في الافتراضي

يبدو أن نقل اللفظ الفرنسيvirtuel إلى اللغة العربية استمد من استعماله في مجال البصريات حيث تقابل الصورة الافتراضية الجسم الواقعي الذي يوضع أمام المرآة، تلك الصورة التي يفترض قيامها خلف، على بعد يعادل بعد الجسم عن المرآة، والتي يفترض أنها مصدر الأشعة التي تنعكس أمام المرآة فتوهمنا بوجود صورة عنا.

هذا النقل من مجال البصريات حمل معه معاني ظلت مرتبطة بمفهوم الافتراضي من حيث انه أقرب إلى الافتراض والوهم والخيال، ومن حيث انه يقابل الواقع ويعارضه.

صحيح أن الأصل الاشتقاقي للفظ الفرنسي يحيل إلى الوجود بالقوة في مقابل الوجود بالفعل، إلا أن الافتراضي ليس مجرد وهم وخيال. وهو ليس حتى مجرد إمكان. فهو يختلف عن الإمكان مثلما يختلف الراهن عن الواقع. ذلك أن الممكن، كما يقول دولوز، يكون جاهزا في انتظار التحقق، إنه على كامل الاستعداد لكي يتحقق. لذا فهو ساكن قار. الممكن يقابل الواقع، أما الافتراضي فيقابل الراهن. ولكي يصبح الافتراضي راهنا يكون عليه أن يواجه صعوبات ويحل مشاكل، يكون عليه أن يجدد ويبدع. الممكن مركب من حلول، أما الافتراضي فمن إشكالات. الافتراضي فتح للراهن على السؤال. لذا فهو حركة وترحال. إذا كان تحقق الممكن تحققا لما سبق تحديده، فإن تحقق الافتراضي إبداع حل لما يطرحه مركب الإشكالات.

الممكن يقابل الواقع ويعارضه، أما الافتراضي فيتوفر على “واقعية” تجعله نمطا من الوجود يتمتع بخصوبة وقوة يفتحان آفاقا ويحفران عن دلالات فيما وراء سطحية المادي المباشر. فأن يغدو الراهن افتراضيا ليس هو أن يتخلى عن واقعيته، وإنما أن يستبدل هويته ويزحزح مركز ثقله. فبدل أن يتحدد الكيان براهنه، بدل أن يتحدد كحل، فإنه يتحدد كإشكال. بدل أن ينغلق على ممكناته، فإنه ينفتح على دينامية السؤال.

أن تغدو المقاولة افتراضية، على سبيل المثال، هو أن تصبح الأبعاد المكانية والزمانية للعمل إشكالا قائما على الدوام، ومسألة لا تنفك تطرح، عوض أن تكون حالة قارة. فبدل أن تكون حلا، تغدو مشكلا، أو مركبا من المشاكل. تغدو المقاولة افتراضية إذا لم يعد مركز ثقلها مجموعة قارة من المؤسسات ومن مناصب الشغل ومن جداول الزمن، وعندما تصبح حركة تنسيق تعيد بصفة مسترسلة ومتباينة توزيع الأبعاد المكانية والزمانية لمجموعة العمل بدلالة إكراهات ما تفتأ تتجدد.

ليست الافتراضية إذا انتقالا من واقع إلى ممكنات، وهي ليست بالأوْلى إلغاء للواقع، وإنما هي إعادة نظر في المفهوم التقليدي للتحديد والهوية، وإقحام للممكن “داخل” القائم. إنها خلخلة للراهن وانفتاح للكائن على السؤال.

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق