الأكراد السوريون: من العزلة إلى الجماعة الوطنية

عاش الأكراد السوريون طويلاً إلى جانب غيرهم من المواطنين السوريين، دون أن يشعروا بالسياسات التمييزية، وقد ساعد في ذلك جملة معطيات، أساسها تقارب الأسس السياسية -الاقتصادية والاجتماعية التي تحيط بالأكراد وغيرهم من السوريين في وقت لم تكن فيه مشاكل جدية تواجه تعبير الأكراد عن خصوصياتهم الثقافية والحضارية مثل موضوع استخدام اللغة الكردية و ممارسة عادات وتقاليد اجتماعية واحتفالات تخصهم، بل إن بعض الأكراد اندمج في الأحزاب السياسية والمنظمات الاجتماعية القائمة، لاسيما في الحزب الشيوعي السوري الذي كان وجود الأكراد فيه ظاهراً.

غير أنه ومنذ النصف الثاني من خمسينات القرن العشرين، أخذت ملامح وضع جديد تتبلور في أوساط الأكراد السوريين نتيجة تصاعد الحركة القومية. إذ تعززت الاتجاهات القومية في الأوساط العربية مع السير نحو الوحدة السورية – المصرية بالتوازي مع قيام أكراد سوريين بتشكيل أول حزب سياسي يخصهم في سوريا عام 1958 هو الحزب الديمقراطي الكردستاني، وقيام الاثوريين السوريين بتشكيل المنظمة الاثورية في سوريا في العام ذاته.

وتبع تعزيز الاتجاهات القومية في أوساط السوريين قيام السلطات المحسوبة على الاتجاه القومي العربي بتبني سياسة هدفها إعادة ترتيب الأوضاع الديمغرافية والسياسية في مناطق شمال شرق سوريا، التي يشكل الأكراد جزءاً مهماً من سكانها، وكان جوهر هذه السياسة يقوم على أربعة مفاصل، أولها، إجراء تبدلان ديمغرافية من خلال نقل مواطنين عرب من مناطق مختلفة إلى المناطق الكردية أو المختلطة، والثاني، نزع الجنسية السورية عن بعض الأكراد، وعدم تسجيل المكتومين منهم، وكلاهما هدفه تعديل الموازين الديمغرافية، والثالث تعريب أسماء بعض القرى والمناطق ذات الأسماء الكردية أو الاثورية القديمة، والرابع، تقييد حق الأكراد في استخدام اللغة والأسماء الكردية في حياتهم اليومية، وممارسة سياسات اضطهادية في بعض المناطق.

لقد عبر مشروع الحزام العربي في منطقة الجزيرة السورية، والإحصاء السكاني الذي أجري في الجزيرة عام 1962 عن الأهمُ في سياسات تشدد السلطات السورية إزاء مواطنيها الأكراد في تلك المنطقة، وهي سياسة مدت تأثيراتها السيئة إلى مناطق أخرى يسكنها أكراد كما في مناطق حلب، واستمرت تلك السياسات متواصلة حتى الوقت الحالي، حيث خلقت تراكماتها للسوريين قضية بات حلها في أولويات العمل الوطني، هي قضية الأكراد السوريين، وجوهرها الحرمان من الجنسية والحرمان من حقوق المواطنة.

أدت السياسة الرسمية إزاء الأكراد في أحد جوانبها إلى انكفاء وتمايز كردي، وتعزز هذا الميل مع توجهات الأحزاب الكردية التي نشطت في أوساط الأكراد بعد أن شهد الحزب الأم انشقاقات متعددة، غطت تنوعات ميول الأكراد على اختلاف توجهاتهم، وقد زاد على ذلك خروج اغلب الأكراد الذين ساهموا في تجارب سياسية غير كردية من أحزابهم، للالتحاق بالأحزاب الكردية، ومع حلول فترة الثمانينات، كان الأكراد السوريون قد دخلوا في عزلة سياسية عن محيطهم الوطني، وأصبحوا يشكلون حالة سياسية مميزة في الواقع السوري، ولا ينقص من تلك الحقيقة قيام السلطات باختيار بعض قادة الأحزاب الكردية لعضوية مجلس الشعب السوري.

وجاء التطور الأخطر في عزلة الأكراد السوريين من خلال ربطهم بنشاط التجمعين الكرديين المجاورين في تركيا والعراق، وفي الحالتين، كانت الجماعات الكردية في البلدين الجارين لسوريا، تناهض السلطات القائمة هناك، وتسعى إلى الاستقلال عنها من خلال العمل العسكري الذي كانت تعبيرته في تركيا حزب العمال الكردستاني بزعامة عبد الله أوجلان، فيما كان الأهمُ في تعبيراته العراقية الاتحاد الديمقراطي الكردستاني بقيادة جلال طالباني والحزب الديمقراطي الكردستاني بزعامة مسعود برزاني، وقد أتاحت السلطات السورية حرية الحركة والنشاط لهذه الجماعات في وسط الأكراد السوريين، وأمُنت لهم قاعدة دعم كبير، وساعدت بشكل خاص حزب أوجلان في عملياته ضد تركيا، وكان بين مقاتليه أكراد سوريون، وهكذا جرى استيعاب وتنظيم ما تبقى من جمهور الأكراد ممن لم ينضموا إلى الأحزاب الكردية في سوريا، أو ينخرطوا في فضائها السياسي.

لقد دفعت السياسات السورية الأكراد إلى توجيه أنظارهم للخارج حيث تتبلور ملامح مشروع قومي كردي في العراق وفي تركيا، مما يعني تخفيفـ ـ إن لم نقل قطع أواصرـ علاقة الأكراد مع الداخل السوري الذي يحسون تجاهه بغبن العلاقة من جهة، ويجعل الأكراد تحت سيف المساءلة عن علاقتهم مع أكراد العراق وتركيا من جهة ثانية، وأدت تلك السياسة بطريقة غير مباشرة إلى نمو نزعات عنصرية في أوساط الأكراد موازية للعنصرية العربية، كان من نتائجها انقطاع سبل التواصل بين الأكراد والعرب، وشمل الانقطاع العلاقات بين الجماعات السياسية الكردية والعربية.

لقد فتح الحراك الثقافي والاجتماعي الذي شهدته سوريا في العام 2000 الباب أمام فك عزلة الأكراد عن الجماعة الوطنية، وجاء في هذا السياق عدد من المبادرات، كان أبرزها قيام مثقفين سوريين بالاتفاق مع سياسيين أكراد على عقد ندوات بحثت القضية الكردية في سوريا، ثم جاءت مبادرة أخرى، عندما دعيت جماعات سياسية كردية للمشاركة في أنشطة لجنة التنسيق التي شكلتها جماعات سياسية واجتماعية للإشراف على نشاطات عامة، ثم كانت المبادرة الأهمُ خلال أحداث آذار 2004 بمدينة القامشلي وأدت إلى صدامات بين مواطنين أكراد وأجهزة الأمن، ترتبت عليها نتائج مؤسفة على خلفية مباراة كرة قدم شهدتها المدينة، وقد تجاوزت المبادرة استنكار سلوك السلطات وإدانته إلى التضامن مع المواطنين الأكراد في محنتهم، وتشكيل وفد واسع الطيف من مثقفين وحقوقيين وسياسيين زار مدينة القامشلي وجوارها وعمل على تهدئة الأوضاع من خلال اتصالات مباشرة مع مختلف الفعاليات في المنطقة.

ووجدت هذه المبادرات صداها بين الأكراد والعرب وبين الجماعات السياسية في الجانبين فقربت بينهما، وعززت رغبة الجانبين في إنهاء مرحلة العزلة التي أحاطت بالأكراد، ومهدت لمرحلة لاحقة عندما فتح باب الحوار من اجل تحالف للتغيير الوطني الديمقراطي في سوريا، شارك فيه ممثلون عن مختلف الجماعات السياسية والمدنية بما فيهم جماعات كردية وأثورية، وأدى إلى ظهور إعلان دمشق في خريف العام 2005 الذي انضوت في إطاره سبع جماعات سياسية كردية أنهت عزلتها عن الحياة السياسية في سوريا، وأكدت أنُ الأكراد جزء أساسي في الجماعة الوطنية السورية على نحو ما تضمنته الوثيقة الأساسية لـ”إعلان دمشق”

إن أسبابا كثيرة جعلت من “إعلان دمشق” خطوة مهمة في الحياة السورية، لكن أهم هذه الأسباب، يكمن في انه كسر جدران العزلة بين مكونات الجماعة الوطنية، التي كرستها السياسة الرسمية طوال عقود متواصلة ، وقد أضاف “إعلان دمشق” إلى ما سبق إعادة جمع مكونات الجماعة الوطنية السورية على قواعد الحق والعدل والحريات والمواطنة في إطار دولة القانون.

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق