ابن رشد : ليس للمرأة حق الإمامة في المسجد بينما لها حق رئاسة الدولة

  من المسائل التي عرض لها ابن رشد بالتحليل في تلخيصه لجمهورية أفلاطون مسألة المرأة و الموقع الذي ينبغي أن تشغله في المجتمع. و يكشف تحليله لهذه المسألة عن تمثلها من جهة كما وردت علي لسان أفلاطون، ومن جهة ثانية كما هي عليه واقعيا ضمن المحيط  الاجتماعي الثقافي الذي عاش فيه، و من ثمة تتبين الآفاق الممكنة لتحرر جمهور النساء، لما لذلك من علاقة وثيقة بتطور المجتمع. فالمشروع السياسي الرشدي إنما يهدف إلى مقاصد كبرى تتصل بمجموع الشعب الذي يمثل جمهور النساء وفق ابن رشد سواده الأعظم، و إذا ما ظل ذلك الجمهور علي تخلفه، و استبعد من المشاركة في الحياة الاقتصادية و السياسية و الثقافية، وسجن بين جدران أربعة ، فإن النتيجة تكون تخلف المجتمع بأسره، فهو سوف يرزح  لا محالة تحت عبء الفقر و الجهل .
و تقوم إستراتيجية ابن رشد في تناول هذه المسألة، على نسف المرتكزات النظرية التي تعتمد تقليديا لاستعباد المرأة، و إقصائها من كل مشاركة في الحياة العامة ، لأجل ذلك ينصب اهتمامه علي تأكيد المساواة النوعية بين المرأة و الرجل من حيث امتلاك العقل، مما يعني أنهما من طبيعة واحدّة باعتبارهما بشرا ، مؤكدا انه إذا كانت هناك اختلافات ، فهي اختلافات كمية وليست نوعية ، يقول :    ” إن النساء من جهة أنهن و الرجال نوع واحد في الغاية الإنسانية ، فإنهن بالضرورة يشتركن و إياهم فيها [ الأفعال الإنسانية] ، و إن اختلفن عنهم بعض الاختلاف، أعني أن الرجال أكثر كدّا في الأعمال الإنسانية من النساء، و إن لم يكن من غير الممتنع أن تكون النساء أكثر حذقا في بعض الأعمال، كما يظن ذلك في فنّ الموسيقي العملية، ولذلك يقال إن الألحان تبلغ كمالها إن أنشأها الرجال و عملتها النساء ” (1)

و مثلما هو بيّن ، فان الأمر لا يتعلق بتناقض بين الجنسين يؤدي إلى التمييز بينهما، ويشرع أفضلية هذا علي ذاك، و إنما باختلاف في تأدية بعض الأعمال، و بوحدة في النوع الذي هو الكائن الإنساني . و عندما يقرّ ابن رشد بتفوّق الرجل على المرأة في بعض المهن، فانه لا يترك الأمر يمضي هكذا دون أن يرد للنساء ما لهن من صفة التفوق على الرجال في مهن أخرى، فتكون النتيجة هنا كذلك اختلافا لا يمكن أن يكون مبرّرا للتمييز بين الجنسين. بل انه يذهب إلى أبعد من ذلك، مؤكدا أن الكثير من المهن التي يعتقد عادة أنها حكر علي الرجال يمكن للنسوة القيام بها، و من بينها أن يكن فيلسوفات و رئيسات و محاربات : يقول ” و قد يتبيّن ذلك غاية البيان بالفحص، و ذلك أننا نرى نساء يشاركن الرجال في الصنائع إلا أنهن في هذا أقل منهم قوة، و إن كان معظم النساء أشد حذقا من الرجال في بعض الصنائع، إلا أنهن في هذا أقل منهم قوة، و إن كان معظم النساء أشد حذقا من الرجال في بعض الصنائع، كما في صناعة النسيج والخياطة و غيرهما ، و أما اشتراكهن في صناعة الحرب و غيرها، فذلك بيّن من حال ساكني البراري و أهل الثغور و مثل هذا ما جبلت عليه بعض النساء من الذكاء و حسن الاستعداد فلا يمتنع أن يكون لذلك بينهن حكيمات أو صاحبات رياسة.” (2 )

و إزاء المشكّكين في ذلك يلجأ  إلى الحجاج الفلسفي، مؤكدا أن وجهة نظره إنما تصدر عن فحص و تدقيق وأن البراهين التجريبية تدعمها، يقول : “وقد تبيّن ذلك بالفحص في الحيوان، أعني أنه ينبغي أن يكون هناك في النساء حافظات، و ذلك[ حاصل] عند الحيوانات التي شبّهنا بها الحافظ فيما تقدم. و نرى هذا في أنثى الكلاب، فهي تحمي ما تحميه الذكور منها، وتصارع ما تصارع ذكورها، غير أنها أضعف منها في ذلك. و قد جعلت الطبيعة أحيانا للذكر ـ و هو نادر ـ آلة بها يحارب و لم تضعها للأنثى، كما هو عليه الحال في الخنزير ( الوحشي )، و لما كانت الآلات ( = كالأنياب و المخالب ) التي بها تهاجم الحيوانات التي من شأنها أن تهاجم ، هي في الذكر منها و الأنثى في الأغلب علي حدّ سواء، فذلك دليل علي أن الأنثى تفعل هي أيضا نفس ما يفعله الذكر. ” (3)

يحرص ابن رشد إذن علي تأكيد المساواة بين الجنسين ، محاولا البرهنة على ذلك عقليا وتجريبيا ، و لنا أن نتساءل عن سرّ هذا الحرص، و للإجابة نقول : إن ذلك مرتبط بمشروع التجديد السياسي الاجتماعي الذي يطمح إلى جعله حقيقة واقعة بالنسبة لمجتمعه و عصره، فالأمر لا يتوقف مثلما ذكرنا على مجرد تلخيص وجهة نظر أفلاطون في السياسة، و إنما الانكباب علي مشكلات  واقعية تعوق حركة مجتمعه.  فالنظرة الدونية  للمرأة   واستبعاد  النساء من عملية الإنتاج الخ.. عوامل من شأنها جعل المجتمع يتخبط في الفقر و التخلف، لذلك ينتقد  إبقاء المرأة في البيت، و يشير بضرورة خروجها إلي لعمل لتشارك الرجل الأنشطة الفكرية و العملية. فمن أسباب شقاء المدن سجن النساء في البيوت، و اختزال طاقتهن في الحضانة و طهي الطعام و غسل الثياب و خدمة الأزواج، فهن يؤلفن وفق تقديراته ثلثي السكان، فإذا ما أصابت هذا العدد الهائل من الناس البطالة فان المجتمع بأسره سوف يتأثر لا محالة ، يقول : ” و إنما زالت كفاية النساء في هذه المدن لأنهن اتخذن للنسل دون غيره ، وللقيام بأزواجهن ، و كذا  للإنجاب والرضاعة و التربية، فكان ذلك مبطلا لأفعالهن [الأخرى] . و لما لم تكن النساء في هذه المدن مهيئات علي نحو من الفضائل الإنسانية، كان الغالب عليهن فيها أن يشبهن الأعشاب. و لكونهن حملا ثقيلا على الرجال صرن سببا من أسباب  فقر هذه المدن، و بالرغم من أنهن فيها ضعف عدد الرجال فإنهن لا يقمن بجلائل الأعمال الضرورية، وإنما ينتدبن في الغالب لأقل الأعمال  كما في صناعة الغزل و النسيج، عندما تدعو الحاجة إلى الأموال بسبب الأنفاق، و هذا كله بيّن بنفسه. ” (4)

و الواضح من هذه المعالجة للمسألة النسوية أنها تروم إصلاحا سياسيا اقتصاديا اجتماعيا ، فجمهور النساء أضحي على هامش الحياة الاقتصادية جرّاء استبعاده القسري ،  مما جعله يشغل موقعا طفيليا ، يستهلك دون أن ينتج ، مثله مثل الأعشاب الطفيلية ، و للنهوض بالمجتمع تصبح مشاركة المرأة في الإنتاج من خلال انخراطها في العمل متأكدة . و للاتجاه صوب هذا الهدف يحاول ابن رشد إقناع الرجل نفسه بان المرأة التي لا تعمل هي عالة عليه ، فهي تلحق به الأذى اقتصاديا و اجتماعيا .

انه يدعو إلى القطع مع نوع من التعامل مع المرأة أدى إلى تبليد ذهنها، وشلّ طاقتها، فالمجتمع الأندلسي لم يعتن بتهيئة المرأة للأعمال الجليلة، فأصبحت مثل الأعشاب التي تنبت بين الزرع فتلحق الضرر به، فهي تنمو كيفما اتفق، و لا نفع يتأتى منها، و من ثمة يخاطب ابن رشد الرجال، فنزعتهم الذكورية و ما يترافق معها من تهميش دور المرأة هي سبب البلاء الذي يقعون هم بالأخص تحت وطأته.

و هو يعترض صراحة على استبعاد بعض الشرائع المرأة من أن تكون حاكمة و رئيسة ، يقول : “و لما ظن أن يكون هذا الصنف نادرا في النساء ، منعت بعض الشرائع أن تجعل فيهنّ الإمامة ، أعني الإمامة الكبرى ، و لإمكان وجود هذا بينهن أبعدت ذلك بعض الشرائع” (5) . و ابن رشد يستعمل هنا عبارة ” ظن ” لكي يبرز أن الأمر لا يرتقي إلي مرتبة اليقين، و إنما هو من قبيل التخمين و التشكّك، ملاحظا أن تلك “الشرائع ” منعت تقلّد المرأة الرئاسة (الإمامة الكبرى ) بالاستناد إلى ذلك ، أي أنها استندت إلى خلفية مشكوك في صحتها .
وإذا ما أخذنا “الإمامة” في دلالتها الدينية البحتة ونعني بها وظيفة مرتبطة بطقوس يؤديها المؤمنون ضمن الحقل الإسلامي على وجه التحديد، فإننا نتبين أن أبا الوليد كان مدركا أن جمهرة “علماء” المسلمين  ترفضها، وأن الحديث المتواتر بشأنها يقوم على تحريمها ، يقول في ذلك :”اختلفوا في إمامة المرأة، فالجمهور على أنه لا يجوز أن تؤم الرجال، واختلفوا في إمامتها النساء فأجاز ذلك الشافعي، ومنع ذلك مالك وشذ أبو ثور والطبري فأجازا إمامتها على الإطلاق. وإنما اتفق الجمهور على منعها أن تؤم الرجال لأنه لو كان جائزا لنقل ذلك عن الصدر الأول، ولأنه أيضا لما كانت سنتهن في الصلاة التأخير عن الرجال علم أنه ليس يجوز لهن التقدم عليهم لقوله عليه الصلاة والسلام : (أخروهن حيث أخرهن الله) “( 6)  ، فموقفه صريح هنا أيضا، فهو لا يقر من زاوية الشريعة حق المرأة في إمامة الرجال، جريا منه على ما يراه أغلب الفقهاء، هذا إذا أخذنا “الإمامة” في معناها الديني الطقوسي الضيق، رغم كوننا لا نرى أنه كان يقصد هذا المعنى في الفقرة المشار إليها من كتابه تلخيص السياسة وإنما كان يقصد الإمامة بمعناها السياسي.

وإذا ما ذهبنا إلى هذا المعنى الثاني فلا نخاله أيضا إلا مدركا لتحريم الشريعة الإسلامية تولي المرأة الرئاسة (الخلاقة أو الإمامة الكبرى)، وهو الفقيه العارف بأصول الدين وأحكامه، فالحديث واضح “لن يفلح قوم ولّوا أمرهم امرأة” والآية صريحة كذلك “الرجال قوامون على النساء” الخ… غير أنه فلسفيا يريد أن يقول لنا إن النساء يصلحن لتولي الرئاسة وإنتاج الحكمة ولا تعوزهن الفطنة ولا ينقصهن العقل لتحقيق ذلك، وإذا كانت الأديان لا ترى هذا الرأي فإن الفلسفة (أفلاطون/ابن رشد) تقره وتشرعه. وبذلك نحن أمام مفارقة بينة، فأبو الوليد الذي لا يقر شرعيا للمرأة الحق في إمامة الرجال في المسجد، يقر لها فلسفيا الحق في تولى مهمة الحكم في المدينة.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
هوامش
1   ابن رشد ، الضروري في السياسة، مختصر كتاب السياسة لأفلاطون ، نقله من العبرية إلى العربية : أحمد شحلان ،الطبعة الأولي ،  بيروت ، مركز دراسات الوحدة العربية ، 1998 ، ص124

2 م ن ، ص ص 124-125
3 م ن ، ص 125
4 م ن ، ص ن
5 م ن ، ص ن
6   ابن رشد، بداية المجتهد ونهاية المقتصد، ج1، دار القلم، الطبعة الأولى بيروت/لبنان، 1988، ص ص 148-149.

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق