الأول من يناير عام 1994 تعرض برهان الدين رباني لمحاولة انقلاب بيد تحالف بين حكمتيار وزعيم الأفغان الأوزبك عيد الرشيد دوستم، الجنرال السابق في الجيش الأفغانى وصبغة الله مجددي وحزب الوحدة الشيعي. ولكن الانقلاب فشل، وتم تجديد فترة حكم رباني لعام آخر في يوليو 1994. وفي نوفمبر 1994 بدأت حركة الطالبان المدعومة من باكستان في الظهور، وخلال عامين سيطرت على معظم مناطق أفغانستان ودخلت كابول عام 1996 وأعلنت نفسها الحاكمة للبلاد بإزاحة رباني وحكمتيار.

واستمرت سيطرة طالبان على معظم أفغانستان بل وأخدت في الاتساع تدريجيا حتى بات ربانى وأمير حربه أحمد شاه مسعود لا يسيطران إلا على إقليم باداخشان وسهل بانجشير جنوبه. وكانت تلك هى فترة بداية رحلاتى إلى أفغانستان وقد استمرت حتى تساقط الطالبان تحت وطأة هجوم أمريكى كاسح وسريع في 7 أكتوبر ، 2001 وذلك عقب هجمات 11 سبتمبر التي استهدفت برجي التجارة العالميين في نيويورك ومبنى وزارة الدفاع الأمريكية قرب واشنطن العاصمة، حيث اتهمت الولايات المتحدة أسامة بن لادن المتحصن مع أتباعه في أفغانستان بالوقوف وراءها وهو الأمر الذي تقريبا أكدته تسجيلات اكتشفت لاحقا لبن لادن، وهو يزهو بعلمه بالأحداث قبل وقوعها.

بعد وصولى بعدة ساعات إلى فايز أباد بدأ الرصاص في التطاير ثم تلته صواريخ صغيرة يمكن سماع وشيشها من المكتب حيث كنت أحتسى شايا اخضر. ونظر إلي زميل أفغانى يعمل في وكالة إغاثة أخرى وعيناه تقولان لي : “لا تأبه”. غير أن خوفي لا شك كان ظاهرا، مما دفعه إلى الحديث قائلا: “إنه مجرد نزاع على أراض.” وفيما بعد سمعت تفاصيل أكثر حول النزاع الدائر بين القائدين العسكريين أمين ونزير وجنودهما المتمركزين على التلال القريبة.

كان أمين حتى وقت قريب احد القادة المفضلين لدى رباني، ولكنه رفض التخلي عن بعض الأراضى التى أراد ربانى أن يوزعها بين بعض القادة الآخرين الموالين له. ووفقا لإشاعات السوق فإن ربانى طلب من نزيز (الذي كان عدوا لدودا ثم انقلب إلى صديق) أن يجبر أمينا على الطاعة والولاء. وظل التراشق مستمرا بين أمين ونزير، حتى غادرتُ فايزاباد بعد ذلك بيومين. ولقى اثنان من الأهالي غير المسلحين مصرعهما وهما في طريقهما إلى السوق لبيع محصولهما من الخيار.

وهناك عشرات من هؤلاء القادة العسكريين في بادخشان.

وكان المأسوف عليه القائد الطاجيكى الأشهر مسعود لا يمكث سوى قليل من الوقت في الإقليم، ويفضل العيش مع قواته في معقله في وادى بانجشير (الأسود الخمسة) في أقصى جنوب بادخشان، وبالقرب من كابول حيث يمكن لقواته أن تصل إلى خطوط الطالبان الأمامية إذا انتقلت أقل من خمسين كيلومترا فقط. وكان مسعود (الذي لو عاش لصار له شأو كبير بعد الغزوة الأمريكية) ساعتها وزيرا للدفاع وعلى اتصال مستمر مع ربانى – بصفة الأخير رئيس البلاد (طبعا لم تكن هناك حكومة ولا بلاد ولا يحزنون، ولكن يجب مراعاة المظاهر على أي حال). وربما كانت سلطة ربانى الوحيدة غير المعنوية هو أنه ما زال مسيطرا على وزارة المالية وتعاقدات طباعة البنكنوت في المصانع الروسية وبلدان اخرى.

وحتى وصول قوات الولايات المتحدة، كانت هناك ثلاث عملات متداولة في أنحاء البلاد (إضافة إلى الدولار بالطبع) وهى الأفغان في المناطق التى يسيطر عليها الطالبان، والأفغان الشمالي في اقليم بادخشان، وعملة ثالثة كان أمير الحرب الأوزبكى عبد الرشيد دوستم يتداولها في مناطق سيطرته حول مزار الشريف.

أعتقد أنني كنت الوحيد في السيارة، وربما في السوق كله إن لم يكن في تلك المنطقة النائية كلها من أفغانستان، الذي واتاه الشعور باغترابه عن المكان، والفضل في هذا لعشرات الحلقات المذهلة فكاهة والتى شاهدتها من هذا العمل الفني العبقري أثناء إقامتي في واشنطن العاصمة طوال أربع سنوات سابقة على سفري إلى أفغانستان.

لمعظم سكان فايز اباد، لا بد أن كيني المختفي دائما تحت غطاء رأس بني اللون والذي يلقى مصرعه في نهاية كل حلقة بشكل مأساوي ساخر، يمثل هو ورفاقه ما كانت شخصيات المجلات المصورة منذ أكثر من عشرين سنة تمثل بالنسبة إلي في مدينة المنصورة في دلتا مصر وأنا أبحث في كوم من عشرات المجلات القديمة عن أعداد معينة من مجلتي المفضلة تان تان في محل صغير للغاية في شارع محمد فتحي. شخصيات كارتونية تأتى من ثقافة مختلفة ومغايرة لا أعرفها ولا أعرف لغتها ولكنى أحب أنتاجها النهائي ممثلا في المجلة التي كنت أشتريها كل يوم سبت مترجمة إلى العربية.

وحديقة الجنوب (ساوث بارك بالانجليزية) في كل حلقاته وفي الفيلم الذي ظهر بنفس الاسم يسخر دون هوادة من العادات والتقاليد الأمريكية وخاصة في منطقة وسط الغرب. الأبطال الأربعة وهم أطفال يسخرون في مواقف مضحكة في سوداويتها من المؤسسة الدينية والسياسية والثقافية الأمريكية ومن النظام الدولي (يظهر صدام حسين في الفيلم وهو في الجحيم بينما جورج بوش يسعى إلى قتال السماء من أجل تدمير ترسانة أسلحة الدمار الشامل التي أخذها صدام حسين معه إلى الجحيم!!). ويستخدم كينى ورفاقه الثلاثة لغة تتخاجل منها الطبقة الوسطى في الولايات المتحدة وغيرها، مما يعجز التلفزيون الأمريكي المفتوح عن بثه، ولذا تذاع الحلقات على قناة متاحة على الكابل للمشتركين فقط.

وعندما رأيت صور كينى ورفاقه في سوق فايز أباد، فكرت في الكاتب الصحفي الأمريكي توماس فريدمان وأنه لو كان مكاني لأسهب في وصف آثار العولمة الممتدة حتى آخر أصقاع الأرض (وفايز اباد يا سادتى صقيع حقيقي منعزل حتى إن الجبال القريبة منها تدعى بامير، وهو ما يعنى “سقف العالم”). فريدمان سيقول في الأغلب أن فانلات شخصيات المسلسل الأمريكي إذا انتشرت من فايز اباد حيث كان التحالف الشمالى للطاجيك الأفغان ساعتها مسيطرا (قمت بزيارتي الأولى قبل انهيار نظام الطالبان في وجه الغزو الأمريكي) إلى قندهار حيث كان معقل ومنشأ الطالبان، فهذا يعني أن هؤلاء المتشددين الباشتون المسلمين من الطالبان الشبان لن يواصلوا حربهم الدموية ضد الطاجيك. ألم يقل فريدمان أنه لا توجد دولتان بهما فروع لمطاعم ماكدونالد يمكن أن تتقاتلا لأن وجود هذه السلسلة من المطاعم في البلدين إشارة إلى التقارب الفكري والاقتصادي والاجتماعي الذي تنتفي معه أسباب الحرب؟ وقررت أنني في زيارتى المقبلة لقندهار سأبحث جيدا عن فانلات ساوث بارك! وإذا وجدتها سأثبت خطأ فريدمان!! إلا إذا احتج علي بأن نظريته تنطبق فقط على البلدان وليس على الحروب الأهلية داخل كل بلد!

على جانبى الشارع الضيق في وسط سوق فايز أباد تتراص المحال وأمامها لفائف مرتفعة من الأقمشة، وحلي فضية تركمانية خلف ألواح زجاجية، في فتارين بدائية من الخشب والزجاج، وطاولات خشبية مترنحة تحمل طماطم وخيارا وخضروات أخرى متغضنة في أغلبها. وتتدلى أمام معظم محال البقالة شرائط خضراء طويلة من البلاستيك يقتطع البائع قسما منها كلما عن لزبون أن يشترى هذا الشيء. اقتربت منه، يا سلام، أنه شريط من شامبو صن سيلك مقسم إلى عبوات صغيرة يمكن فصل بعضها عن بعض. العولمة بخير رغم سعير القتال في أفغانستان ساعتها!

ذبائح الضأن معلقة من مخاطيف حديدية عند الجزارين وعدد من الباعة الجائلين وكثير منهم أطفال يحملون صناديق لمسح الأحذية القليلة المتوفرة ويبيعون السجائر والمناديل الورقية. وأخيرا السادة الصرافون وأمامهم أكوام هائلة مرتفعة في انضباط لملايين الملايين من العملة المحلية (وتدعى الأفغاني).

ويمكن أن يذهب المرء إلى فايز اباد برا من كابول في طريق يستغرق عددا من الساعات، يتوقف على وجود المواجهات الحربية المتنقلة وعلى سقوط الجليد الذي يمنع المرور في طريق دون آخر، وعلى كون النفق الموجود شمال كابول مفتوحا أم مغلقا. ولكن يمكن الذهاب أيضا بالطائرة التي ستهبط بك في مطار فايز أباد.

ممر الطائرات في فايز اباد مصنوع من ألواح حديدية متصل بعضها ببعض بصواميل (نصفها مفقود أو ربما باعه واشتراه تجار الخردة). وبالتالي، بمجرد أن تلمس الطائرة هذا السطح المجعد تبدأ الاهتزاز بعنف إلى أعلى وأسفل ويمنة ويسرة ويزعق الممر المعدني الأخضر بصوت يصم الآذان (والخضرة من لون الأعشاب البرية المنتشرة من قلب ثقوب الصواميل المختفية). ويستحيل الهبوط في الشتاء إذا تساقطت الثلوج بغزارة، إذ يصبح الممر المعدني زلقا بصورة تحول الاهتزاز إلى انزلاق وهو ما لا تحمد عقباه. بالطبع يبدأ الممر وينتهي بنفس الجبل الملتف حول المطار.

أمام مباني المطار الخالية كان هناك النصف الأمامي من طائرة عسكرية روسية ومروحتها تلف ببطء مع الريح، بقايا سيارات عسكرية مدرعة تتناثر على الجانب الآخر من الممر وقريب منها كان بعض الأوزبك الآفغان المزارعين يدرسون القمح بالضبط كما كانوا يفعلون في قريتي في الشرقية قبل أن تظهر ماكينة الدريس. وهناك أربع مجموعات عرقية رئيسية في أفغانستان : باشتون وطاجيك وأوزبك وتركمان.

وبينما كانت طائرتنا الصغيرة تدرج على الممر، كان راعى أغنام صغير يعدو على بعد أمتار ليست بالكثيرة من الطائرة ويلوّح بعصاه القصيرة لنا وهو يضحك.

كنت لا شك أكثر سعادة منه لكوننا هبطنا أخيرا بعد أن تأرجحت الطائرة في آخر ثلاثين دقيقة قبل الهبوط فوق واد ضيق بين قمم سلاسل جبلية، حتى وصلنا لنهاية الوادي ونظرت أمامي والطائرة تتجه إلى حائط اسود هائل هو نهاية الوادى، أمسكت بذراعي المقعد وأنا في حالة ذهول : ما الذي يفعله الطيار اللعين؟ وقبل عشرات الأمتار من الحائط الجبلي الصلد والطائرة مستمرة في الهبوط، انحرف الطيار يسارا بصورة قذفت ببقايا الطعام في معدتى من جانب إلى آخر لنرى أمامنا فجأة بداية ممر الهبوط الحديدي الأخضر.

التفت الطيار الدنمركى الأشقر ومنحنا إحدى ابتساماته الطفولية قائلا : “مرحبا بكم في فايز اباد” وهو يدلى الدرجات الثلاثة من قلب الطائرة إلى أرض الممر لنندفع خارجين، ونحن سعداء بأننا على قيد الحياة.

إلى جنوب ممر الطائرات تساندت ثلاثة مبان آيلة للسقوط من دور واحد بعضها على بعض، إنه مبنى المطار. لا سور. قطيع خرفان كان يرعى قرب الممر. لم يكن هناك موظفون في مبنى المطار لختم جوازاتنا. لم تكن هناك مكاتب في الحقيقة. لم يكن المرء يحتاج إلى تأشيرة ليطير من إسلام اباد في باكستان إلى فايز اباد، كل ما يحتاج إليه قليل من الشجاعة وربما وظيفة مثل وظيفتي في إحدى منظمات الغغاثة الدولية تتطلب منه الذهاب إلى هناك. ليس هناك في الحقيقة دافع آخر للذهاب إلى سقف العالم في عز الشتاء والبرد (أو حتى والدنيا ربيع والجو بديع على رأي صلاح جاهين). إذا كانت هناك حرب أهلية مستعرة وكانت فايز أباد هى آخر منطقة في أقصى بقعة من البلاد لم يسيطر عليها الطالبان بعد. شمالها تقع طاجيكستان الفقيرة الخارجة هى الأخرى من حرب أهلية، كان لبعض أطرافها صبغة إسلامية، وشرقها إقليم صينى ذو أغلبية مسلمة وجنوبها وادى بانجشير الأفغانى.

وفايز اباد هى عاصمة إقليم باداخشان، الإقليم البديع الجبال والمناظر والنهيرات، بيد أنها طبيعة قارسة وصارمة ليس فيها ما قد تحصل عليه في جبال الآلب الأوروبية إذا ذهبت للتزلج (وأنا لا أتزلج في الحقيقة ولكني شاهدت هذه القمم البديعة من نافذة الطائرة مرات عديدة). نصف مليون شخص يعيشون هناك. ويضم الإقليم لسان أو ممر واخان الشهير الذي وضعه الإنجليز والروس داخل الأراضى الأفغانية عندما قسموا الحدود في آسيا الوسطى في عامي 1895 و 1896 لسبب بسيط: خلق حاجز جغرافي بين مناطق سيطرة بريطانيا من ناحية، (خاصة في الهند ساعتها)، وبين مناطق السيطرة الروسية. ومثلما كان العالم في القرن العشرين ملعب كرة قدم لفريقى الحرب الباردة من واشنطن وموسكو، كانت أفغانستان قلب مباراة الاستعمار في آسيا بين الدب الروسي والعرش الإنجليزي.

ولكن لا أحد يسيطر الآن على بلدة فايزاباد، رغم أن ساعة زيارتى كان برهان الدين ربانى البالغ من العمر آنذاك ستين عاما ما زال يتمسك بلقب رئيس أفغانستان، وهو المنصب الذي شغله قليلا قبل أن تقتحم فلول الطالبان كابول في عام 1996. وكان التحدي الماثل أمام ربانى كل يوم هو السيطرة على أمراء الحرب الذين تتوزع مناطق نفوذهم على المقاطعات والقرى الجبلية المتناثرة.

ولم أتمكن من لقاء السيد ربانى الحاصل على درجة ماجستير في الدراسات الإسلامية من جامعة الأزهر في الستينات. ولكنى رأيت منزله المؤلف من طابقين رماديين ببلكونات خضراء يرتفع قليلا في وسط البلد خلف السوق.

لأفغانستان تاريخ طويل من الحروب، الأهلية والخارجية، منها حربان مع بريطانيا العظمى في القرن التاسع عشر (1800-1899)، ثم تغلغل للنفوذ السوفيتى في الثمانينات من القرن العشرين انتهى بغزو شامل عام 1979. وبدلا من حقل صراع جامد بين البريطانيين والروس في القرن التاسع عشر، صارت أفغانستان آخر ميادين مواجهة الحرب الباردة والحروب بالوكالة بين الولايات المتحدة والاتحاد السوفيتى في أواخر القرن العشرين. وتولى الوكالة الأمريكية في الحرب عدة فرق من المجاهدين الأفغان (لا شك أن ربما معظمهم كانوا صادقى النية في دحر محتل غاشم ودفاعا عن أرضهم وعرضهم ودينهم، ولكن مصالحهم التقت مع مصالح واشنطن وإسلام أباد فسلحتهم الأولى بشراهة ومنحتهم الثانية أراض للتدريب ومدربين وتغاضت عن تجارة المخدرات المتنامية والضخمة).

ما زلت أتذكر إعلانات في شوارع القاهرة في الثمانينات تعلن في بنط ضخم “ادفع جنيها .. تنقذ مسلما.” الولايات المتحدة والسعودية دفعت كلاهما مئات الملايين من الدولارات في عدة سنوات حتى انسحب السوفييت تحت وطأة خسائرهم، وللتغير الاستراتيجى الذي أحدثه ميخائيل جورباتشوف الرئيس السوفيتى (الأخير)، وهو التغير الذي بدأ بسياسة المصارحة والمكاشفة، مرورا بالانسحاب من أفغانستان، ثم تفكك الاتحاد السوفيتى نفسه، وفورة الحروب الأهلية فيما كان يشكل جمهورياته وأقاليمه المختلفة التى ما زال بعضها يعانى من آثارها.

ولكن الانسحاب السوفيتى كان نهاية لمرحلة في الحرب الأفغانية وليس الحرب نفسها، إذ راح كل طرف من الأحزاب الجهادية يؤكد أنه أحق بحكم أفغانستان من غيره، ووصل النزاع إلى حد الاقتتال الذي راح ضحيته عشرات الآلاف من الأفغان. واعتقد البعض، واهمين، أنه بعد توقيع اتفاق بيشاور في 24 إبريل 1992، بين أحزاب الاتحاد الإسلامي لمجاهدي أفغانستان السبعة وحزبين شيعيين، وتشكيل حكومة مؤقتة لمدة شهرين وعلى رأسها صبغة الله مجدد ، ثم ولمدة أربعة أشهر برهان الدين رباني أن الحرب قد انتهت. ولكن الحزب الإسلامي بقيادة قلب الدين حكمتيار رفض الاتفاقية بالرغم من أنه من الموقعين عليها، وهاجم كابول وانهارت الاتفاقية قبل أن تنتهى فترة حكم رباني، وبالتالي ظل الرجل رئيسا لدولة حتى بعد أن انهارت تلك الدولة.

في الأول من يناير عام 1994 تعرض برهان الدين رباني لمحاولة انقلاب بيد تحالف بين حكمتيار وزعيم الأفغان الأوزبك عيد الرشيد دوستم، الجنرال السابق في الجيش الأفغانى وصبغة الله مجددي وحزب الوحدة الشيعي. ولكن الانقلاب فشل، وتم تجديد فترة حكم رباني لعام آخر في يوليو 1994. وفي نوفمبر 1994 بدأت حركة الطالبان المدعومة من باكستان في الظهور، وخلال عامين سيطرت على معظم مناطق أفغانستان ودخلت كابول عام 1996 وأعلنت نفسها الحاكمة للبلاد بإزاحة رباني وحكمتيار.

واستمرت سيطرة طالبان على معظم أفغانستان بل وأخدت في الاتساع تدريجيا حتى بات ربانى وأمير حربه أحمد شاه مسعود لا يسيطران إلا على إقليم باداخشان وسهل بانجشير جنوبه. وكانت تلك هى فترة بداية رحلاتى إلى أفغانستان وقد استمرت حتى تساقط الطالبان تحت وطأة هجوم أمريكى كاسح وسريع في 7 أكتوبر ، 2001 وذلك عقب هجمات 11 سبتمبر التي استهدفت برجي التجارة العالميين في نيويورك ومبنى وزارة الدفاع الأمريكية قرب واشنطن العاصمة، حيث اتهمت الولايات المتحدة أسامة بن لادن المتحصن مع أتباعه في أفغانستان بالوقوف وراءها وهو الأمر الذي تقريبا أكدته تسجيلات اكتشفت لاحقا لبن لادن، وهو يزهو بعلمه بالأحداث قبل وقوعها.

بعد وصولى بعدة ساعات إلى فايز أباد بدأ الرصاص في التطاير ثم تلته صواريخ صغيرة يمكن سماع وشيشها من المكتب حيث كنت أحتسى شايا اخضر. ونظر إلي زميل أفغانى يعمل في وكالة إغاثة أخرى وعيناه تقولان لي : “لا تأبه”. غير أن خوفي لا شك كان ظاهرا، مما دفعه إلى الحديث قائلا: “إنه مجرد نزاع على أراض.” وفيما بعد سمعت تفاصيل أكثر حول النزاع الدائر بين القائدين العسكريين أمين ونزير وجنودهما المتمركزين على التلال القريبة.

كان أمين حتى وقت قريب احد القادة المفضلين لدى رباني، ولكنه رفض التخلي عن بعض الأراضى التى أراد ربانى أن يوزعها بين بعض القادة الآخرين الموالين له. ووفقا لإشاعات السوق فإن ربانى طلب من نزيز (الذي كان عدوا لدودا ثم انقلب إلى صديق) أن يجبر أمينا على الطاعة والولاء. وظل التراشق مستمرا بين أمين ونزير، حتى غادرتُ فايزاباد بعد ذلك بيومين. ولقى اثنان من الأهالي غير المسلحين مصرعهما وهما في طريقهما إلى السوق لبيع محصولهما من الخيار.

وهناك عشرات من هؤلاء القادة العسكريين في بادخشان.

وكان المأسوف عليه القائد الطاجيكى الأشهر مسعود لا يمكث سوى قليل من الوقت في الإقليم، ويفضل العيش مع قواته في معقله في وادى بانجشير (الأسود الخمسة) في أقصى جنوب بادخشان، وبالقرب من كابول حيث يمكن لقواته أن تصل إلى خطوط الطالبان الأمامية إذا انتقلت أقل من خمسين كيلومترا فقط. وكان مسعود (الذي لو عاش لصار له شأو كبير بعد الغزوة الأمريكية) ساعتها وزيرا للدفاع وعلى اتصال مستمر مع ربانى – بصفة الأخير رئيس البلاد (طبعا لم تكن هناك حكومة ولا بلاد ولا يحزنون، ولكن يجب مراعاة المظاهر على أي حال). وربما كانت سلطة ربانى الوحيدة غير المعنوية هو أنه ما زال مسيطرا على وزارة المالية وتعاقدات طباعة البنكنوت في المصانع الروسية وبلدان اخرى.

وحتى وصول قوات الولايات المتحدة، كانت هناك ثلاث عملات متداولة في أنحاء البلاد (إضافة إلى الدولار بالطبع) وهى الأفغان في المناطق التى يسيطر عليها الطالبان، والأفغان الشمالي في اقليم بادخشان، وعملة ثالثة كان أمير الحرب الأوزبكى عبد الرشيد دوستم يتداولها في مناطق سيطرته حول مزار الشريف.

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق