مستقبل الدَولــــــــة الدَيــــنيَة (1/3) هل في الإسلام دولة و نظام حكم ؟

{{تأسيس جدلي: }}

يبدو أن الإجابة على السؤال عنوان هذه الورقة، أمر محسوم بالإيجاب من قبل كل المشتغلين بالشأن الديني الإسلامي، و يلخص الدكتور يوسف القرضاوي ـ الملقب بالفقيه المعتدل ـ الموقف بقوله ” إن إقامة الدولة المسلمة التي تحكم بشريعة الله و تجمع المسلمين على الإسلام وتوحدهم تحت رايته، فريضة على الأمة الإسلامية يجب أن نسعى إليها. . وعلى الدعاة إلى الإسلام أن يعملوا بكل ما يستطيعون للوصول إليها، و أن يهيئوا الرأي العام المحلي و العالمي لتقبل فكرتهم و قيام دولتهم” (الصحوة الإسلامية بين التطرف و الجحود ص 222 – 223.)

و عليه، فإذا كانت إقامة الدولة المسلمة فريضة لتحكم بشرع الله، فلا شك أن هذا الشرع قد وضع لهذه الدولة الأصول و الضوابط الكاملة التامة الجامعة المانعة نظراً لمصدرها الإلهي، وأنه قد وضع لها نظام الحكم وطرق تبادل السلطة، مع شرح و بيان و تفصيل لدستور الدولة ومؤسساتها و عوامل نهضتها و قوتها. و لكن إذا لم نجد أي إشارات من أي نوع أو لون لهذه الدولة المطلوبة في إسلامنا، و هو ما نزعمه ونضع له البينات تلو الأخرى عبر سلسلة موضوعات تناولت فكرة الدولة الإسلامية، و هو ما سنضيف إليه جديداً هنا يؤكد أن الله لم يبيَن للمسلمين ولم يطالبهم بإقامة دولة إسلامية، و مع ذلك يجعلها مشايخ الصحوة الإسلامية فريضة إلهية، بما يعني أنها تكليف ديني للعباد من ربَ العباد لإقامة دولته الإلهية على الأرض، و هو ما سيدفع السؤال للبروز: كيف يكلفنا الله بما لم يبينه لنا ؟ فإذا لم يبين لنا الله ضرورة إقامة دولته و شكلها ملكيا كان أم جمهوريا أم أي شكل آخر ، فإن دعوة الشيخ القرضاوي وزملائه من إخوان مسلمين و أزاهرة و دعاة و فقهاء ، تكون افتراءً على دين المسلمين و كذباً عليهم وافتراء على قرآنهم و سنتهم، من أجل الاستيلاء على مقاليد الحكم في البلاد مع استخدام الدين انتهازياً و نفعياً ، و هو لون من التبخيس والازدراء للدين ، حتى يظهر غير قادر أن يدفع عن نفسه استخدام كل من يريد، من أجل ما يريد من مصالح و منافع دنيوية بحت .

و الغريب أن السادة العاملين بحقل الدعوة الإسلامية يجمعون بين ما لا يأتلف و لا يجتمع، فالدولة لا تقوم إلا في وطن ، أرض ذات حدود ثابتة واضحة ومجتمع يعيش على هذه الأرض بالتحديد ، اللغز يلتبس عندهم عندما تجدهم يريدون دولة و رغم ذلك يعتبرون فكرة الوطن فكرة أوروبية استعمارية مستوردة، و يسخر الشيخ القرضاوي هو نفسه منها و يسميها رابطة التراب و الطين التي لا تعلو على رابطة الدين العظيم ، بل و يزعم ” أن الإنسان يضحي بنفسه من أجل دينه ، و يضحي بوطنه من أجل دينه ، فالدين مقدم على الإنسان “* حلقة (الظاهريون الجدد ) قناة الجزيرة .* و حل اللغز يكمن في فكرة التمكين، و هي الفكرة القائلة بأنه يوم يتم تمكين المسلمين من إقامة دولة إسلامية في آي مكان، فسوف يكون تمكيناً كتمكين المهاجرين من سيادة يثرب، و منها تنطلق عزمات المسلمين لاحتلال الأرض كلها كي تدين بالإسلام، لذلك لا حدود وطنية للدولة المسلمة، فأرضها هي العالم كله، عالم بلا حدود، ومن هنا ساغ للشيخ أن يقول : ” ليس بمجتمع مسلم ذلك الذي تتقدم فيه العصبية الوطنية على الأخوة الإسلامية” ، حتى يقول : “المسلم وطني قبل ديني…. وإنَ دار الإسلام ليست لها رقعة محددة” (كتاب ملامح المجتمع المسلم الذي ننشده، مكتبة وهبة، 2001 ص ص24ـ57ـ80ـ86)، لذلك كان الشيخ شديد الصراحة فيما يتعلق بمفهوم المواطنة إذ يقول : “في واقع مصر والعالم العربي.. شجع المستعمرون النعرة الوطنية هادفين إلى أن يحل الوطن محل الدين وأن يكون الولاء للوطن لا لله وأن يقسم الناس بالوطن لا بالله، أن يموتوا في سبيل الوطن لا في سبيل الله “. (كتاب الإخوان المسلمون، مكتبة وهبة، 1999/ ص 19 ، 20) .

يعود السؤال يطرح نفسه: كيف يكلفنا الله بإقامة دولة دون أن يشير إلى ذلك في القرآن و لا في الحديث النبوي ؟ إنَ الصحوة الإسلامية بدعوتها لإقامة دولة تعني حرباً عالمية على الجميع، لأنه إذا ما صدقنا أن الإسلام دين و دولة، و أن الإسلام دين عالمي، فستكون النتيجة أن العالم كله هو دولة الإسلام، و هذا مأزق شديد الصعوبة يضع جميع المسلمين في حالة خروج وعصيان جماعي على الشريعة الدولية، و يزيد من ضعف شأنهم و تخلفهم نتيجة عدائهم وخصامهم و كراهيتهم للنظام الغربي بمنجزه العلمي و الحضاري كله.

هنا نسأل سؤالاً عملياً: كيف لنا أن نوجَه خطاباًً ليبرالياً يحترم الإسلام و يقف على أرضه وينافح عنه، يقوم بمصالحته مع الحداثة بإعادة قراءته قراءة علمية محايدة مدققة؟ و كيف نكتسب القارئ المسلم العادي ( فما فوق ) للاستماع إلى ما نطرحه عليه و الاستمرار في هذا الاستماع، بل و ربما السعي وراءه ؟

إن فكرة المؤامرة التي تسيطر على العقل العربي المسلم تجعل الفرد غير قادر على تجاوز حاله الراهن، لأنها لا تجعله يرى ما بيد الآخرين من وسائل التقدم و الرقي، لأنهم أعداء ( و عادة ما تكرس هنا و تعاد حكاية الاستعمار الحديث و أمريكا و إسرائيل ) ، و للاعتقاد بأن ما بيدنا في إسلامنا فيه كفاية و غنى عن رؤية أيَ مختلف أو جديد ، لأن مصدره الإلهي يضمن كماله التام.

تحت هذه المظلة كيف يمكن أن نوجه خطاباً عقلانياً للمسلم، و نموذجنا في هذه الورقة هو (فريضة إقامة دولة إسلامية ) ؟ كيف يمكن دحض هذه الفكرة ؟

هنا علينا تذكير المسلم أن قريشا قد عرضت على النبي محمد ( ص ) في بداية دعوته أن يكون ملكاً عليها فرفض صيغة الملك كوسيلة للسلطة ، و أصر على أنه نبي رسول و عبد من عباد الله مكلف بإبلاغ أمر الدين ليس أكثر ، جاء يبلغ الناس دين الله حسبما أمره ربه ، بل و رأى في الملك صورة سلبية من صور السلطة فقالت الآيات القرآنية إن الملوك إذا دخلوا قرية أفسدوها و جعلوا أعزة أهلها أذلة .

الملحوظة الأهم هي أنه لو كان محمد ( ص ) يرى في نفسه ملكاً مقيماً لدولة لاستخلف بعده من يقوم بالرئاسة لهذه الدولة، و هذا ما لم يفعله ، لقد بلٌغ المطلوب منه تبليغه، رسالة الدين ، وعدا ذلك لم يشغله لأنه ليس من الدين في شيء .

الملحوظات الأكثر أهمية أن خلفاء النبي المباشرين في القيادة والزعامة والمعروفين في تاريخنا باسم الخلفاء الراشدين ، حكموا بضميرهم الشخصي و باعتبارهم كانوا صحابة النبي الأقربين ، مع علمهم أنهم لا يحكمون دولة و وطنا له حدود واضحة وأرض ذات صفات بيئية بعينها . كانوا يعلمون أنهم زعماء قبيلة يحكمون باسم السلطة و القوة و الانتصار العسكري، و أنهم قد ورثوا تلك الزعامة القبلية على بقية القبائل عن النبي المؤسس. كانت شكلاً بدائياً لدولة تولد و لمٌا تكتمل ملامحها، ولا شكلها، و لا نظامها، و لا دستورها، و لا مؤسساتها، و لا قانونها و سبل تفعيله، و لا فلسفتها الأخلاقية و السياسية ولا أجهزتها الرقابية و المحاسبية . ولم تكتمل تلك الدولة من يومها و حتى اليوم، لأنها ولدت في مجتمع مشرذم قبلي بدوي لا يجمعه وطن لأنه متحرك أبداً، و في مجتمع كهذا تكون الدولة بما تعنيه لنا اليوم شيئاً غير مفهوم لهم بالمرة. كانت المسألة حسبما ورد في معاجم العربية ( السيادة و التمكين و الرئاسة والأمر والسلطة ) ، و هي كلها مصطلحات عرفها العرب و لكن بعيداً عن مفهوم نظام الحكم في دولة.

لذلك تولى كل خليفة من الخلفاء الراشدين الحكم بطريقة تختلف عن الآخر، و أدار كل منهم شئون الرعية بطريقة تختلف بالكلية عن الآخر ، فالحقوق في عهد الخليفة أبي بكر غيرها في عهد عمر وغيرها عند عثمان ،وغيرها عند علي ( رضي الله عنهم ) ، فبينما ساوى أبو بكر في العطاء و مات مسموماً في روايات ،فقد فرق عمر هذا العطاء تناسباً مع منازل الناس و مكانتهم و مات مقتولاً ، و بينما امتنع كلاهما عن الاستفادة الشخصية الباذخة من بيت المال فإن عثمان سمح لنفسه بذلك و مات ذبيحاً بيد الصحابة ، و قد تولى أبو بكر الحكم استناداً لتكليفه بإمامة الصلاة في مرض النبي الأخير، و تولى عمر بطريقة جديدة فقد استخلفه أبو بكر، وتولى عثمان بطريقة ثالثة عبر ترشيحه ضمن ستة اختارهم عمر عند موته ليختاروا واحداً من بينهم ، و بينما بايع بعض المسلمين الإمام علي امتنع آخرون عن بيعته و حاربوه حتى سقطت خلافته بمقتله.

و كلنا يعلم أن الإسلام عندما كان يهتم بشأن لا يتركه إلا مفصلاً واضحاً أبيض بشديد الدقة والتدقيق. فالصلاة ، و عددها في اليوم ، و مواعيدها ، و عدد ركعاتها ، و سجداتها ، و ماذا يقال فيها ، وما قبلها وما بعدها ، و التهيؤ لها بالنظافة بالوضوء و إسباغه و طرقه و غسيل اليدين للمرفقين و الرجلين للكعبين ، و قبل الوضوء الاستنجاء أي دخول الغائط و التنظيف بأحجار لها مواصفات و عددها ثلاثة ، كل هذه التفاصيل في شأن تعبدي واحد فما لنا لا نجد عن الحكم و الدولة شيئاً يذكر البتة ؟ ! لماذا لم يشرح الله لعرب الجزيرة شأن الدولة بدقة، و هو عالم أنهم جهلاء و أن نبيهم أميٌ ؟ لماذا لم يبين سبل تبادل السلطة ؟ و لماذا لم يرسل لهم دستورها و كيف تتشكل الحكومة ، و أجهزتها الرقابية و القضائية ، و درجات المحاكم ، و شكل اقتصادها حرٌا أم موجها أم مزيجا ؟ إن السماء لا تعبث فهي عندما تكلفنا بشأن فهي تبين كل جوانبه كما في التكليف بالصلاة ، و مع ذلك يقول مشايخنا إن إقامة الدولة الإسلامية فريضة تكليفية بينما لا نجد في القرآن أو السنة أي فلسفة للدولة ، و نظم الحكم ، و المراقبة ، والمحاسبة الحكومية ، و الشعبية ، و دستورها ، و قيم هذا الدستور . . . إلخ .

و قول دعاة الدولة الإسلامية ، إن دولة النبي كانت دولة بالمعنى الكامل الذي نفهمه منها اليوم ، وكان دستورها القرآن الكريم ، هو قول يفتقر إلى الدقة ، بل إلى الصواب بالمطلق ، لأن للدستور شأنا يختلف عن القرآن ، فمعظم نصوص الوحي ظنية الدلالة كما قرر الأصوليون و جمهور الفقهاء ، و هي الإشكالية التي حاول الجويني ثم الشاطبي حلها بالركون إلى المقاصد الكلية للشريعة بدلاً من الوقوف عند حرفية النص القرآني . و يقول الشيخ جلال الدين السيــوطي : ” و قال بعض العلماء إن لكل آية ستين ألف فهم “، فإذا كان النبي في زمنه موجوداً و يستطيع أن يحيل إلى الفهم الصحيح من بين الستين ألف فهم ، فمن يستطيع اليوم أن يحل محله عندما نجعل القرآن دستور دولتنا ؟

هذا ناهيك عن كون نصف آيات القرآن الكريم منسوخة و نصفها ناسخا، و فيها المحكم والمتشابه ، وهذا كله أمر احتاج بالضرورة إلى وجود النبي بين الصحابة لعلاقته بالسماء التي كانت تتدخل لحل المشاكل المستجدة ، أما شأن الدستور المدني فأهمٌ ما فيه هو قابليته للتطبيق دون اختلاف ، لأن كلماته يجب أن تكون صارمة دقيقة واضحة لا تحتمل أكثر من دلالة و فهم واحد ، و إذا تم إلغاء بند من بنوده يزال من الدستور و لا يبقى فيه منسوخاً .

و تقفو الملحوظات المندهشة بعضها بعضا ، فقبل الإسلام بقرون طويلة كان أفلاطون قد انتهى من كتابة ( الجمهورية ) ، وانتهى أرسطو من وضع فلسفة السياسة و أحوالها ، و قبل الإسلام بقرون طويلة طبقت أثينا نظام الدولة الديمقراطية المباشر ، و طبقت روما ديمقراطية تقوم على حقوق المواطنين عبر مجلس الساناتو ، و مواد الدستور و سيادة القانون ، و لا شك أن المسلم يؤمن أن الله كان يعلم كل هذا ، لكنه لم يحدثنا عنه و لا أشار إليه و لا أتخذ منه موقفاً ، مع ملاحظة أن الإسلام قارن بين الإسلام و الأديان الأخرى ، و اتخذ منها موقفاً سلبياً أو إيجابياً ، لكنه لم يقل إن لديه دولة و إلا لقارنها بالدول الأخرى مبيناً فضل دولته و تميزها عن غيرها ، كما قارن بكثير من التفاصيل الواضحات القاطعات بين الأديان لبيان فضل الإسلام على غيره من أديان . و لو أراد لنا أن نقيم دولة إسلامية، و ألا نستفيد من تجارب الشعوب الأخرى السياسية، لكان عليه أن يحذرنا من أفلاطون، و أن يندد بدستور روما، و يهجو سياسة أرسطو. و لكن كل ذلك لم يكن وارداً لأن الإسلام كان ديناً فقط. ونلحظ بشدة أن القرآن قد تحدث عن ذي القرنين الثابت لدينا أن المقصود به هو القائد اليوناني إسكندر بن فيليب المقدوني ( انظر كتابنا الأسطورة و التراث )، و معلوم أن الأخير كان تلميذ الفيلسوف أرسطو، و لم يتم التنديد بأرسطو و فلسفته و لا بربيبه ذي القرنين الذي تسنم ذروة عالية في الإسلام ، حتى كاد يكون مثل موسى ( ص ) كليماً لله .

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق

Share This