الخوف المزدوج.. المسلمون والأمريكان

ازالت العلل و الأسباب التي أدت إلى تخلف المسلمين هي نفسها التي ذكرها منذ ثلاثينيات القرن الماضي أمير البيان شكيب أرسلان في كتابه ” لماذا تاخر المسلمون و تقدم غيرهم؟”. فمعركتنا مع الجهل مازالت لم تشهد تقدما ملحوظا وفساد أخلاق العلماء والأمراء أخذ أشكالا وصورا أخرى، واليأس والقنوط تعمقا في شعور ووجدان الفرد والجماعة الإسلامية، و الجمود و الجحود من هذا و ذاك أضحيا من القواعد الثابتة التي جعلتنا نقطع صلتنا بالماضي من جهة ونتعثر في خطواتنا نحو الأمام من جهة أخرى.

ومرد ذلك كله أننا لم نستفد من تجربة التاريخ سواء البعيد منه أو القريب، ففي تسعينيات القرن الماضي نعت الشيخ محمد الغزالي، رحمه الله، علي بلحاج بالجاهل لأنه يريد أن يسجن المرأة بين أربعة جدران ولا يسند لها سوى مهمة الإنجاب فقط، و كأنها ماكينة للإنتاج البيولوجي. كنا نعتقد حينها أن الشيخ الغزالي قد وضع الأحكام في غير موضعها السليم، وبالخصوص أن علي بلحاج كان في أوج مجده الذي ملأ به الدنيا و شغل الناس بخطبه النارية التي كان يقذف بحممها على النظام. وهو نظام لم يكن يختلف كثيرا عن الأنظمة العربية التي استلمت السلطة بعد خروج الاستعمار، و مع ذلك نجد للغزالي مذهبا آخر في نظرته لهذه الأنظمة ربما اكتسبها من خلال التجربة والمحنة التي جعلته يطلع على أشياء لم تكن في الحسبان، فبعد تأليفه لكتابه “السنة النبوية بين أهل الفقه و أهل الحديث”، تعرض لانتقدات و هجومات حادة من طرف الإسلاميين و السلفيين منهم بالخصوص وصلت إلى حد تكفيره و تفسيقه و تسفيهه، وكم كانت تلك الأحكام قاسية على الشيخ وهو في سن متقدم من العمر جعلته وبكل شجاعة و دون لف أو دوار وبكل تحد يعلن في إحدى التجمعات الثقافية أنه يفضل حكم الأنظمة التي تسوسنا دون أن تحشر نفسها في قضايا الدين واجتهاداته على حكم الإسلاميين الذين يتدخلون في كل كبير وصغيرة مستخدمين سياط نصوص الدين لجلد مخالفيهم وفق رؤيتهم الخاصة وهذا هو بحق الكهنوت الديني الذي حذر منه الإسلام و جاء لينسفه و يعطي للعقل حقه من الحياة…

و السؤال المطروح اليوم هو هل نتحمل المسؤولية في ما جرى من خراب و دمار في الجزائر عندما وضعنا أصابعنا في آذاننا و لم نستمع إلى تحذيرات الشيخ الغزالي؟ بالتأكيد الأمر كذلك فمن كان يتصور أنه يأتي اليوم الذي يطالب فيه المفكر الإسلامي والقانوني سليم العوا من جماعة الإخوان الابتعاد عن الشأن السياسي والاشتغال بالتربية والدعوة وآخرا وليس أخيرا هذا الداعية عائض القرني يقر بأن الإسلام السياسي أضحى في مأزق بعدما أبدى حرصا شديدا على تسلم السلطة أكثر مما أبدى استعدادا لتسخير إمكانياته للتربية و التعليم، هذا و لا يمكن أن تمر علينا مراجعات تنظيم الجهاد دون التوقف عندها و الإشادة بها و بأصحابها الذين نسخوا أفكار العنف التي آمنوا بها بداية من سبعينيات القرن الماضي واختاروا في نهاية المطاف منهج الوسطية و الاعتدال التي ألقاها وراء ظهره تنظيم القاعدة، هذا التنظيم الذي يقوده رجال لا علاقة لهم بالدين أو بعلوم الدين بقدر تفننهم في اصطياد النفوس المريضة لتنفيذ خططهم التي استباحت نفوسا بشرية حرم الله قتلها إلا بالحق، و كم كان الكاتب غسان الإمام موفقا عندما قال إنه “لم يكن إرهاب القرن التاسع عشر دينيا، مع ذلك لم يتناول المجتمع ككل، و إنما استهدف الطبق السياسية، فيما يستهدف الإرهاب الديني الجماعي المجتمع بلا اكتراث و تعاطف مع أوجاع وأهل الضحايا الأبرياء ..”

مما لا شك فيه أن العالم الإسلامي يمر بمرحلة قلق و خوف على حاضره و من المستقبل أكثر من أي وقت مضى وهذا الخوف لم يعد مقتصرا عليه وحده فقط، بل حتى الأمم المتحضرة تستشعر الأمر و لأهمية ذلك لا بأس أن أنقل لكم فقرة من المقال الذي نشرته جريد الشرق الأوسط بتاريخ 08 جانفي 2008 لوزيرة خارجية أمريكا السابقة مادلين أولبريت بعنوان ” أنقذوا أمريكا من الخوف “، حيث تقول ” أنا أحب أمريكا بعمق أومن بأن بلدنا ما زال الأفضل في العالم، و لكنني أعتقد أيضا أننا نواجه افتقارا خطرا للمعرفة الذاتية، فنحن نطالب باحترام القانون بينما ننتهك معاهدات جنيف، و نعلن : أنتم معنا أو ضدنا بينما نتجاهل تأثير أفعالنا على تركيا و الشرق الأوسط، و نحذر : ارفعوا أيديكم عن العراق بينما تحتل قواتنا بغداد، و نصرح : انتبهوا إلى جيش الصين بينما ننفق على قضايا الدفاع ما يعادل إنفاق العالم كله “. نعم.. حتى أمريكا خائفة من تداعيات الفوضى التي اجتاحت العالم كله، هذه الفوضى التي يعتبر الجزء الأساسي و الأكبر منها هو من هندسة الولايات المتحدة الأمريكية التي فقدت رسالتها الإنسانية والأخلاقية و الحضارية كدولة عظمى و جعلت العالم كله مسكونا بالخوف.

{عدة فلاحي برلماني سابق بالجزائر}

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق