في الديانتين المسيحية والإسلامية

ثمة اعتقاد راسخ لدى أتباع الديانات السماوية الثلاث، بأن رسول أو مؤسس كل ديانة هو مُلك خاص بأتباعه فحسب، إلى درجة بتنا نعتقد معها –أو الأصح هكذا أوهمنا أتباع الديانات السماوية الثلاث- ان ثمة “طابو” رسمي وشخصي من قبل ذلك الرسول أو ذيّاك المُرسل يَحقُ بموجبه لأتباعه تملّكه والانفراد به دون غيرهم من البشر، وهم الوكلاء الحصريون في الحديث عنه وباسمه.

بكلمة أكثر دقة نجد أن المسيحي المؤمن (تحديداً الشرقي) يعتقد أن السيد المسيح ملك شخصي له، وفي حال تَناوُل شخصية السيد المسيح من قبل أحد أتباع الديانات الأخرى بطريقة قد لا ترضي النزعة الإيمانية للمسيحي المتديّن، فإنه سرعان ما يثور عليك من زاوية أن لا حق لك أنت أو سواك في تناول مقدسات الآخرين. حتى لو كنت تتناول مُقدسه من وجهة نظر تاريخية بحتة بعيدة كل البعد عن القضايا الإيمانية.

غير أن الحال على الضفة الأخرى، أي لدى المسلم المتديّن (شيعياً كان أم سُنيّاً)، أكثر وعورة وخطورة، إن لم نقل إن عواقب حالة كهذه ستكون وخيمة، وعملياً هذا ما حصل مع المفكر المصري “فرج فودة”، فعلى الرغم من كونه مسلماً فقد كان مصيره التصفية الجسدية أواسط تسعينات القرن الماضي على يد الجماعات الإسلامية المتطرفة في مصر، وما حدث مع المفكر الإسلامي نصر حامد أبو زيد وتطليقه من زوجته على يد “علماء” الأزهر ليس بعيداً عن متناول الذاكرة، ولم ننس بعد ما حصل مع الكاتب الإسلامي سيد القمني في تموز 2005، أيضاً في مصر الكنانة، إذ اضطر للكف عن الكتابة تحت تهديد الجماعات الإسلامية في بلده. (وقد كان لافتاً للانتباه أن أياً ممن يُسمون رجال “اعتدال” في العالم الإسلامي لم يقم بإدانة أي حالة من الحالات سابقة الذكر). فكيف ستكون الحال لو كان ذلك الباحث أو المفكر مسيحياً أو يهودياً أو بوذياً، خاصة حال تناوله للشخصية المحمدية بطريقة قد لا ترضي النزعة الإيمانية الإسلامية الكلاسيكية؟، حتى لو كان هذا الباحث أو ذاك يعتمد على مناهج بحثية تاريخية وعلمية مستعيناً بتاريخ علم الأديان المقارن، لا بل حتى لو كان عماد بحثه يقوم على المراجع الإسلامية فقط كالقرآن الكريم، وصحيح “مسلم” و”البخاري” و”الترمذي” و”البيهقي” الخ…!

قلنا ما قلناه آنفاً رغم اعتقادنا الراسخ وقناعتنا العميقة بأن المسيحية في الشرق، ونتيجة للظروف التاريخية والموضوعية التي عايشتها خلال القرن الماضي وما مضى من هذا القرن على قلته، قد انحسرت من موقع التبشير الديني لتصبح مجرد سؤال ذاتي لهذا المؤمن بها أو ذاك، أي أصبحت في هذا شأنها في ذلك شأن الأقليات الإسلامية، أو ما يُعرف بالحركات الباطنية في الإسلام التي من حسن حظ أتباعها أنها لم تكن تبشيرية منذ لحظات نشوئها، هذا إن لم نقل إن المسيحية باتت في موقع الدفاع عن وجودها الديني وحتى الوجود الديموغرافي لأتباعها في المنطقة.

وحقيقة دفاع المسيحية عن وجودها الديموغرافي في المنطقة عُبر عنه بشكل واضح عندما “دق مجلس بطاركة الشرق الكاثوليك جرس الخطر نتيجة الهجرة المتزايدة من الشرق”(راجع صحيفة “النهار” البيروتية 6/11/2006) إلى الغرب وسواه من بلدان أخرى.

عدا عن أن تأثيرها التاريخي في المنطقة –أي المسيحية- لم يكن بمستوى التأثير الإسلامي، سابقاً وراهناً. ولعلي أضيف أن الدين الإسلامي بحكم قوة نفوذه، المستمدة أساساً من المفهوم الكلاسيكي للجهاد الذي تصقله باستمرار المغريات المادية التي تنطوي عليها الجنة وفق الوعي والإيمان الإسلامي الكلاسيكي بها، وكثرة أتباعه في منطقة الشرق الأوسط، فقد ساهم في التأثير على هُويّة الفرد المسيحي المشرقي من حيث يريد أو لا يريد ذلك المسيحي، غير أن العكس لم يحدث (على الأقل راهناً).

وتأثير الدين الإسلامي في الفرد المسيحي لا نشهده نتيجة العلاقات المعشرية القائمة بحكم الواقع، أو نتيجة التفوق العددي لأتباعه فقط، بل لأنّ الإسلام جَبَل تاريخ المنطقة بقضاياه ومتاهاته التي لا تنتهي إلى درجة تكاد معها الأقليات المنضوية تحت جناحه أو الناهلة من معين ثقافته –بما فيها المسيحية إلى حد ما- تتبنى خطابه إما عن رضا وقناعة وإما مداراة وتستر وتقية. وهذا يحيلنا، بشكل أو بآخر، إلى مسألة تبني الأقليات لخطاب الأكثرية عن رضا وقناعة أو بدافع التقية وتوفير الأمان الذاتي والجمعي لهذه الأقلية أو تلك. ومن ثمار تبني الأقليات لخطاب الأكثرية في ظل ظروف سيطرة ثقافة بائدة كالكائنة راهناً في العالمين العربي والإسلامي أن تصبح الأقليات المتبنية لذلك الخطاب مع مرور الزمن تزايد به على الأكثرية المنتجة له والممثلة فعلياً له، وتبلغ المزايدة حد المتاجرة بالخطاب أحياناً من قبل هذه الأقلية أو تلك.

وكنتاج طبيعي لتبني الأقلية لخطاب الأكثرية فقد بات الكثير من رجال الكهنوت المسيحي الشرقيين (وحتى الغربيين)، وحتى المثقفين المسيحيين غير المتدينين، يعرفون عن الإسلام أكثر بكثير مما يعرفه عوام المسلمين عن إسلامهم. وفي مأدبة إفطار أقامها في 11/4/1957 رئيس الجمهورية (السورية) آنذاك شكري القوتلي لكل من رؤساء الطوائف الإسلامية والمسيحية، حضر مأدبة الإفطار هذه البطريرك مكسيموس الصايغ مع ثلاثة أساقفة، وكان حاضراً أكثر من 50 شيخاً وعالماً مسلماً. وفي جوابه على خطاب رئيس الجمهورية الذي شدد على التسامح الذي نص عليه القرآن تجاه المسيحيين، أجابه البطريرك الصايغ قائلا : “إننا نحن المسيحيين، سكان وطننا السوري لا نبخل بشيء، حتى بدمنا في سبيل خدمته، ومع ذلك نسمع من وقت إلى آخر بأننا كافرون ومشركون، ونحن لسنا بكافرين ولا بمشركين، بل بالعكس نحن، قبلكم جميعاً نؤمن بوحدانية الله، وبفضلنا انتشرت هذه العقيدة التوحيدية…. وأيضاً نأسف أن العروبة هي صفة يحتكرها فقط المسلمون، وفي القاموس عروبة تعني الإسلام”، إلى أن يتساءل: “نحصي بين المسيحيين الكثيرين ممن امتلكوا معرفة دقيقة وعميقة للدين الإسلامي، هل يوجد بين العلماء المسلمين من تعمق في درس الدين المسيحي؟”

يحصل هذا في الوقت الذي لا يدرك فيه أتباع تلك الديانات أنه من حقها تناول القضايا الإسلامية (والعكس صحيح)، ليس فقط لكونها قضايا عامة أو لكون أصحاب الرسالات السماوية، ومنها الرسالة المحمدية بالطبع، مرافق عامة كما سلف وذكرنا، بل من موقع أن الثقافة الإسلامية تؤثر في تكوينها المعرفي والنفسي، حتى إنها تؤثر بطرق عيشها الاجتماعي والاقتصادي والسياسي، وبالآتي ستؤثر في هُويتها شاءت أم أبت.

السؤال الذي يمكننا طرحه الآن هو متى سيتحرر الوعي اللاهوتي بشقيه المسيحي(الشرقي) والإسلامي (وحتى اليهودي)، فيؤمن بأن شخصيات مثل السيد المسيح والسيد الرسول عليهما السلام هما شأن عام أكثر من كونهما شأناً خاصاً محدداً بفئة من الناس، بدليل أن رسالتيهما غيرتا مجرى حركة التاريخ وحياة البشر في حين من الزمن، وما تزالان تؤثران فينا –بالإضافة إلى أتباعهما- سلباً أو إيجاباً ومن حقنا تناولهما وإخضاع سيرة حياتهما ورسالتيهما لمجهر النقد مستفيدين من المعطيات العلمية للعصر الذي نعيش فيه حتى لو كانت نتائج بحثنا قد لا ترضي النزعة الإيمانية لشرائح واسعة من المتدينين.

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق