شعبٌ في كتابٍ في جريدةٍ!

أريد لهذه السطورِ، في موضوع المختارات التي وضعها منصف الوهايبي للشعر في تونس وليبيا، أنْ تجادلَ طائفتيْن، طائفة صرّحت بما تراه كتابة في الصحافة التونسيّة وطائفة جمجمت فاكتفت بالتعاليق العابرة ورضيت بالحديث والحديث شجون!   أجادل، في الأولى، قولَ مَنْ تسلّح بالحماسة الزائدة والجراءة على من قام بالاختيار يصل إلى ذكر تفاصيل شخصيّة ليس فيها، رغم ذلك، ما يعيب، ليجرّح اختيار الوهايبي ويرى فيه إساءة للشعر التونسيّ وعملا انتقاميّا من الشعراء التونسييّن ” الذين يكابدون من أجل تجارب شعريّة حقيقيّة ..” بل ويصل إلى القدح في وطنيّة الوهايبيّ لأنّه ” خان الأمانة …وتجنّى على تجارب شعريّة ذات أهمّية..” . حجج هذا الفريق تدور في أغلبها على الأسس التي عليها بنى مختاراته، وهي، كما يذكر هذا الفريق، أسسٌ ذاتيّة وشخصيّة جهويّة إخوانيّة مصلحيّة جنسيّة (!) نفسيّة نرجسيّة موغلة في الإقصاء والتهميش. وأجادل، في الثانية، كلامها الذي فاق فَعالها، أعني، هنا بالتحديد، احتجاجات بعض من الشعراء الذين سقطوا من غربال الوهايبيّ. بين يديْ هاتيْن الطائفتيْن وغيرهما، نريد أنْ نتجاوز، تطويرا للنقاش ما وسعنا وحثّا على تحريك السواكن والتقدّم بهذه المحاورات التي لا غنى عنها لثقافتنا الوطنيّة والعربيّة، الأشخاص لنقارب المشكلة في إطارها العامّ وذلك بالفحص عن أصل الخلاف لنبرز وجاهته بعيدا عن طلب الجدال والسجال بلا طائل وبلا علم أو دراية والعماد عليهما لا على الصفاقة والعنتريّات.

بالرغم من تسليم منصف الوهايبي بأنّ تكليفه باختيار 28 شاعرا من ليبيا وتونس هي دعوة إلى ” قسمة ضيزى “، فإنّه قبل التحدّي، أيضا، وقضى بأن يحتفظ في مختاراته الجديدة بنصف ما أثبته في مختاراته اليمانية: أبناء قوس قزح، مع إضافة شاعريْن. أمّا ما يعنيني فيما قاله الوهايبي فهو تصريحه بأساس اختياره ” كيف يقول الشاعر التونسيّ واللّيبيّ شعريّته في اللّغة العربيّة؟ ولم أفكّر لحظة في شهرة هذا أو ذاك أو في حضوره الإعلاميّ..” أو ما قدّم به لمختاراته على أنّ ” النماذج التي أعرض لها، في خطف كالنبض، تنضوي على اختلافها إلى ” شعريّة الأثر ” أعني أثر اللّغة التي يطويها النسيان أو ما يتبقّى بعد أنْ تُعَفّي الذاكرة كلّ شيء..” إنّ من يوكل إليه مثلُ هذا العمل الصعب ليس قارئًا عاديًّا بل ينبغي أنْ يكون مؤهّلا لمعاناة النصوص الشعريّة وتشرّب أخيلتها والإصغاء إلى أصواتها وتقصّي مساربها ومصادرها ومواردها في القديم ( نعم في القديم ) وفي الحديث، في اللّغة الأمّ وفي اللّغات الأجنبيّة لا أنْ تكون عدّته الشعريّة في هذا الوجود النثريّ ” نصوصُ  ” الرفاق وبعضٌ من الحشف البالي!  قدّرتْ هيأة ” كتاب في جريدة ” في المنصف ذوقه ودرايته وروايته وممارسته في القديم والحديث، وقدّرت فيه بالأساس الرياستيْن، عنيت قول الشعر والتفكير فيه. ولم تكن الضجّة التي ثارت منذ أيّام إلاّ فصلا جديدا قديما من كلّ ضجّة تثور عقب صدور كلّ محاولة في المختارات. لنتذكّر جميعا الضجّة التي أحدثتها مختارات محمّد صالح بن عمر الشعريّة، في تونس، منذ سنوات، وبعده الضجّة التي اتّصلت بمنصف الوهايبي في” مختاراته ” اليمانية الصادرة سنة 2004 : أبناء قوس قزح. الغريب أنّ الشعر التونسيّ كان دوما ” بسوس ” هذه المعارك على عكس السرد مثلاً وقد مرّت مختارات سرديّة قصصيّة وروائيّة قديمة لمصطفى الكيلاني مرور الكرام، بل مرّت مرورا حييًّا مختاراتٌ من القصّة التونسية أعدّها محمّد صالح الجابريّ بالمناسبة ذاتها.

هذه التجربة في الاختيار تعيدنا إلى السؤال الموجّه إلى منصف الوهايبيّ: لمَ ذكرتَ عليّ اللّواتي وخالد النجّار ومحمّد الغزّي وباسط بن حسن ونزار شقرون والصغيّر أولاد أحمد وجميلة الماجري وعبد اللّه مالك القاسميّ ومنصف المزغنّي وحافظ محفوظ وفتحي النصريّ وآمال موسى ويوسف خديم اللّه وعبد الفتّاح بن حمّودة ومنذر العيني. ولم تذكر زبيدة بشير وفضيلة الشابّي وجعفر ماجد ومحمّد الخالدي والطاهر الهمّامي ويوسف رزوقة ومحمّد علي اليوسفيّ وآدم فتحي؟ بل لماذا لم تذكرْ نور الدين صمّود ومحي الدين خريّف والميداني بن صالح ومحمّد العوني.. إلخ إلخ. ويمكن لي، جريا على هذا النحو، أنْ أسأل: ولمَ لمْ تذكرْ مختار اللّغماني وعزّوز الجملي وسوف عبيد ومحمّد أحمد القابسيّ وعبد العزيز الحاجّي ومحمّد البقلوطي ومحمّد رضا الجلاّلي ومحمّد الهادي الجزيري إلخ..إلخ والقائمة لا يمكن أنْ تنتهي، فهي خطبٌ يطمّ وأمرٌ لا يتمّ!

فإذا قال قائل منهم إنّنا لا نناقش في أسس الاختيار في فنّ المختارات إذا كانت هذه المختارات ممّا يُنْشر للحساب الخاصّ أو في سياق بحثيّ لا بتكليف من هيأة ” رسميّة ” ما، فالحقّ أنّ اعتراضا كهذا يزجّ بنا في مواقف ساخرة لم نخترها زاوية لمقاربتنا الجادّة ( إلى حدّ الوقار )، ويحرف بوصلتنا في اتّجاه لم نكنْ نرتئيه. فهذا الرأي يطرح مشكلة أساسيّة كانت في صلب نشأة التأليف عند العرب. هل يؤلّف المؤلّف والمصنّف والكاتب إلاّ تحت طلب حقيقيّ أو مفترض؟ بحسب أصحاب الاعتراض، إذا كان الباعث على تأليف هذه المختارات ذاتيّا كان المؤلّف حرّا في اختياراته، أمّا إذا كان الباعث موضوعيّا فليس لهذا المؤلّف حرّية أنْ تكون مختاراته جزءا من عقله أو قطعة من عقله كما يقولون. لنبدأ باطّراح فكرة افتراضيّة أولى تنضوي في التراجم أعني تراجم الشعراء التونسييّن في الربع الأخير من القرن العشرين، أو الموسوعات أعني موسوعة الشعراء التونسيين الناطقين بلغة الضادّ في الربع الأخير من القرن العشرين!  لنُقْصِ إمكانيّة أنْ تنهض بمشروع وطنيّ عادل ومنصف وموضوعيّ كهذا جهةٌ رسميّة كاتّحاد كتّاب أو بيت حكمة ضمن فريق يعمل بتعاون وتوازن وبتسيير راشد يراعي المصلحة الوطنيّة العليا وإشعاع الثقافة التونسيّة في العالم، ولنفكّر معًا بصوت عال في الحالة التالية: ماذا يصنع منصف الوهايبيّ وإلامَ يحتكم، وقد طلبت منه جهة مّا رسميّة أو شبه رسميّة، ولتكنْ هذه الجهة شوقي عبد الأمير أو محمّد بن عيسى الجابر راعي ” كتاب في جريدة ” أو الفتح بن خاقان أو آل سلمة أو وزارة الثقافة والسياحة اليمنيّة أو حتّى البابطين، أنْ يختار من شعراء العربيّة في ليبيا وتونس كما طُلِب، قبله، من عبد العزيز المقالح وسعد الحميدين أنْ يختارا لشعراء اليمن والسعوديّة ثمانية وعشرين شاعرا؟ كان أمام الوهايبي حُزمةٌ من الفرص كي لا يضيع دمه بين القبائل، فقد أهدر دمَه الأقاربُ وتبعهم في ذلك الأباعد في طرابلس الغرب لأنّه آثر على الشعراء اللّيبييّن بني وطنه فخصّ اللّيبييّن باثنيْ عشر مقعدًا واستأثر التونسيّون بالمقاعد الستّة عشر.  كان عليه أنْ يتستّر بالصدفة فيلجأ، مثلاً، إلى القرعة بين أكداس الشعراء فمن كان صاحب حظّ وجد طريقه إلى مختاراته، ومن كان حظّه عاثرا سقط منها. ومن هذا السبيل لا تُحملُ الملامة إلاّ على عبث المقادير. الطريقة الثانية أكثر ” موضوعيّة ” و” عقلانيّة ” فهي لا تؤمن بالصدفة ولا بالحظّ هي الطريقة الديمقراطيّة التي تعتمد أساس الديمقراطيّات: الصندوق. توضع أسماء الشعراء التونسيّين في الربع الأخير من القرن العشرين على قائمات ثلاث، وبحساب قائمة عن كلّ عقد. يتّجَه، بعد ذلك، إلى حملة انتخابيّة تتوّجها عمليّة أولى للتصويت السرّي والمباشر من قبل الجماهير الشعبيّة لاختيار القائمة الشعريّة الفائزة. ثمّ، يقع الالتجاء إلى دور ثان توزّع فيه القائمة الفائزة إلى قائمات بحساب أربعة عشر شاعرا عن كلّ قائمة انتخابيّة ليتمّ، بعد حملات انتخابيّة مناسبة وجماهيريّة، الإعلان عن القائمة الفائزة بمقاعد في ” كتاب في جريدة “. على أنّ هذه الطريقة الديمقراطيّة ليست بمنجاة عن المصاعب الجمّة لعلّ أهمّها الصعوبة الهيكليّة في إعداد مثل هذه الانتخابات الحرّة والمباشرة لسبب بسيط وهو أنّ عدد المترشّحين من شعراء تونس وشاعراتها يفوق عدد المقترعين بل ويفوق عدد الناخبين المفترضين أصلاً. الطريقة الثالثة طريقة يمكن وصفها بالديمقراطيّة الشعبيّة أي تلك الديمقراطيّة التي تخلّصت من حمولتها اللّيبراليّة. وتتمثّل هذه الطريقة في اعتماد التمثيليّة النسبيّة لأجيال الشعراء السبعينييّن والثمانييّن والتسعينييّن بحسب مقاييس أكثر عدالة كالجنس والجهة والعمر والمهنة. مزيّة هذه الطريقة في فنّ المختارات تحقيق مزيد العدالة الاجتماعيّة بيْن الشعراء ولكنّ ومحاذيرها كثيرة أهونُها تضخّم متون المختارات وتورّمها بما يفوق اشتراطات هيأة ” كتاب في جريدة ” وهو العدد 28. أمام وضع محرج لا يحسد عليه مَن حُمِّل ما حُمِّله منصف الوهايبي ليس ثمّة إلاّ حلّ واحد ووحيد: الانكباب فورا على سجلاّت الحالة المدنيّة في تونس (والزمن زمن الحواسيب) وتبويب أسماء النفوس – كما يقول أشقّاؤنا العراقيّون – تبويبا ألفبائيّا في مرحلة أولى. ثمّ لن يعدم منصف الوهايبي، بعد ذلك، نصوصا لتلك النفوس منشورة على صفحات الجرائد الوطنيّة والعربيّة أو نصوصا ضمّتها المجاميع هنا أو هناك، فيصنّف أصحابَها، وهو الخبير، إلى تلك القسمة العادلة: شاعر وشويعر وشعرور. أليس الشعب التونسيّ الشاعرُ بأسره المبدعُ بطبعه جديرا بـ” كتاب في جريدة “؟

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق