في التّعدّدية

رغم تعدد معاني التعددية فإننا يمكن أن نحصرها في معنيين، هناك ما يمكن أن ندعوه تعددية حسابية، ثم هناك ما يمكن أن نصفه بالتعددية الهندسية.

التعددية الأولى هي تعددية “الكم المنفصل”، وهي حسابية لكونها تقوم أساساً على آلية توليد مجموعة الأعداد الطبيعية نفسها، وأعني عن طريق إضافة وحدة إلى الوحدات، إضافة صوت إلى الأصوات، لغة إلى اللغات، حزب إلى الأحزاب.

أما التعددية الأخرى فهي تعددية “الكم المتصل”، إلا أنه اتصال يحشر الانفصال في أحشائه. فإذا كانت التعددية الأولى تقوم على مفهوم الوحدة وتنحل إلى “تعداد” يجعل التعدد كثرة من الوحدات، فان الثانية تروم خلخلة مفهوم الوحدة ذاته، وتفكيك الثنائي وحدة/تعدد. الأولى تعددية “خارجية”، أما الثانية فتعددية “تقطن” الوحدة، تقيم “داخل” الوحدة، فتجعل الوحدة تنطوي على حركة وتضم أطرافا.

التوحيد في التعددية الأولى توحيد اختزالي، يرجع العناصر جميعها إلى عنصر أساس، ويردها إليه و”يختزلها” فيه (كما تختزل الكسور في الحساب)، بحيث لا تغدو العناصر الأخرى تفردات تقوم جنبا إلى جنب، وإنما مشتقات تنبع من مصدر، وفروعا تصدر عن أصل. هذا التوحيد اختزال لأنه يميز في المتعدد بين أصل وفروع، بين مرتبة أساس ومراتب ثانوية، فيرد هذه إلى تلك.

أما التعددية الثانية، فبما أنها ليست حسابية، فإنها لا تجعل عناصرها “تنتظم” في مراتب، وإنما “تمتد” في فضاء يترك لكل عنصر نصيبه من التميز، ويسمح للتفردات بنصيبها في الوجود. ها هنا تكون الوحدة من الحيوية بحيث تستطيع أن تستوعب التعدد، ويصبح التعدد مفهوماً باطنياً “يصدع الوحدة ويضم أطرافها”، فيغدو إنسان التعددية ليس ذاك الذي يحمل عدة جوازات، ويتكلم عدة لغات، وإنما ذلك الكائن السندبادي الذي “يوجد” بين لغات وبين ثقافات.

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق

Share This