الرخاء و الفكر
جان-فرانسوا دورتيي

ولدت الفلسفة و العُملة في المكان و الزمان نفسهما : في اليونان القديمة، حوالي 590-580 قبل الميلاد، حيث ظهرت العملات الأولى “نتيجة اتفاق وقع إبرامه بين بعض المدن الإيونية من بينها  ميليتس وأفسس، من جهة و بين مملكة ليديا من جهة أخرى بغاية إحداث وسيلة للدفع تكون متداولة في جميع هذه الأقطار”.(1)  و في هذا المكان أيضا ابتكر طاليس و رفاقه طريقة تفكير جديدة سميت في ما بعد “فلسفة”.  بيد أنها لم تكن مجرد مصادفة أن يتجاور طاليس (الذي كان فضلا عن ذلك تاجرا ثريا) مع الملك الغني كريزوس. فانطلاقة الفكر كانت تتطلَب وجود إمكانيات : مدارس مشهورة لتكوين النخب و مكتبات و أدوات للقياس وكذلك سجالات فكرية.

انتقل بعد ذلك مركز الإنتاج الفكري نحو أثينا حيث تحققت المعجزة الإغريقية خلال فترة  النهضة التجارية الكبرى التي كانت هذه المدينة اليونانية محورا لها  ما بين سنوات 600 و200 قبل الميلاد.(2)

ثم انشعب التاريخ إثر ذلك. فالعلم الإغريقي لم يستمر بعد انهيار الإمبراطورية اليونانية، و تلك لعمري قاعدة عامة فعند ما تنهار الإمبراطوريات تضمحل معها البؤر الفكرية التي تطعّمت بها. فلا تواصل الأفكار عيشها إلا إذا نجحت في الانتشار كي تولد من جديد في مكان آخر. لذلك وصلتنا كتابات أفلاطون أو اقليدس (العناصر) بينما اندثرت إلى الأبد علوم الفلك التي أنتجتها حضارة المايا و كنوز مكتبة الإسكندرية.

بعد سقوط الإمبراطورية الرومانية و خلال العصر الوسيط الأعلى بالغرب الأوروبي خبا الفكر و بقي في حضانة دور الرهبان. في تلك الفترة نفسها شهدت الحضارة التقليدية الهندية “عصرها الذهبي” حيث عاشت سلالة “كـُبتا” التي وحّدت كامل شمال الهند و طوّرت العلوم و الآداب والفنون في أوج ملكها (في القرنين الرابع و الخامس). و هنا مرّة أخرى نجد توافقا صريحا بين الفكر والرخاء حيث ازدهرت المعرفة في   بيئة ملائمة مثَلها رغد العيش في القصور التي آوى فيها أمراء الهنود- المهراجا – خيرة العلماء و المفكرين (العقول) في زمانهم.

و لأن الأسباب نفسها تؤدي إلى النتائج نفسها، استقرّ الخلفاء بعد الفتوحات الإسلامية في القصور و تحوّل أبناء الفاتحين إلى سلاطين مهذبي الذوق مستميلين إلى مجالسهم الشعراء و العلماء. وفي تلك الفترة نفسها، قام أهل الفكر في الإسلام – و كانوا وقتذاك منفتحين على العالم- بترجمة متلهفة لكل المخطوطات الواردة من بلاد ما بين النهرين و من اليونان و مصر و الهند. فكانت فترة ازدهار للرياضيات و العلوم و الشعر و الفلسفة الناطقة باللغة العربية.

عقب ذلك أخذ الغرب المشعل من أيدي العرب، و قد وصف “فرنان برودال” مسار الرأسمالية ما بين 1500م و 1900م عبر اقتفاء أثر مراكز نفوذها المتعاقبة : فلورنسه – امستردام – لندن – نيويورك. و ليس من الصعب أن نلاحظ أن البؤر الفكرية كانت تنتهج  نفس المسار. فحوالي سنة  1450م  شكلت المدن الإيطالية الثلاث : البندقية – فلورنسه – جنوة مركز “اقتصاد العالم” الجديد الصاعد، و كانت أيضا المركز الفكري للنهضة. ففي فلورنسه كان ليونارد دي فانشي ينجز رسومه ويصمم آلاته، وفي جامعة بادو ( في إطار جمهورية البندقية القوية) كان غاليلي يوجّه نظاراته الفلكية نحو الكواكب وينحت نظرته الرياضية للعالم، و كان “بيك دي ميراندول” آنذاك يرتاد جامعات فلورنسه ورومه وميكال آنج يعمل لدى أسرة “مديتشي” الحاكمة بفلورنسه.

بعد قرن من ذلك انتقل مركز الثقل نحو أوروبا الشمالية و بالخصوص إلى هولندا، فاقتفت الأفكار أثره. في هذا المكان سنجد ريني ديكارت (1596م –1650م) و باروخ سبينوزا (1632م – 1677م). إثر ذلك و خلال القرن الثامن عشر، عندما أصبحت الملكيات الأوروبية  تتنافس من أجل السيطرة على القارة، امتد ذلك التنافس أيضا إلى الحقل الفكري، فتنافس الأمراء و الملوك على إحداث جامعات و أكاديميات ملكية سعيا إلى استقطاب  خيرة العقول المفكرة من أمثال “إسحاق نيوتن” و “قوتفريد لبنيتز” و “دني ديدرو” و “دالمبار”…و غيرهم. وعندما بدأت الثورة الصناعية بإنكلترا فان تزامنها مع “الأنوار الاسكتلندية” كان جليا ( دافيد هيوم 1711 – 1776، آدم سميث 1723 – 1790)

لا نكف عن معاينة التلازم الجغرافي بين القوة الاقتصادية و ازدهار الفكر، و القرن العشرين لا يكـذ ّب هذه المعاينة. فمركز الثقل في الفكر مستقطب بصورة واسعة من لدن الولايات المتحدة الأمريكية، لكونها تمثل القوة الاقتصادية العالمية الأولى : من علوم الفيزياء إلى الإعلامية ، ومن الاقتصاد إلى العلوم العرفانية. أصبحت الجامعات الأمريكية الكبرى مواقع استراتيجية للعلوم في العالم. ومع بداية السبعينيات قضي الأمر و أصبحت الأنقليزية لغة التداول العلمي. وإذا بدت الهيمنة الأمريكية أقل رسوخا في علوم التاريخ و الاجتماع و الفلسفة فذلك يرجع إلى كون هذه المواد لا تعتبر استراتيجية، ولا تتطلب استثمارات ضخمة  .

ويتوقع إذا ما تواصل هذا التمشي أن يتحوّل مركز الثقل في العلوم و التقنيات نحو آسيا وفي مقدمتها الهند و الصين و اليابان. و توجد   مؤشرات دالَة على ذلك.

دينامية ابتكار مقامة على أقطاب متعددة
لا يسعنا إلا أن نعاين – عبر التاريخ – وجود علاقة متينة بين حياة الأفكار و بين البؤر الكبرى للنمو الاقتصادي. وهذا يشكل أولى مبادئ جغرافيا الأفكار.(3)

لنغير الآن سلـّم الملاحظة و لنتفحّص ما يحدث داخل بؤر الابتكار الكبيرة هذه. هنا ستبدو لنا الأمور من زاوية جديدة. فقد نشر مؤخرا جمع من المؤرخين   حصيلة معتبرة من البحوث تتعلق بمكامن المعرفة.(4) و تتمثل إحدى الخلاصات التي تبرز عبر عديد المساهمات، أن الأقطاب الكبرى للتجديد الفكري نادرا ما   تكون منتظمة حول مركز واحد للتجديد، و يقترح المؤرخ “جان- جاك قلسنار” عبارة ” تعددية الإدارات” ( polycentrisme) للاستدلال على دينامية التجديد التي تكون متمحورة حول جملة من أقطاب تتنافس و تتلاقح بين بعضها داخل فضاء واحد. كان هذا شأن الجزر اليونانية طوال العصر العتيق، والخلافة العباسية إبان العصر الذهبي للإسلام، و المدن الإيطالية خلال عصر النهضة، أو الجامعات الأمريكية  في القرن العشرين.

و قد توصّل المؤرخ “دافيد كوصنداي” إلى نتيجة مشابهة زاعما في إطلاق انه اكتشف “نظرية عامة للتقدم العلمي”.(5) فبمقارنته  تاريخ الغرب و الصين و الهند و الإسلام و اليونان العتيق، استنتج أن ازدهار المشروع العلمي يرتبط بسببين أساسيين يتمثلان في النمو الاقتصادي من جهة و في وجود نظام سياسي تعددي السلطة من جهة أخرى. فـ”كي تشهد أي منظومة منفردة (كحضارة أو منطقة) التقدم العلمي و التقني يجب أن تكون متألفة من كيانات قارة و متمتعة باقتصاد نشيط”. و لتلك الأسباب لم تنجح الإمبراطوريات الممركزة حسب رأيه في دعم ازدهار العلوم و التقنيات و عموما الأفكار بصورة دائمة. إن ازدهار الأفكار يفترض القوة و المقدرة، ولكن هذا لا يكفي، فمن أجل خلق الحركية الضرورية يجب أن تتوفــّر مقارعة الأفكار و كذلك حرية انتقالها داخل مناطق التجديد. و يعرّف هذا التمشي اليوم بالتمشي التنافسي/التعاوني (coopétition).

ترجمة محمد صدّام


نشر المقال في مجلة “العلوم الإنسانيّة”، عدد 189، يناير 2008، في ملف تحت عنوان

189  بتاريخ جانفي 2008 “جغرافيا الأفكار-الأقطاب الجديدة للمعرفة”.

هوامش

 (1) Michel Amandry،  «Origine et évolution de la monnaie en Lydie et chez les Perses au VIe siècle av. J.-C.», colloque «L’argent, en avoir ou pas ?»,  Rendez-vous de Blois, 2006.

(2) Voir David Cosande, Le Secret de l’Occident. Vers une théorie générale du progrès scientifique,  Flammarion, coll. «Champs, 2007.

 

(3)  من الأجدى أن نقول بيئة الأفكار، لأن العلوم و التقنيات كانت بالمقابل أداة من أدوات القوة. فامتلاك المعرفة، أي إتقان الكتابة و القراءة و التحكم في الأعداد و الفيزياء كان دائما أيضا وسيلة حكم. فالمعرفة تعني السلطة.

(4) Christian Jacob (dir.),  Lieux de savoir, t. I’ Espaces et communauté, Albin Miche, 20


قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق