من نظام المّلة العثماني إلى القومية المتيبّسة

بعد مضي قرابة قرنين على مسيرة العرب للخروج من القروسطية، وقرابة قرن على انهيار الإمبراطورية العثمانية كنظام سياسي وكمظلة استراتيجية تفيّأ معظم العالم العربي ظلها لأربعة قرون، لازال تحدي إحلال البدائل التاريخية قائماً. فالقومية العربية كملاط أيديولوجي اكتشفه مسيحيو المشرق العربي يمكن استخدامه كبديل تاريخي للرابطة العثمانية بعمودها الفقري (الإسلام السني)، انزلقت بالتدريج وخصوصاً في مقلبها الثاني (بدءاً من الخمسينات) لتتماهى مع أيديولوجيا الأكثرية الدينية (الإسلام السني).

فمن ثنائية العروبة/الإسلام الناصرية إلى “العروبة جسد روحه الإسلام” البعثية راح يضيق صدر القومية العربية بالتنوع الديني والمذهبي والإثني المميز لاجتماع المنطقة. لقد تيبست مفاصل القومية العربية بعد أن تريفت على يد جنرالات حرق المراحل، وتراجعت قدرتها على التماهي مع الحداثة، بعد أن جُرّت إلى عداء طويل الأمد مع الغرب. إلا أن داءها المزمن ظلّ قلة جاذبيتها حتى الآن للفئات البرجوازية وبقاءها كروح هائمة فوق الطبقات تبحث عن مكان آمن للهبوط.

لقد استهلكت القومية العربية معظم وقتها المتاح في مزاحمة الوطنية كرابطة منافسة، معطية الفرصة للوقت أن يتبدد، دون أن يراكم أي منهما منجزات يمكن البناء عليها لاحقاً.

إحدى معضلات القومية العربية أنها تفترض الأمة العربية وجودا ناجزاً. جذور هذا الادعاء تكمن في المماهاة بين مفهومي القومية والأمة. وعلى هذا الالتباس المعرفي تتكدس البرامج السياسية للأحزاب القومية لتصنع هرماً من الإخفاق السياسي لازال قابلاً للارتفاع.

في لّب هذا الالتباس يقعد التنافس الذي لا طائل تحته بين العروبة والوطنية. يظن العروبي في سوريا أن (وطنية سوريا) هي ضيق أفق في أحسن الأحوال، ومؤامرة على الأمة العربية في أسوئها. كذلك موقف العروبي حيال الوطنيات: المصرية والعراقية، الخ.

تلطت أنظمة الاستبداد القومجية وراء مفهوم للعروبة مضاد للوطنية، كي تتفادى دفع فاتورة هذه الأخيرة (بناء دولة العقد الاجتماعي) الحاضنة للوطنية، مستخدمة هذا الالتباس المعرفي لتموه على ضيق أفق في إدارة المصالح أو على نزعة كلبية. إن الهرب من الممكن إلى المستحيل في السياسة لم يتم دائماً بحسن نية.

في الصراع لاحتلال صدارة الروابط بعيد انهيار الإمبراطورية العثمانية، لم تخرج الإيديولوجيات الدينية من المنافسة، بل جربت أن تكون البديل القادر على صناعة الكيانات السياسية. ولعل نشوء إسرائيل، يعد تعبير مبكر عن الفرص التي منحها انهيار الكيانات الإمبراطورية للعصبيات على تنوعها لتتخيم حدود الجماعة بحدود سياسية. إلا أن هذا التتخيم لن ينجز في مجتمعات حافظ التسامح النسبي على تنوع مذهل لروابطها بدون حروب التطهير العرقي/الديني/المذهبي، الخ.

في المخنق الراهن لأنظمة الاستبداد القومجية تتنافس الأيديولوجيتان، الوطنية والإسلامية، على الهيمنة، ويلتحق معظم العروبيين بأحد الطابورين الأيديولوجيين، بعد أن فقدوا القدرة على التمايز والمبادرة التاريخية. تستعيد الليبرالية بريقها بعد أن طمسه العروبيون في مرحلة هيمنتهم الأيديولوجية، وتحاول أن تتصالح معهم ومع اليسار الماركسي لتعظيم المعسكر المنافس للإسلاميين. ويغيب عن بال العروبيين الملتحقين بالمعسكر الإسلامي المآلات التي سيفضي إليها هذا الخيار، يتصرفون وفق المثل الكوميدي الشهير(حًملوه عنزة ضرط قال هاتوا الثانية)، لم يفلح العروبيون في انجاز الوحدة العربية فيطلبون انجاز الوحدة الإسلامية!

الإسلام السياسي بمروحته (من المستنير إلى التكفيري) لا يستطيع أن يمنع نفسه وهو يمارس السياسة كفعل دنيوي من الانزلاق إلى قدسنة هذه الممارسة، حتى يعطي للآخر المختلف حقه في الاختلاف عليه أن يخرج من فذلكة الفئة الناجية. ولكنه إن استطاع فسيجد نفسه قد انتقل من فئة ناجية إلى أخرى. لا خروج من مغطس المطلق إلا إلى النسبي، أي إلى السياسة كفعل بشري بحت غير مخلوط بعالم الغيب.

ليست هذه المعضلة التي تواجه رجال الدين الطامحين إلى مد اليد إلى السياسة بمعضلة معاصرة، عمر هذه المعضلة من عمر الإسلام، بعدما تحول الى مشروع دولة إمبراطورية عقب الفتح. لقد دشن معاوية شكلاً أولياً من فصل الدين عن الدولة منذ العام 41 هجري*

لا يستطيع رجل الدين أن يمارس السياسة دون أن يكون قد (أضمر حسواً في ارتغاء)، ذلك أن حقل السياسة هو حقل إدارة المصالح الدنيوية، وعلى من يريد أن يشتغل بها أن يخلع رداء الكهنوت من أجل الشفافية.

على مدخل ضاحية برزة في دمشق، ومنذ ربع قرن وضع صاحب محل فلافل لافتة مكتوب عليها “فلافل الإيمان بالله”، لم يتدخل يومها لمنع استخدام الله في الإعلان التجاري أحد، لا الحكومة ولا الهيئات الدينية، ومن يومها واستخدام الرموز المقدسة للضحك على ذقون المؤمنين واستغفالهم ينتشر كالنار في الهشيم، حتى وصل الأمر إلى شبكات شفط الأموال التي انغمست في فضائحها ذقون لها وزن في الهيئة الدينية.

دخول الدين إلى حقل السياسة كارثة عليهما، ذلك أن عكاز الدين هو اليقين، وعكاز السياسة هي الشك. إن تغلب الشك على اليقين في الدين فسد الإيمان. وإن تغلب اليقين على الشك في السياسة فقدت مرونتها في إدارة الاختلاف، وأخلت الطريق للعنف ليحل محلها كبديل.

يغامر الإسلاميون بإقحام مجتمعاتهم في أتون الحرب الأهلية. إن تخلو عن هذا الشعار المرفوع منذ الاستقلال: الدين لله والوطن للجميع. وتقامر مجتمعات العالم العربي بمستقبلها المفتوح على تعميق المشتركات وتحديث البنى الاقتصادية والسياسية لامتصاص الطلب المتضخم على الحرية وعدالة التوزيع وتحسين الشرط البشري إذ انساقت وراء هذا الشعار البراق: (الإسلام هو الحل).

لم يولد الإسلام منذ بضعة سنوات، فعمره الآن أربعة عشر قرنا ونيف، وعلى هذا المقطع الطويل من الزمان لم يبرهن مرة واحدة على قدرته على اجتراح هذه المعجزة: (إدارة الاختلاف بطريقة تمنعه من الوصول إلى العنف). كل الفتن التي أفضت إلى استخدام العنف على نطاق واسع على مدار التاريخ الإسلامي منذ الفتنة الكبرى بعد مقتل الخليفة الثالث عثمان، وحتى الاقتتال السني /الشيعي في عراق ما بعد صدام حسين تجري على خلفية جر الدين إلى حقل السياسة، ليتصرف تصرف الفيل في دكان للخزف.

أخيرا أقول لرجال الدين الجائعين للسياسة: اتقوا الله.

{{هوامش:}}

* للتوسع في هذه النقطة انظر: “الدولة والدين”، برهان غليون.

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق