قطع ولصق Cut and Paste فضاءات افتراضيّة متعدّدة لآلام الفرادة وأحلامها

قطع ولصق هي إمكانيات تمنحها العوالم الافتراضية للإنسان في علاقته بالكمبيوتر لنقل النّصوص والمعلومات والأشياء من مصادرها إلى وجهة ما. قد تبدو الحركات آليّة في ظاهرها، مختلفة عن العلاقة القديمة بأشكال التّعبير، ولكنّها في أعماقها محاولة أخرى لاستعادة حياة اللّغة التي تبقى مع ذلك مستعصية على الإدراك أبدا.

وفي علاقة الإنسان بالكمبيوترهذه تنفتح آفاق لا متناهية للتّعبير فتتواصل الأصوات المتشابهة أو المتنافرة وتتجمّع المرجعيّات قديمها وجديدها وتهاجر النّصوص من نسق إلى آخر ومن حيّز فرادة إلى حيّز آخر. إنّنا أمام فراغ كونيّ هائل يمكن لكلّ إنسان أن يملأه بما يشاء من نتف نصوص ومعلومات ولحظات حياة. فراغ يتحرّك فيه كلّ إنسان بحرّية ولا يحتاج فيه إلى سلطات تحدّد مستويات القول وتسند صكوك الاعتراف بالتمكّن من أسرار اللّغة لمن تشاء.

لقد منحت العوالم الافتراضيّة لجموع الافتراضييّن فرص حرّيات لا مثيل لها. حرّية أن تلعب لعبتك الخاصّة مع المرجعيّات فتقتطع نتفا منها وتخلط صفاءها مع أفكارك وأوهامك وأحلامك وكوابيسك الخاصّة. حرّية أن تنسخ ما شئت من أنساق التّعبير المكرّسة والمهيمنة وتمتلكها في لحظات تعبيرك لتخدم لحظات رغباتك الوقتيّة الزّائلة. حرّية أن تتجاوز حدود الوقت والمكان لتعيش لحظات عيش الآخرين وتطلّ على هوّة أسرارهم. حرّية أن تحسّ بامتلاكك للمعلومة وأن تخدم بها مصلحة استهلاكيّة زائلة أو تصارع بها نسقا تسلّطيا ما. حرّية أن تحيا عزلتك وأن تبحث عن عزلات أخرى في أماكن قصيّة. حرية أن تبني علاقات افتراضيّة مع جموع تشاركك وهما يبدأ افتراضيّا ثم قد يتحوّل إلى مشاريع يصفها البعض بالشرّ أو الخير وبالبناءة أو الهدّامة حسب الظّروف والحالات.

لقد تجاوز الافتراضيّ حدود مهمّته الأولى كخازن ومنظّم ومصنّف للمعلومات بواسطة الكمبيوتر، وتحوّل إلى غاية في حدّ ذاته، أي الى حرية مطلقة أو وهم حرية مطلقة، تنبني من خلاله علاقات جديدة للإنسان مع ذاته ومحيطه. فبواسطة المدوّناتBlogs Youtube واليوتوب مثلا يقتطع الأفراد لحظات من وجودهم ووجود الآخرين ويلصقونها في وعاء فراغ هائل تتوالى فيه صفحات لغة لا تنتظم من خلال سلطة تقليديّة معلومة. إنّها الفرادة في كامل عزلتها تتجاور مع المشترك وتحاوره بدون قصديّة حوار في غالب الأحيان. إنّها كذلك مسرحة كونيّة غير مسبوقة لكلّ ما يعتمل في الذّوات. يكفي أن يتصفّح الإنسان بعض المدوّنات ويشاهد عددا من الفيديويات المحمّلة على اليوتوب حتّى يصاب بدوار الحيوات الممنوحة بكلّ حرّية وينتشي بالخيال المبدع واللّغة السّاخرة من كلّ أنواع المحرّمات ويرتعب أيضا من آلام الأفراد المسفوحة على الصّفحات والعنف والتّطرّف وإعادة إنتاج علاقات التسلّط وتباشير الجريمة.

ذلك أنّنا أمام واقع معقّد يقوم فيه الافتراضيّ بضبط إيقاع معادلة قديمة/جديدة بين رغبة الإنسان في رعاية فرادته واكتشاف إمكانيات التحرّر الفرديّة والجماعيّة وبين الخضوع إلى أنماط استهلاك الحياة الخاصّة وحياة الآخرين. واقع تتبادل فيه رغبات التّحرّر واستلاب الأدوار وتبدو فيه تجارب العيش الأصيلة لحظات نادرة في كمّ صفحات الحياة المقتطعة من سياقاتها والملصوقة في سياقات آلة الصّدفة الافتراضيّة.

ولقد أدرك الذين بلوروا موقع “كتاب الوجوه”Facebook رغبة الكائن الافتراضيّ في مزيد تعرية الذّات ومنح ثمار كانت تبدو مخبّأة في جنان الفرادة أو في جحيمها إلى حيّز العامّ والمشترك. لقد أدركوا أنّ ما تفصح عنه الوجوه للآخرين ليس مجرّد لعبة بسيطة تجري بواسطة الكمبيوتر بل هو كتاب أرواح يفتح فيتصفّحه من يشاء ويهتك أسرار الحيوات التي يشتهي. لقد طوّر كتاب الوجوه أو الأرواح مجالات الافتراضي ليرتاد مناطق أكثر إثارة وخطورة. فهذه المواقع التي تسعى إلى “بناء علاقات اجتماعيّة” من خلال الافتراضيّ أصبحت تشجّع المستعملين لمزيد التّضحية بخصوصيّاتهم وبحياتهم الشّخصيّة. ويتطلّب تحقيق مفهوم بناء “العلاقات الاجتماعيّة” في هذه المواقع أن يكشف الإنسان عن أقصى حدّ ممكن من تفاصيل حياته الخاصّة ليحصل على تفاصيل حياة الآخرين.

إنّنا نشهد بناء فضاءات متعدّدة للمشترك لا تحكمها إيديولوجيات مطلقة أو مشاريع تحرّريّة كبرى سبق وأن قادت الأفراد والجموع. فضاءات تحقّق إمكانات هائلة للتّعبير الحرّ وتشيع احساسا غير مسبوق بفرح اكتشاف أبعاد كانت حكرا على الذّوات العالمة التي طالما امتلكت لوحدها متعة سلطتي المعرفة واللّغة.

ولكن وراء الفضاءات الافتراضيّة وآفاقها التّحرّرية الممكنة تقبع أسئلة أخلاقيّة وسياسيّة وحقوقيّة أساسيّة. فهل يمكن للافتراضيّ أن يجيب عن أسئلة أحلام الفرادة وآلامها وعريها الوجوديّ الكاسح بعد انسحاب المشاريع الكبرى وتحلّل وعودها؟ وهل يقدر الافتراضيّ على تنظيم إيقاع العلاقة بين الحيّز الخاصّ والحيّز العامّ لكي لا تتحوّل جنّات “العلاقات الاجتماعيّة” الافتراضيّة الى جحيم اغتراب دائم ومطلق والى عزلة استهلاك سلبيّ وعنيف لحيوات الآخر؟ وهل يمكن للمشترك الذي بدأ يتحسّس طريقه أن ينجو من سلطات المال والاستهلاك التي تعشّش في ثنايا الافتراضيّ ليبني تجارب أصيلة للتّحرّر؟ وكيف سيتعامل الكائن الافتراضيّ مع سلطات السّياسة والإيديولوجيا التي تسعى إلى تطوير أدوات جديدة لمراقبة الفضاءات الافتراضيّة وإسكات الأصوات الاحتجاجيّة المبدعة والأقلّ إبداعا؟

هذه الأسئلة وغيرها تزداد حدّة حين يفرض سؤال حقوق الإنسان نفسه في النّقاش الدّائر حول العلاقة بين إمكانيات التّحرّر التي تقترحها العوالم الافتراضيّة وقضيّة حماية الحريات الشّخصيّة والمسؤوليّة القانونيّة. ففي حالة كتاب الوجوه Facebook هناك تهديد حقيقيّ للحياة الشّخصيّة للأفراد الذين يطرحون جوانب ومعلومات خاصّة عن حياتهم. فلا توجد حاليّا ضوابط أخلاقيّة وقانونيّة مكرّسة لحماية الأشخاص من سوء استغلال المعلومات التي يكشفونها ومن تحويلها لخدمة أغراض مشبوهة أو من استعمالها ضدّهم. وهناك كذلك خشية حقيقيّة من أن تتحوّل صفحات كتاب الوجوه إلى مصدر معلومات للتسلّط على الأفراد ومراقبتهم.

كما يطرح سؤال حقوق الإنسان بإلحاح ونحن نشهد تزايدا للمواقع التي تبشّر بخطابات التّعصّب والكراهيّة والتّمييز والعنف والإرهاب وتعدّ الأجيال لحروب إقصاء الآخر وقتله.

إنّ حقوق الإنسان مثلها مثل العوالم الافتراضيّة في مفترق طرق يستوجب انتباها أخلاقيّا وسياسيّا وقانونيّا جديدا لمزيد توضيح العلاقة بين التحرّر والمسؤوليّة ولبلورة رؤية بيداغوجيّة مبدعة للعلاقة كذلك بين رغبة التّحرّر ومتطلّبات بناء الحقّ في التّحرّر.

قطع ولصق هو عنوان لسؤال حضاريّ في زمن تهافتت فيه المشاريع الكبرى وهجرت فضاءات آلامنا وأحلامنا. قطع ولصق هو جوهر العوالم الافتراضيّة ولكنّها عمليّة تكاد تنسحب على كلّ تعبيرات وجودنا. فالخطاب السّياسيّ تحوّل إلى صفحة فسيفساء هائلة تقتطع فيها الأفكار والشّعارات وتلصق في كولاج هائل يجمع في نفس الخطاب بين شعارات الدّيمقراطيّة وحقوق الإنسان والاشتراكيّة والدّين السّياسي والقوميّة بجميع أصنافها. أمّا الخطاب الدّينيّ فقد تحوّل بدوره إلى قطع ولصق لنتف من مرجعيّات الدّين “الأزليّة” والتديّن الشّعبيّ ودين الفضائيّات والخطابات الجهاديّة الصّريحة حينا والخجولة أحيانا أخرى ومرجعيّات الدّيمقراطيّة وحقوق الإنسان الحديثة. أمّا تعبيرات الفنّ، “غذاء الأرواح” فتهيمن عليه صور كليبات مقتطعة من عوالم أخرى وديجيات DJ طريفين احتلّوا تدريجيّا مواقع “كوكب الشّرق” و”العندليب الأسمر”. أمّا خطاب الاقتصاد فهو خليط لنظريّات ليبراليّة واشتراكيّة وعولمة وحمائيّة في واقع يزداد فيه الفقر والتّفقير وثقافة الفساد.

قطع ولصق هو عنوان غياب المرجعيّات والقيادات والرّموز ولكنّه في الوقت ذاته مرحلة مرحلة يُتم مفتوح على كلّ الاحتمالات.

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق