المسيح الدجّال في كتب أحاديث أهل السنّة

يحوز المسيح الدجّال مكانة هامة في كتب الأحاديث. يذكر باسم الدجّال وباسم المسيح الكاذب. وما تقدّمه كتب الحديث حوله فيها اختلاف كبير، إذ تثبت أحاديث كثيرة أنّ المسيح الدجال وجد قبل عهد محمّد ولكن لم يؤذن له بالظهور(1). وتذكر بعض الأحاديث أنّ ظهوره لن يتأخر كثيرا عن زمن النبوّة(2)،وتذهب أحاديث كثيرة إلى أنّه سيظهر قبل قيام السّاعة بقليل. وتؤكد أخرى أنّ ظهوره سيكون علامة على غلق باب التوبة(3).

وتختلف الأحاديث حول مكان ظهوره، فتذكر رواية أولى أنّه يظهر بين الشّام والعراق(4)، وتذكر رواية ثانية أنّه يخرج من أرض من المشرق يقال لها خراسان(5)، وتذكر رواية ثالثة أنّه يخرج من أصبهان(6). وتذهب أحاديث كثيرة إلى أنّ المسيح الدجال سيطأ كلّ البلاد إلاّ مكّة والمدينة وبيت المقدس.

وتعتني الأحاديث بحدث ولادته، فتذكر أنّ أبويه يمكثان ثلاثين سنة لا يولد لهما ثم يولد لهما غلام “تنام عيناه ولا ينام قلبه”(7). وتعتني هذه النّصوص كذلك بصورة المسيح الجسديّة، فيذكر الكثير منها أنّه شاب(8) أعور العين اليمنى، وتذكر أحاديث قليلة أنّه أعور العين اليسرى،(9) وهو حسب روايات عديدة أجعد الشّعر قطط أحمر أقمر جسيم(10). وفي رواية أخرى قصير أفحج(11)، أزهر كانّ رأسه أصلة(12)، “مكتوب بين عينيه كافر يقرؤه كلّ مؤمن”(13).

وتهتم كتب الحديث بصفات المسيح الدجال الجسديّة كما تهتم بحيثيات قدومه. فتذكر روايات عديدة أنّ المسلمين سيكونون زمن ظهور المسيح الدجّال منهمكين في قتال أعدائهم من الرّوم(14). إذ يتزامن ظهور المسيح الدجّال مع فتح القسطنطينيّة(15). وللمسيح الدجال معجزات عديدة فهو قادر على إحياء الموتى، و”يأمر السّماء فتمطر والأرض فتنبت”(17)، ويكون مع الدجّال إذا خرج “ماء حارق ونار باردة”(18) و”جبال من خبز وشياطين تتكلّم”(19) وملكان(20). ويعلن المسيح الدجال نفسه نبيا ثم ربّا، فيصدّقه عدد كبير من النّاس وخاصة “النساء واليهود”(21)، ويحاول المسيح الدجّال أن يدخل المدينة فتصدّه الملائكة، فيمكث قريبا منها، فيخرج له المنافقون ويصدّقونه(22)، ويكون “أكثر من يخرج إليه من النّساء”(23)، ثم يخرج له رجل هو خير النّاس، فيجادله، ويكشف كذبه، فيريد المسيح الدجال قتله فلا يسلّط عليه(24)، وهذا الرّجل هو الخضِر حسب بعض الأحاديث(25).

ويمكث المسيح الدجال مدّة زمنيّة : “قلنا يا رسول الله ما لبثه في الأرض قال: أربعون يوما، يوم كسنة، ويوم كشهر، ويوم كجمعة، وسائر أيّامه كأيّامكم”(26). فيفتن معظم النّاس، ويفرّ المسلمون إلى جبل الدخان أو إلى بيت المقدس(27)، فيأتيهم ويحاصرهم فيشتد حصارهم فيبعث الله المسيح عيسى ابن مريم فيقتله بأرض الشام(28)، بباب لدّ(29).

لم يذكر النّص القرآني المسيح الدجّال بصريح اللّفظ،، ولم يرد في القرآن ما يمكن أن يفهم منه على أنّه حديث عن المسيح الدجال. ولكنّ هذا لم يمنع كتب الحديث من أن تجعله موضوعاً رئيسياً لها، فذكرت عنه أخباراً كثيرة تتعلق بجوانب عديدة من ميلاده وسيرته وموته، وهي أخبار يغلب عليها العجيب والخارق، وتعكس الخصائص الذهنية للمجتمع العربي الإسلامي المبكر ومشاغله. فالمخيال الجماعي كان يتوقع نهاية الدنيا وقيام السّاعة في زمن قصير، وضمن المعطيات التاريخيّة التي حفت بظهور الإسلام وانتشاره (الصراع مع الرّوم، الجدال مع النصارى حول المسيح عيسى بن مريم )، ولهذا كانت الأخبار المتعلقة بشرائط قيام الساعة تلقى رواجاً كبيراً بين النّاس. واختار المخيال الجماعي أن يكون المسيح الدجال أعجميا من ناحية صفاته الجسديّة، أعور لأنّ العور في التصور العربي الإسلامي علامة حرف. وتبدو صورة المسيح الدجال قريبة إلى حدّ كبير من صورة إبليس. أغرى إبليس آدم وزوجه، فأكلا من الشجرة الحرام، ففارقا الجنّة، وبدأت مسيرة الإنسان فوق الأرض، وجاء الأنبياء والرسل لهداية الإنسان ليستحقّ العودة إلى الجنّة من جديد، فيأتي المسيح الدجّال (إبليس الأرض) لفتنته من جديد. وتبدو صورة المسيح الدجال قريبة من صورة “البطل المزيّف” كما ترد في الخرافات والأساطير، فهو يتقمّص دور المسيح المنقذ، ويظهر قوّة خارقة ويحقّق انتصارات سريعة، وعندما يظهر البطل الحقيقي “المسيح عيسى بن مريم”، تنتهي تجربة المسيح الدجال، و”يذوب كما يذوب الملح في الماء “.

فكرة الأنبياء الكذّابين والدجّالين فكرة قديمة في القصص الديني، تحدّث عنها العهد الجديد(30)،ومنه استقاها المخيال الإسلامي، وردّدها الرّواة والقصّاص، ودوّنتها كتب الأحاديث ناسبة إيّاها إلى النّبي محمّد.

1- سنن أبي داود، حديث 4327 (الملاحم) موسوعة الحديث الشريف. قرص مضغوط. المجلس الأعلى للشئون الإسلاميّة وزارة الأوقاف، جمهوريّة مصر العربيّة (د ت).

2- سنن الترمذي ،حديث 2399 (الفتن).

3- صحيح مسلم، حديث 417 (الإيمان).

4- صحيح مسلم، حديث 7560 (الفتن وأشراط السّاعة).

5- سنن الترمذي، حديث 2403 (الفتن).

6- مسند أحمد، حديث 13690 (مسند أنس بن مالك).

7- مسند أحمد، حديث 21043 (حديث أبي بكرة).

8- سنن ابن ماجة، حديث 4213 (الفتن).

9- مسند أحمد، حديث 20711 (حديث سمرة بن جندب).

10- صحيح البخاري، حديث 7026 (التعبير).

11- سنن أبي داود، حديث 4322 (الملاحم).

12- مسند أحمد، حديث 2184 (مسند عبد الله بن عباس).

13- صحيح البخاري، حديث1555(الحج).

14- صحيح مسلم، حديث 7463 (الفتن وأشراط السّاعة).

15- سنن أبي داود، حديث 4297 (الملاحم).

16- صحيح البخاري، حديث 1882 (فضائل المدينة).

17- صحيح مسلم، حديث 7560 (أشراط السّاعة).

18- صحيح البخاري، حديث 3450 (الأنبياء).

19- مسند أحمد، حديث15341 (مسند جابر بن عبد الله).

20- مسند أحمد، حديث 22569 (حديث أبي عبد الرحمان سفينة).

21- صحيح مسلم، حديث 7579 (الفتن وأشراط الساعة).

22- صحيح البخاري، حديث1881(فضائل المدينة).

23- مسند أحمد، حديث 5477 (مسند عبد الله بن عمر).

24- صحيح البخاري، حديث7132 (الفتن).

25- صحيح مسلم، حديث 7562 (الفتن وأشراط السّاعة).

26- صحيح مسلم، حديث 7560 (الفتن وأشراط الساعة).

27- مسند أحمد، حديث 20711 (من حديث سمرة بن جندب).

28- مسند أحمد، حديث 9404 (مسند أبي هريرة).

29- مسند أحمد، حديث 15865 (حديث مجمع بن جارية).

30- إنجيل متّى 24/24.

إنجيل مرقس 13/22.

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق