حديقة الجنوب في شمال أفغانستان (2/2)

في قرية حافظ موغل عاصمة مقاطعة ارجو، على بعد أربعين كيلومترا غرب فايزاباد، جلست على الأرض متربعا أمام الجنرال (هكذا أبلغونى برتبته) مصدق في بيته بعد أن زرت بعض المدارس في منطقة نفوذه. والجنرال مصدق اوزبكى، وهو مرهوب الجانب في المنطقة التى تقيم بها اغلبية اوزبكية (رغم أن بادخشان ذات اغلبية طاجيكية إلا أن الاوزبك اكبر اقلية عرقية هناك). فمه المعوج وعظام وجهه البارزة في غرابة، دليل جرح بالغ خلال سنوات القتال الطويلة. وفي حديقته الجرداء وقف مدفع مضاد للطائرات لا يحارب الآن سوى الصدأ، بينما سيارة لاندكروزر ضخمة تقف مغطاة بالخيش أمام المنزل. وللجنرال مصدق شهرة واسعة بسبب كرمه واهتمامه بتعليم الاطفال. فعندما عجزت الحكومة الاقليمية عن دفع رواتب المعلمين (وكانت دولارا واحدا في الشهر) تدخل الجنرال وساعد كثيرا من المعلمين وظلت المدارس مفتوحة كما أكد لى ناظر مدرسة أبى باريك.

وبينما كنا نتناول طعامنا كانت أصابع الجنرال تتداول على حبات مسبحته السوداء، وهو يلملم أطراف عباءته الخضراء المطرزة حول كتفيه. الجنرال قلق بسبب الجفاف. نظر إلي ثم قال: “ليس لدينا علف للحيوانات لأكثر من ثلاثة أشهر، واسعار القمح ضعف العام الماضى. الآن نعيش على الكفاف.” ولم يمد الجنرال يده إلى الكباب واللحم الدافىء على أهرام من الأرز المصفر والمحاط بشرائح من الجزر وبعض رائحة من الزعفران في أطباق كبيرة على مفرش بلاستيكى توسط الحجرة. أكلنا جميعا إلا الجنرال مصدق.

وتشابهت معظم المدارس السبع التي زرتها في باداخشان، وكلها مثلها مثل مدارس عديدة في أنحاء أفغانستان صنيعة الفقر وقلة الحيلة. حجرة أو عدة حجرات يجلس فيها معظم الطلاب على الحصير أو الأرض. في العادة لا دورات مياه ولا سور محيط بالمدرسة ولا ملعب للاطفال، ناهيك عن المعامل أو المكتبة وأساسيات التعليم الأخرى. في مدرسة أبى باريك عدة حجرات لها سقف خشبى (لا شبابيك، لا مقاعد، لا مناضد…) ويجلس الطلاب على الأرض وأحيانا على حصائر من البلاستيك في صفوف. الكتب المتوفرة قليلة فيشترك كل خمسة أو ستة طلاب في كتاب ولا مياه في المدارس أو دورات مياه (هناك بعض الحفر العميقة في الارض من اجل قضاء الحاجة) ولا طباشير (يستعملون الحجر الجيرى لهذا الغرض) ولا سبورات (يستعملون طلاء اسود على الحائط) ولا كهرباء (ولا توجد الكهرباء عند أي من السكان على أية حال، عدا بعض الاغنياء القلائل الذين يمكنهم تحمل نفقات مولد كهرباء بالديزل .)

وفي مدرسة حافظ مغل الثانوية للبنين، قمت بالتقاط بعض الصور في حصة الكيمياء حيث استظهر طالب كل عناصر المذيبات وكيف يمكن تحضير بعضها في المعمل (بطبيعة الامور لا توجد أي معامل ولا وسائل شرح سوى الكتب القليلة في كل المدارس التى زرتها). وابتسم لي قائلا إنه يريد الانتهاء من آخر عام دراسى في الصف الثانى، ليلتحق بكلية الطب في فايز اباد.

وفي مدرسة البنات القريبة كانت الاوضاع أسوأ حيث اكوام من الطوب اللبن تشغل اكثر من نصف الفصول في انتظار من يرصها حوائط، بيد أن الفتيات الصغيرات اكثر تحمسا واندفاعا مقارنة بالفتيان وشغلتهن كاميرا الفيديو التى احملها كثيرا وتنافسن على الوقوف امام الصف من اجل ترديد الابجدية المكتوبة على سبورة صغيرة وضعت على الارض مستندة على برميل قديم. وتتألف مدرسة البنات من اربعة فصول في منزل حديث البناء وبغض النظر عن الطوب لم يكن هناك شىء اخر في المنزل . وزينت ازهار خشخاش زاهية الامتار المربعة القليلة في الحديقة المجاورة للمبنى.

بالطبع المدارس هذه لا تقدم تعليما رفيع المستوى – او حتى متوسطا – ونجاحها الكبير هو في تعليم مبادىء القراءة والحساب وبالتالى فإن الدعم المتزايد من جانب منظمات التنمية لها يمكن أن ننظر له على أنه في جانب منه إرضاء لمجتمع دولى يريد أن يتباهى بازدياد اعداد الفتيات والفتية الذين يلتحقون بالتعليم الاساسي، بغض النظر عن المستوى التعليمى المتدنى لهذه المدارس وللمدرسين أنفسهم. ولكننى شخصيا اعتقد أن مساعدة المدرسات والبنات على الخروج من محابس منازلهن في بلد مثل أفغانستان، وقضاء سويعات سويا كل يوم وتلقى راتب في المقابل (نقدا وعينا) هو مبرر كاف من اجل الاستمرار في مثل هذه المشاريع حتى لو لم تكن الفتيات يتلقين تعليما حقيقيا. فإذا كانت تلك المشاريع (مثل توزيع الاغذية على عائلات التلاميذ وربط الخدمات الصحية والاجتماعية بمواظبة العائلات على ارسال ابنائهم) تؤدى إلى ازدحام مزيد من الطلاب في اكثر المدارس البدائية حيث لا يتعلمون الكثير. نعم ولكن اذا كانت النتيجة هى مساعدة الفتيات والنساء على التحرر من القيود والعزلة المفروضة عليهن على الاقل عدة ساعات كل يوم فهى كافية حتى اذا كان الغرض الظاهرى من خروجهن – التعليم – لا يتحقق بصورة طيبة. وإذا أبعدت هذه المشاريع عن الصبية بعدة سنوات عبء العمل المبكر في سن صغير، وهو في العادة عمل قاصم للظهر مثل صناعة الطوب اللبن، فهى ناجحة.

جلست على مقعد خشبى قصير خلف مكتب صغير في غرفة المدرسات في مدرسة ليسيه مخفي في قلب سوق فايز أباد. بناء يلخص مقولة “عزيز قوم ذل”. المدرّسة الشابة الجالسة أمامى عمرها 24 عاما وهى خريجة المدرسة نفسها وتتذكر في حسرة أن المدرسة كان بها معمل ومكتبة بل أن الرئيس ربانى نفسه تتلمذ فيها حتى الفصل السابع.

مخفي التى منحت المدرسة اسمها هى شاعرة بادخشان الاشهر.

ويعتقد أن مخفي هى نفسها الاميرة زيب النساء ابنة اورأنج زيب أحد اعظم ملوك امبراطورية المغل في جنوب أسيا وولدت في اواسط القرن السابع عشر، وتلقت تعليمها على يد امرأة اخرى تدعى مريم، حيث يشاع أنها حفظت القران كله في ثلاث سنوات فقط وبعدها تلقت دروسا في الفلسفة والفلك والادب وتعلمت اللغات الفارسية والعربية والهندية والخط. وبدأت في كتابة الشعر في سن الرابعة عشر. ولأن والدها كأن صارما للغاية ولا يقبل أن تصبح ابنته شاعرة، قامت بإخفاء كتاباتها ونشرت أكثر من خمسة ألاف بيت من الشعر تحت أسم “مخفي” ومنها :

آه يا مخفي نه طريق العشق ووحدك ستسيرين فيه

لآ أحد ملائم لصداقتك حتى لو كان المسيح

وعلى قبرها في دلهى من شعرها :

لا سراج على قبرى ولا زهرة

ولا فراشة تحترق ولا طائر يغني

وتزين صورة زيتية كبيرة للشاعرة المتوفية منذ اربعة قرون حجرة المدرسين البسيطة في المدرسة التى تحمل إسمها اليوم في فايز أباد.

على طاولة صغيرة قرب مدخل الحجرة تكومت البراقع – الزرقاء عادة – التي ترتديها المدرسات عند الخروج من المدرسة (وتعنى الكلمة في لغة الدارى وهى النسخة الفارسية المستعملة بين الطاجيك عموما في أفغانستان : الخيمة ). نظرت مديرة المدرسة إلى وجه الشاعرة مخفي والمكشوف في اللوحة قائلة “في السبعينات كنا متحررات من هذا الشىء” مشيرة إلى البرقع.

“كنا نسافر من هنا إلى كابول بدونه ولكن الآن حتى من اجل عبور الشارع تحتاج المرأة إلى وضعه. لقد تخرجت أنا نفسى من هذه المدرسة في عام 1971. حينذاك كان الطلاب قادرين على قراءة الصحف والكتابة بصورة جيدة بحلول الصف الثالث، ولكن الآن طلاب الصف السادس جهلة واميين تقريبا . حتى سبع سنوات مضت كان لدينا معمل ومكتبة مجهزة ولكن عندما تأسست الجمهورية الاسلامية هنا …” ثم توقفت عن الحديث ربما خوفا من أنها قالت اكثر مما ينبغى . وربما من اجل تعويض الخطأ الذي لم يقع اضافت: “الحمد لله أننا على أي حال لسنا تحت سيطرة الطالبان.”

ولكن هل كان هناك فرق كبير بين المناطق التى يسيطر عليها الطالبان وتلك التى لم يسيطروا عليها .. على الاقل بالنسبة للنساء؟ في مناطق الطالبان لم يكن لدى النساء أي حقوق للعمل الا في حالات محدودة مثل مدرسات داخل المنازل او طبيبات في عيادات النساء. وشغلت عدة منظمات اغاثة غربية بضع مئات من النساء ولكن بعد مفاوضات مريرة مع الطالبان وعلى اساس مؤقت.

بات الوضع مع الطالبان عصيبا على النساء وعلى بعض الرجال الذين أذلهم استضعاف شقيقاتهم وبناتهم بهذا الشكل. كما يصف لى زميل افغانى كبير السن في فايزاباد، وهو غاضب كيف كان من المهين له أن يرى ابنته التي ما زالت تعيش في كابول مع زوجها ممنوعة من مواصلة دراستها او العمل: ” لقد احتلت المرتبة الثانية في صفها الحادى عشر رغم أنها كانت تعمل ايضا خلال الدراسة في منظمة اغاثة اجنبية من اجل مساعدتى في اطعام العائلة. والآن لا يمكنها العمل وتجلس بالمنزل.”

وفي اقليم بادخشان يمكن للنساء العمل والدراسة. وهذا هوالفرق الرئيسى بين مناطق الطالبان وبادخشان. في كابول تمكنت من التسلل إلى مخبز تديره النساء لاجراء عدة مقابلات وكان الجميع قلقين كثيرا. بينما في بادخشان تمكنت من اجراء محادثات مطولة مسترخية في مكتب مدير معهد الايتام الرئيسى مع بعض الاخصائيات الاجتماعيات ومشرفة من النساء. وقال المدير إنهم لا يرغمون البنات على ارتداء النقاب اذا لم يرغبن ولكنى لم ار فتاة واحدة يتعدى عمرها 12 سنة في شوارع فايزاباد بدون نقاب.

غير هذا لا يوجد فارق كبير بين القواعد والقوانين المكبلة للحريات على الصعيد الاجتماعى والمطبقة في المكانين والتى تحد من حريات المرأة.

يظل هامش الحرية أمام نساء فايز أباد عندما زرتها افضل من سجن الطالبان للنساء في بيوتهن. على الاقل يمكن تكبير الهامش، ولكن السجن سجن مهما اتسعت رقعته وقد صارت بحجم الوطن تحت الطالبان – على الاقل بالنسبة للنساء.

هانم وعمرها 25 عاما استغلت هذا الهامش في فايز أباد لتصبح سيدة أعمال بكل معنى الكلمة، تستخدم في مشغلها للسجاد 44 امراة كلهن يتيمات او ارامل .

وفي المشغل الذي يقع في منزل واسع مؤلف من ست حجرات تعمل النساء يوميا من الثامنة صباحا حتى السادسة مساء، يغزلن وينسجن ويصبغن الشراشف والمناشف والشيلان ومفارش المائدة والبطانيات والاكلمة. وبدأت هانم مشروعها بقرض 1300 دولار من منظمة تابعة للامم المتحدة، واستطاعت تسديده في اقل من عام ووظفت معها 12 امرأة تتلقى كل منهن راتبا عشرة دولارات في الشهر (عشر اضعاف متوسط مرتب المدرس– هذا إذا تلقى المدرس راتبه لأن معظمهم لا يتلقون رواتبهم طوال اشهر وصلت إلى عام عندما زرت المنطقة).

تقول هانم بفخر يبان قليلا تحت كثير من الخجل : “لدى الآن طلبيات عديدة من السوق.” ثم سحبت شالها البنى الخفيف على شعرها . اضطرت هانم للتوقف عن دراسة الطب في كابول بعد وصول الطالبان للحكم ولكنها ما زالت تحلم بأن تصبح طبيبة اطفال.

“ذهبت عائلتى إلى باكستان سنة ،ولكنهم عادوا لبلدتنا هنا حيث وجد شقيقى عملا مع منظمة اغاثة غربية.” وتجيد هانم الأنجليزية وهو امر مهم لها، وربما سبب كبير في احتفاظها بعلاقات طيبة مع المنظمات الاهلية الاجنبية في المدينة، مقارنة بالنساء الاخريات المتعلمات في فايز اباد. والمنافسة بين هؤلاء النساء مستعرة ولا سيما أن عديدا من المانحين يسعون بقوة لتمويل أي مشروع له علاقة بالنساء من قريب او بعيد.

عائلة هانم سعيدة بنجاحها رغم أن ابنتهم تعمل كثيرا ويتقول عليها البعض.

نتحدث ونحن نحتسى كؤوس الشأي واحدا تلو الاخر:

– ماذا تقول أمك؟

– امى فخورة بى.

– وماذا عن والدك؟

– أبى مات في السجن عندما كان الشيوعيون في السلطة في السبعينات. كان عمرى اربع سنوات عندما اعتقلوه ثم استشهد في السجن.

– وكيف تفكرين في المستقبل؟

– املى أنه في المستقبل سيكون لدى 500 عاملة وافتح فروعا في بهراك وارجو واشكاشيم (مدن في مقاطعة بادخشان) وقريبا سوف اوظف رجلا من اجل ادارة محل في السوق لبيع منتجاتنا مباشرة في فايز أباد.

– وكيف ستعملين معه؟

– حسنا. أنا المديرة وهو يعمل عندى؟

– لا تتوقعين أي مشاكل كامراة في مثل هذا الموقف؟

– لا. لماذا؟

وحتى الآن فإن المشكلة الوحيدة التى واجهتها هانم كانت مع الجمعيات الاهلية الافغانية المنافسة ونساء اخريات طموحات كلهن يتنافسن من اجل الحصول على دعم منظمات الامم المتحدة والجمعيات الغربية المانحة. وبعضهن غيورات من نجاحها وتبتسم هانم وهى تتحدث عن هذه الغيرة:” يقولون أنني صغيرة على الحصول على كل هذا الدخل.”

وفي احد حجرات مشغل هانم جلست عشرين امرأة على الارض متلاصقات الاكتاف يعملن على كومة هائلة من الصوف المجزوز حديثا بينما تسير أخريات في الحديقة الصغيرة وهن يستعملن مغازل يدوية صغيرة ومعهم كرات صوفية تتحول إلى خيوط على وقع خطواتهن.

وتنظر هانم إليهن قائلة : “ننتظر ماكينة غزل كبيرة ستمكننا من زيادة انتاج الغزل من الصوف والقطن اربعة أضعاف حتى نتوقف عن استيراد الخيوط من باكستان.”

ووش صاروخان على مبعدة وأنا أحتسى الشاي الأخضر جالسا على حشية في مكتب هانم. من المقرر أن أغادر فايز أباد خلال ساعتين. نظر إلى زميلى الافغانى وكأنه يقرأ أفكارى : “لا تقلق. القتال على الجانب الاخر من فايز أباد.” إنه يقصد الجانب الاخر البعيد عن المطار. سيمكننى السفر اذن والعودة إلى منزلى في أسلام أباد. اسبوعان طالتهما هذه السفرة واوحشتنى حديقتى وزهورى وزينة (الكلبة الضالة التى وجدوها جروا في احد الاحراش المحيطة بأسلام أباد وقررت في اول لقاء معها أن أتبناها ثم صرنا اصدقاء !) ومحال الكتب القديمة و .. رغد العيش.

يقع المطار على بعد عشرة كيلومترات على الضفة الغربية من نهر كوكشا، وهو أحد فروع نهر أمو داريا الأكثر شهرة والذي يمثل الحدود الطبيعية بين أفغانستان وطاجكستان. وعلى جانبى الطريق إلى المطار قطع اراض زراعية صغيرة متناثرة تتفجر بالوان زهور الخشخاش الزاهية بينما تحمل أطلال منازل على ما تبقى من الحوائط شعارات بالأنجليزية (بالطبع موجهة للزوار الاجانب من أمثالى) تعلن أن “زراعة وتجارة واستعمال المخدرات محظور قطعا في الاسلام.”

وعلى جانبى الطريق المتهدم المرصع بالحفر الناتجة عن انفجارات قنابل، وهو طريق فقد كل أسفلته من زمن بعيد، تتهادى حمير المزارعين الافغان من العرق الاوزبكى، وهي مميزة بسروجها ذات المقدمة المدببة. النساء كلهن سائرات على أقدامهن مختفيات في ازرق براقعهن بينما الاطفال المرحون دائما يتقافزون حول الجميع وحول سيارتنا التى تتهادى بسرعة لا تختلف كثيرا عن سرعة الدواب وهم يحملون أكياسهم البلاستيكية الصفراء عائدين إلى منازلهم من المدرسة ويصوصون في اصواتهم الرفيعة تجاهنا بانجليزية واضحة: “هاو أر يو؟ هاو أر يو؟” (كيف حالك؟ كيف حالك؟)

أسال زميلى الافغانى اثر سماع صوت صاروخ اخر ارتطم بعيدا بارض لن أراها : “حتى متى سيتقاتلون؟”

لخص الموقف بكثير من القدرية التى يلجأ إليها الافغان (وربما معظم الشعوب الفاقدة للسيطرة على مجريات الامور في بلدانها): “الطالبان وأمراء الحرب مثل الكلاب المسعورة سيتقاتلون حتى ينتصر طرف بالكامل.” وكسر افغانى آخر يعمل في منظمة إغاثة اوروبية الصمت العاجز المطبق على السيارة قائلا : “على جانب لدينا لصوص وعلى الجانب الاخر جهلة. ونحن في المنتصف.”

وبعد ساعتين كنت واقفا وسط عشرة من هؤلاء الجهلة في مطار مزار الشريف حيث حطت الطائرة من اجل التزود بالوقود. وبدأ أحد زملائى المسافرين معى وهو سودانى في الاستشهاد ببعض آيات القرآن في حديثه الممزق معهم (ممزق لغياب لغة مشتركة فلا أنا ولا هو نعرف الفارسية او الاوزبكية او الباشتونية وهى اهم ثلاث لغات في أفغانستان ولاهم يعرفون العربية ولا الانجليزية بيد أنهم يحفظون القرآن بالعربية عن ظهر قلب لا شك.)

لا بد أن زميلى اعتقد أنه باستشهاده بالقرآن سيجعلهم يشعرون أنه كمسلم أقرب إليهم من عمال الاغاثة البيض الاوروبيين في العادة. أشار إلي قائلا ببطء : “مسلم.. مسلم.” فحدق في زعيم الطلبة الطالبان بعينيه المكتحلتين وهو بادى الانزعاج المختلط ببعض الحنق، مشيرا إلى لحيته ولحية زميلى ثم إلى ذقنى الحليق مرددا كلمات بالباشتو. ثم انتقل إلى الاورود التى تعلمتها قليلا في باكستان قائلا:” أنت .. أنت باكستانى .. أين اللحية؟” وبمعجمى الهزيل من الاوردو أفهمته أنني لست باكستانيا. تصاعد غضبه، فاكملت قائلا : “ولست مسلما مثلك.” لم أكن أكذب فلست مسلما مثله على أي حال من الاحوال. وقد صرت أعرف جيدا أن الطالبان مثلهم مثل الخوارج في بعض الاحيان يقتلون المسلمين الذين يختلفون معهم قبل أن يقتلوا من يختلفون معهم في الدين تماما. فمع غير المسلمين يمارسون الدعوة وحسن الاخلاق لتحبيب الاخر في الاسلام وطريق الصواب. ولما لم أكن أريد لهم أن يقتلونى او أن اهتدي إلى صوابهم سرت ببطء عائدا إلى الطائرة التى تستعد للاقلاع.

-*خالد منصور : كاتب مصريّ. عمل في منظّمة الأمم المتحدة بأفغانستان.

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق