من دفاتر اليسار التونسي في الزمن البورقيبي: صعوبة النّوم على فراش وثير…وعُسْرُ قطع الطّريق

وصلت السيّارة القادمة من عند رئيس الدّولة الحبيب بورقيبة وعلى متنها المساجين الثلاثة. دخلنا السّجن وقد تعوّدنا على “دَخْلاَتٍ” كثيرة، ودَخْلَةُ هذه المرّة ليست كالباقيات، فلأوّل مرّة ندخله خارجين ! التحقنا بالـ”شمبري” الواقع في الجناح “H”. استقبلنا “الأنصار” وهم على أحرّ من الجمر لنعلمهم أنّ “الكرية” (عقد الإيجار) انتهت وعليهم أن يبحثوا على محلّ سكنى جديد. وتبارينا في سرد الوقائع وتفاصيل الأمور، وأعدنا مرّات ما استوجب توضيحه من أسئلة وتساؤلات عن مدى التزامنا بالخطّ السّويّ. وطبعا ابتززت سجائر إضافيّة من صاحب “الكنتينة”. وقَدِم مدير السّجن ليتلو علينا قائمة الفوج الأوّل الذي سيغادر الموقع حالاّ في انتظار يوم 3 أوت القادم لمن تبقّوا.

أسرعت إلى أفضل سراولي الذي يقبع ممدّدا منذ زمن، تحت “المضرّبة” (الْحَشْيَة)، في غياب المكواة. أحافظ عليه، ليكون لائقا، تحسّبا لجميع المناسبات الصّغرى (الزّيارة) والكبرى (يوم الخروج). ويومنا الموعود جاء متزامنا مع يوم عيد النّصر الوطني المخلّد لذكرى 1 يونيو الذي عاد فيه الزّعيم بورقيبة من منفاه سنة 1955 حاملا الاستقلال الذّاتي الّذي أسال دماء غزيرة في البلد… بين أهل البلد، ولكنّه فتح، أيضا، أفقا جديدا لبلد جديد… وفتح مدارس ومعاهد وكليّات في وجه الشّباب… وبعض سجون في ذيل القائمة.

لم تمض بضع دقائق حتّى كنّا جاهزين، كلّ إلى جانب حزمة ملابسه وقد أخفينا فيها، وفي مواضع أخرى، أوراقنا، ودفاتر مذكّراتنا، وحزم الرّسائل التي تلقيناها طيلة إقامتنا، تحسّبا لآخر “فُويْ” (تفتيش).

بدأت الدّقائق تتمطّط أكثر من اللّزوم، فأخذنا نطالب بقدوم المدير حالاّ بدعوى أنّ كلّ لحظة إضافيّة من وجودنا هنا هي خرق للقانون والنّواميس والأعراف القطرية والدّولية، ولا ضير إن كان ذلك يوحي بقانونية وشرعية ما سبق من سنوات طوال كنّا نؤكّد فيها في كلّ مناسبة، وغير مناسبة، أنّها ظلم صارخ وتعدّ على الحريّات والقانون والمنطق والبداهة.

مرّت ساعتان أطول من دهرٍ، كان يحتاجها المدير لتجهيز الوثائق الرّسميّة لسراحنا وتحضير ما أودعناه من ساعات، وأحزمة سراويل، وأربطة أحذية، عند دخولنا أوّل يوم. لم ينقص سوى النّقود التي كانت معنا، وكانت المبالغ لا تتجاوز بضعة عشرات الدّنانير في أفضل الأحوال، احتفظ بها البوليس السياسي ولم نأت بها إلى السّجن، لاعتبارها، من قبلهم، ذخيرتنا الماديّة لإسقاط النّظام والاعتداء على أمن الدّولة والتّآمر عليها وسائر التّهم الأخرى التي حوكمنا من أجلها. أوراق ومناشير وأقلام، وطابعة “رونيو” لن يفلح أيّ كان في تشغيلها سوى أنا أو قلّة من الرّفاق الذين طوّعوها ضاربين عرض الحائط بجميع قوانين الميكانيك… هذا كلّ ما شكّلته أدوات الجريمة الوحيدة المعروضة على المحكمة…وحفنة مال سقط ذكرها، لسهو قد يُبرّره غلاءُ مَعيشةٍ وتواضُعِ رواتبٍ كانا يشكّلان، على كلّ حال، أحد مآخذنا على النّظام.

وجدت نفسي خارج الباب الكبير وحركة الشّارع أسرع ممّا تحتمله وتيرة شبكة مخابرات الخلايا العصبية لدماغي، ونسق تبادل المعلومات فيما بينها. فقدنا العادة على قياس سرعة سيارة قادمة من بعيد، وتقدير حيز الأمان اللاّزم لشقّ الطّريق قبل أن تداهمنا، وما إذا كان من الأفضل القطع قبلها أو انتظار مرورها. مرّت أشهر طويلة قبل أن أعيد اكتساب آليات هذه العمليات الحسابية الذّهنيّة البديهيّة.

والحقيقة التي سندركها في ما بعد، هي أنّ البلد كلّه كان يشكو من هذه العاهة في عدم تقدير ما هو آت… من نهضة إسلاميّة بدت تلوح “بشائرها”، ونحن لا نفقه. وهذا موضوع آخر.

بيتي العائلي يوجد بحيّ “العمران” الواقع على بعد مئات الأمتار من السّجن المدني من جهة اليسار وأنت خارج من السّجن، وعلى يمينك وأنت داخل إليه (بعيد الشرّ). في بادئ الأمر اتّجهت يمينا، دون شعور منّي، نحو حيّ مونفلوري حيث كنّا نسكن قبل انتقال عائلتي إلى العمران. لم يتسنّ لي السّكن طويلا في حيّنا الجديد إذ سرعان ما غادرته هاربا إلى فرنسا بعد حملة الإيقافات الأولى لمنظّمة العامل التّونسي سنة 73، وإقامتي بباريس، ومنعطفي القصير على لبنان للتدرّب مع الجبهة الشّعبية، قبل اجتياز الحدود خلسة راجعا إلى تونس من الجزائر للمساعدة على إعادة تكوين المنظّمة بالدّاخل.

مسألة التّوجّه الجغرافي وفق الاتّجاهات الأربعة الكبرى، هي الأخرى، صعوبة يتفطّن إليها السّجين خارج زنزانته، وداخل الفضاءات التي تكون أفوتَ مساحة من الـ”آرية”. انتبهت إلى هذا الأمر بعد قطع مسافة غير قليلة، فعدت أدراجي في الاتّجاه المعاكس لأبلغ بيتي حوالي الخامسة أو السادسة ظهرا، تقريبا.

كان والداي، وإخوتي، وحفنة أصحاب ورفاق في انتظاري لعلمهم بخروجنا دون معرفة التوقيت بالتحديد. والفطور مقرونةُ أمّي التي يندر الإتيان بمثلها، وإن كانوا صادقين.

عانيت مدّة من صعوبة هضم وإعادة ترتيب صور الوجوه المتلاحقة للأصحاب من كلّ المجالات: رفاق ورفيقات سياسة، وأتراب حومة، وزملاء وزميلات دراسة، وأبناء وبنات عمومة، وأعوان أمن مدنيين تقدّم لهم أمّي القهوة وهي تحسبهم من عُدّة الرّفاق الكُثُر، ومثقّفون يقفون بين عقلانية اعتبارنا مغامرين طفوليين وبين شعور غامض بالذّنب لوقوفهم سنتيمرات على عتبة الشّجاعة أو الالتزام أو ما شابه ذلك. بعض أصدقاء والدي جاؤوا يهنّئونه بابنه البطل، وفيهم من اشتغل وزيرا، ومن كان إطارا عاليا في الحزب الحاكم، وحتّى في سلك الأمن. كانوا على شوق أكبر لمعرفة حيثيات المقابلة مع بورقيبة من تفاصيل تقنيات البوليس السياسي في تعامله مع أجسادنا، وأذهاننا أو أثر السّجن على شابّ يدخله في الواحدة والعشرين من عمره ليغادره وهو في السّادسة والعشرين وبضعة أشهر. وأشهد أن لا أحد منهم حسدني على “ربطيتي” (سجني)، كلّ ما في الأمر أنّي لمست فيهم أمنية في أن يأخذوا مكاني لمدّة الساعة القصيرة، أمام الزّعيم، مع تغيّر شروط الظّرف !

حكايتنا مع بورقيبة أخذت أبعادا غطّت لمدّة طويلة على ما تبقّى. تعدّدت الرّواية بتعدّد الرّاوة، وإن لم تختلف كثيرًا إلاّ في تفاصيل انتبه لها هذا، ولم يعره ذاك اهتماما. وبعضنا أبرز معانيها السياسية أكثر من غيره، والبعض توقّف عند خفاياها وقراءة مدلولاتها أكثر من وصف مجرياتها. والأمر طبيعيّ في حدّ ذاته، لذا أعتقد أنّ الرّؤية لن تكتمل يوما مادام لم يكتب فيها الجميع بما يساعد على أخذها من مختلف الزّوايا والرّؤى وذاتية التّعامل معها.

صعوبات أخرى غير متوقّعة…أو جدلية الغائب

يصعب إيجاد النّعت المناسب لصوتها في الهاتف :” لم أخاطبك أوّل يوم لأنّني… لم أرد إزعاجك…لأنّني أردت… أن أدعك ترتاح قليلا… لأنّني انتظرتك طويلا… لأنّه يصعب…”. تَرجمتُ لكم ما قالته لي بالفرنسيّة وفي الحقيقة لم أُترجم شيئا، وربّما الأصحّ هو ما لم تقله حرفيّا: “لماذا خرجت …انتظارك كان أسهل…”. وكنت أشعر بدوري أنّ الحفاظ عليها في مخيّلتي أسهل من لقائها مباشرة. ولكنّ الأمور كانت غامضة وقتها. قلت : أريد رؤيتكِ…لست النّابغة الذّبياني”.

–النّابغة من ؟

قلت : سأشرح لك فيما بعد. متى أشوفك ؟

وعدتني بأن تخاطبني من جديد وظلّ الهاتف يصل بيننا لأيّام طويلة. نقضّي ساعات معا وأنا أتقدّم كلّ مرّة خطوة إضافيّة في تقبيلها، ومصّ شفاهها، وتعريتها، والتمرّغ على جسدها، وأشياء أخرى أسعدت، ولا شكّ، عون الإنصات الهاتفي في وزارة داخليتنا الموقّرة، فالحكاية قديمة عندنا، ولا أدري كيف يصوغ المسكين تقاريره ليرفعها إلى فوق. وهبالي (جنوني)، كما كانت تقول، أعجبها أيضا، فكأنّه امتداد لحكاية حبّ وعشق لا تأخذ معناها إلاّ داخل الغياب، ولا يستقيم فيها الحضور سوى من خلال تصوّر الواحد للآخر، وتَشَكُّلِهِ حالة افتراضية يرتع فيها الخيال، وتنمو فيها المشاعر، وتعمّ داخلها فوضى الشّبق والأحاسيس، وتتّسع معها مساحات العشق، فإذا انتفى هذا الشّرط قد تنتفي معه الحكاية برمّتها. لست أدري إن كان المصلّون يجدون متعة روحانيّة أفضل في أدائهم لصلاة الغائب، ولا أعتقد أنّ الأمر كان بينها وبيني من هذا القبيل…أو ربّما كان كذلك !

يوم ضممتها إليّ، في أوّل خلوة لنا، أدركت أشياء لم تكن تدور بذهني، وووقفت على حقائق قرأت عنها فيما بعد عن فعل الأعوام لدى السّجين، عن تراكم الصّدأ، وعن سجين يخرجُ ليربُط اليومَ بالبارحة، كأنّ الزّمن كان واقفا في انتظاره، وصديقة مرّت أكثر من خمسة سنوات حقيقية في حياتها. وتلك حكاية أخرى.

فردانية الوجود …داخل وهم الجماعة

السّجن تجربة فرديّة وحدانيّة لا يمكن أن تكتب بنون الجماعة، أيّا كان تماسك الجماعة وتوحّدها. ولعلّها أعسر امتحان تمرّ به الجماعة، أو أفضله، لأنّها تؤسّس لفردانية الإنسان، إذ الوجع والوحشة، والبؤس الجنسي، وحاجة الجسد إلى الدّفء أشياء يجب أن تبحث لها عن تعويضات، أو إرجاءات وتأجيلات داخل أعماق نفسك. وأن تكون ضمن جماعة لهو أرحم ولا شكّ، لأنّ نسيج المجموعة يُنسي، ويُلهي، ويلطّف، وإن كان لا يُعوّض في شيء. وأن تبحث داخل نفسك ففي ذلك اكتشاف لها، قد يبني وقد يهدم، وقد يشيّد أشياء ويكسر أخرى، كلّ حسب جدليته الخاصّة التي يصعب على الآخر التكشّف عليها. ولكن في الأمر رحلة مثرية إذا قدّر لها أن لا تنتهي بمأساة.

يوم أوقفني البوليس السياسي، كنت أقطن مع جماعة من العمّال بعضهم في الصحّة العمومية وبعضهم في السكك الحديدية وجلّهم من أصيلي منطقة “البلاطة” قرب مدينة القيروان. مجموعة “عزّاب” يكترون بيتين متلاصقين في حديقة منزل شعبي بمنطقة الزّهراء، وذلك لتقاسم أعباء الحياة. لم أكن أعرفهم ولا صلة لهم بالمنظمة.كلّ ما في الأمر أنّ رفيقي “الشّريف” الذي عرفته في باريس صائفة 1974، وكانت المنظمة تعيش وضعا خاصّا إثر الضّربة الكبيرة التي تلقتها في تونس، وظهرت في أوساطها بالمهجر حركة داخل بعض فروعها بمدينة ليون الفرنسية، وستراسبورغ، و سانت-إيتيان، وتولوز، وبروكسيل ببلجيكيا، إضافة إلى بعض العناصر بباريس، قرّرت أن تتحمّل مسؤولياتها تجاه الدّاخل لمؤازرة رفاقنا المتبقّين بتونس، وأن تحاسب القياديين على خمولهم وفتورهم وبقائهم غير فاعلين بباريس، فحدث ما عُرف بحركة التّصحيح عند البعض، وبالانقلاب في رأي آخرين.

كانت النتيجة، باقتضاب شديد، أن وُلدت حركيّة جديدة، بقطع النّظر عن تقييم مدلولاتها السياسية وخلفيّاتها الفكرية المعتقدية، فوجدنا أنفسنا في دوّامة حركية، يشهد الّذين تحدّثت معهم، فيما بعد، بأن لا أحد كان يسيطر على آليات اشتغالها لتداخل عدّة أشخاص وعوامل فيها، فكان فيها الرّفيق “نجيب” الذي مرّ بالبعث العربي قبل أن يلتحق بـ”العامل التونسي” ليصبح أحد أهمّ قادته ومنظّري العروبة الماركسية في صلبه، و”عبّاس” الاسم الحركي لمن سيصبح بعد سنة أو اثنين مؤسّس “حزب الشعب الثّوري” الذي آوته ليبيا قبل أن يتمّ إيقاف عناصره بتونس، و”حميّد” و”الشّريف” القادمين من النّضال العمّالي في المهجر والعمل الاجتماعي في الأوساط المهاجرة… وقد أفضت هذه الديناميكية إلى تواجدي، ضمن مجموعة صغيرة في لبنان، تتدرّب على السّلاح في منطقة “النبيّ حام” بمرتفعات البقاع. وكنت أحد عناصرها الأكثر اندفاعا لأسباب تعود إلى ميلي إلى الرّومانسية الثورية وإعجابي المطلق بـ”شي غيفارا” أكثر من شغفي بكتب “ماركس” و “أنجلز” الوعرة القراءة والفهم، أو كتب ماو تسي تونغ البالغة التّبسيط.

عندما أنهينا تدريبنا الذي سآتي، عدت إلى باريس، ومنها إلى مدينة ليون، حيث قرّرنا الرّجوع إلى البلاد عبر شبكة إسناد كان من المفروض أن تتلقّانا بالجزائر لتسهيل تهريبنا إلى تونس. نزلنا عنّابة بالطّائرة وكنّا ثلاثة عناصر نحمل معنا وثائق، وتعليمات، ومطبوعات عن الخطّ الجديد الذي تبنّته المنظّمة لأوّل مرّة في تاريخها باعتبارها جزءا من حركة التحرّر العربي ورافدا لرأس حربتها: الثورة الفلسطينية….

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق

Share This