صيغة الديمقراطية التوافقية وتجربة لبنان

تطرح مشكلة انتخاب رئيس للجمهورية في لبنان باعتبارها نتيجة لتدخلات خارجية تعرقل الانتخاب. وما من شك في أن لهذا التحديد هدفا عميقا،هو عدم المساس الصيغة اللبنانية ،الصيغة الفريدة التي ما انفكت تقوده إلى الحرب الأهلية منذ الاستقلال.

فبغضٌ النظر عن كل التدخلات الخارجية، وهي موجودة بالفعل لكنها تتغذى من الانقسام الداخلي ذاته، فإن الانقسام اللبناني واضح وصريح: الشيعة وجزء مهم من المسيحيين هم في المعارضة، والسنة والدروز وقسم من المسيحيين هم في السلطة.وهناك توازن شعبي بينهما (بعيداً عن سلاح حزب الله).

والمشكلة الأخطر هي أن هذا الانقسام الذي يحاول أن يتغطى بمواقف سياسية، أو يحمل في داخله خلافات سياسية، قائم على أساس طائفي، لهذا أشرنا إلى الشيعة والمسيحيين والسنة والدروز، ولم نشر إلى أحزاب طائفية.

حتى العماد عون الذي قاتل من اجل تجاوز الطائفية في88-1990، وطرح ذاته مواطنا لبنانيا، يتعامل الآن من منطلق أنه ممثل المسيحيين كونه حصل على النسبة الأكبر من أصواتهم في الانتخابات النيابية. وبالتالي يعتقد أنه أحق بالرئاسة لهذا السبب بالذات، ما دام الرئيس يجب أن يكون مارونياً.

وإذا كان ديفيد ولش مساعد وزيرة الخارجية الأمريكية قد صرّح في زيارته الأخيرة بـ”أن لبنان موئل الديمقراطية والحرية في المنطقة” وهي الفكرة المعممة، والتي تثبت امتياز لبنان، وغدت حلم قطاع من “المثقفين” الذين اكتشفوا الديمقراطية في وقت متأخر، ولان المثال اللبناني بات في موقع النموذج الذي وضع تحت التعميم إلى العراق أولاً ثم ربما إلى كل المنطقة ، فإن هذه الصيغة اللبنانية الفريدة يجب أن يجري الالتفات إليها، بعيداً وبغض النظر عن كل التدخلات الخارجية. وبالتالي يجب نقد التركيبة التي صيغ فيها لبنان لكي يكون “كياناً مسيحياً”، وبالتالي ليصبح كياناً قائماً على توافق “طوائفه”، وفق الصيغة الأولى، رغم التحوّلات الديموغرافية والاقتصادية التي حصلت منذ سنة 1920. ولقد كانت هذه التحوّلات هي الأساس في التشكيك في أسس التوافق، والسعي من أجل تعديل المحاصصة الطائفية كما جرى في اتفاق الطائف، وكما هو مطروح اليوم دون إعلان رسمي.

حيث أصبح الثقل “الشيعي” أكبر ديموغرافياً واقتصادياً، ورمزياً كذلك من خلال المقاومة. وبات الدور “السني” هائلاً نتيجة الانتعاش “السني” في كل المنطقة، والمركز المالي الهائل لعائلة الحريري. وبالتالي تراجع الاهتمام الامبريالي بأن يكون لبنان هو “كيان المسيحيين”،لا تجاوزاً له، لكن لمصلحة تعدد الكيانات الطائفية، ولمصلحة “الديمقراطية التوافقية” هذه التي يراها ولش الموئل في المنطقة.

تشكل “الكيان اللبناني” منذ الاحتلال على أساس أنه “كيان المسيحيين” في الشرق، وتكرّست الرأسمالية من “أصول” مسيحية كسلطة، مطوّبة على أنها سلطة إلى الأبد، انطلاقاً من طابعها الديني هذا. لهذا حرصت على تغذية هذا الشعور الطائفي الذي أعطاها امتياز السلطة، وبالتالي على مقاومة كل الأفكار الحداثية التي كانت منذ زمن تتغلغل في “الطائفة” (وحزب الكتائب مثال لذلك ، وشعاره الله-الوطن”المسيحي طبعاً”-العائلة). ولقد حكمت بـ”توافق” مع الرأسمالية ذات الانتماء السني، وبالتالي بتقاسم الوظائف العمومية، ومواقع السلطة.

وفي مواجهة الانتعاش القومي في الخمسينات دفعت هذه الرأسمالية لتحويل الصراع إلى صراع طائفي، صراع يهدف إلى شطب المسيحيين من السلطة. وفي مواجهة تعزز الحركة الوطنية )مدعومة من المقاومة الفلسطينية،التي كانت لقيادتها أغراض أخرى من ذلك) فجرّت الحرب الطائفية (سنة 1975)، كل ذلك من أجل الحفاظ على مواقعها في الاقتصاد والسلطة. ولكن التغيير الديمغرافي الذي شهدته “الطائفة الشيعية”، على فقرها، ونشوء رأسمالية جديدة من داخلها، أفضى إلى تشكلها في أحزاب “طائفية” لا ترضى بالتقاسم الطائفي القديم، وتسعى إلى تعديل المحاصصة الطائفية. وهو ما تحقق جزئياً في اتفاق الطائف. الأمر الذي هز من أركانه من جديد نشوء “المقاومة الإسلامية”، وطرد الاحتلال الصهيوني من الجنوب، لتصبح لها رمزية أكبر من حصتها السياسية، وليكون ممكناً السعي لإعادة التفكير في تغيير طبيعة المحاصصة الطائفية..

تتحدّد المشكلة إذن في أن السلطة/الدولة في لبنان صيغت في إطار تقاسم حصص بين طوائف، فكان من الطبيعي بالتالي أن يؤدي شعور طائفة بالظلم إلى التململ ،وشعور “رأسماليتها” بالغبن إلى الدفع نحو التفجير من أجل إعادة تقاسم الحصص. حيث أن التكوين قائم على حصص طائفية، وليس على أساس المواطنة.

هذه المحاصصة الطائفية في السلطة تعيد إنتاج الانغلاق الطائفي في المجتمع عبر تحويله إلى سياسة. حيث يصبح لطائفة امتيازات اقتصادية (مناصب ووظائف)، ويصبح لـ “رأسماليتها” المصلحة في إعادة تعميم الوعي الطائفي، و”التماسك الطائفي” من أجل تكريس الهيمنة لدى المسيحيين، وتغيير المحاصصة لدى الطوائف الأخرى. وهذا يهيئ لاستمرار وجود وضع تمايزي، ونشوء وضع تحريضي كل ضد الآخر،الذي هو طائفة أو طوائف أخرى. ويكرّس الانقسام على أساس طائفي وديني بعيداً عن المساواة التي تفترضها الديمقراطية كأساس، من خلال تكريس مبدأ المواطنة.

وإذا كانت مصلحة الرأسمالية المسيحية أن تعيد إنتاج الوعي الطائفي، وتكريس أن لبنان هو وطن المسيحيين،من أجل أن تظل مهيمنة، فإن رأسمالية الطوائف الأخرى كانت تفعل الشيء ذاته، في ظل التغيّر الديمغرافي والوضع المزري في طوائفها، والشيعة مثال على ذلك،خصوصاً مع حركة أمل.

وبالتالي بدل أن تكون هناك إيديولوجيا واحدة للطبقة المسيطرة، يتكئ كل”فرع طائفي”فيها على إيديولوجيا تقليدية متداعية، ينفخ فيها لكي يوحّد الطائفة خلفه، لأن قوته متأتية من طائفته ما دامت السلطة هي سلطة طوائف، أصبح لبنان يتشكل من كتل طائفية وليس من شعب. كتل يتقاتل زعماؤها من أجل محاصصة، ينزع كل منهم لان تكون في صالحه، وإلا الفوضى، وتشكّل الدولة داخل الدولة ،وبالتالي الحرب الأهلية.

هذه هي سمة “الديمقراطية التوافقية” الديمقراطية التي تلغي ذاتها حينما تتحوّل إلى توافق، ولكن أساساً حينما تقوم على أساس مضاد للديمقراطية، هو الدين والتمايز الديني، حيث ينتهي مفهوم المواطنة. لا تقوم الدولة على مبدأ المواطنة الذي هو أساس أية ديمقراطية تبدأ من المساواة القانونية بين الأفراد، الذين يغدون حينها مواطنين. وبالتالي ينتفي أي تميّز ديني أو طائفي و يتحوّل إلى شأن شخصي لا علاقة له بالسياسة. فالديمقراطية هي تطور مفهومي يتجاوز المستوى المفهومي الذي نشأ مع الدين، وترابط مع الدين. لهذا فهي تقوم على قلب الهوية من الدين إلى الوطن، وتبقي التمايز الديني في الإطار الشخصي، كشأن شخصي.

المسألة أن “الديمقراطية التوافقية” أقامت مظاهر الديمقراطية، أي الأحزاب والصحافة والانتخاب،على قاعدة ماضوية، هي النظر الديني، التمييز الديني، النظر الديني للآخر، وليس النظر الفردي للآخر. لهذا أصبحت مظاهر الديمقراطية شكلية إلى أبعد الحدود، لان الانتخاب يفرض حجماً لكل طائفة، ويفرض مناصب لها مسبقاً، وهنا لا يكون الاختيار لكل الشعب بل لجزء هو الطائفة، وفي المناصب لنواب الجزء. لكن الأخطر أن هذه الديمقراطية القائمة على قاعدة دينية/طائفية، تقود إلى إعادة إنتاج مستمرة للدين/الطائفة. وتكرس الإيديولوجية الدينية/الطائفية، فتنفخ فيها بشكل مستمر، لأن كل الصيغة “الديمقراطية” تعتمد إعادة الإنتاج هذه. وبالتالي فإنها تكرس الايدولوجيا التقليدية/الدينية بإعادة إنتاج الماضي. لكن،الأخطر هو أنها تدخل البلد في متاهات الصراعات الراهنة، الصراعات بين شرائح رأسمالية يسعى كل منها لان يحسّن مواقعه في السلطة كلما شعر بأن لديه قاعدة اجتماعية تدعمه لسبب ما.

وهنا بدل أن يتحوّل الصراع إلى صراع طبقي، ينحرف ليصبح صراعاً طائفياً لا مستفيد منه سوى الرأسماليات الطائفية إذ توحد رأسمالية الطائفة العمال والفئات الوسطى خلفها، تأسيساً على تعبئة طائفية، ماضوية، متخلفة، تضيع كل منجزات العصر الحديث الفكرية والثقافية والسياسية ،وتخفي الصراع الطبقي، تحوّله إلى صراع طائفي على حصص تنالها الرأسمالية ذاتها (وربما بعض الفئات الوسطى(.

إن تأسيس ديمقراطية حق يتحقق فقط على أنقاض الايدولوجيا الدينية/الطائفية،على أساس تجاوز تعريف الهوية القائم على أساس ديني/طائفي، وبالتالي تحديد الفرد بما هو فرد/مواطن، وهو ما يسمح بتعميم الحداثة

لقد أوضحت التجربة اللبنانية أن ما يسمى “الديمقراطية التوافقية” لا يعدو أن يكون صيغة من أجل استمرار هيمنة فئة هي رأسمالية تابعة، وإيديولوجيا هي الأصولية الدينية/الطائفية (سواء كانت مسيحية أو إسلامية). ولكن أيضاً استمرار الحرب الأهلية، بفعل تحولات داخلية (ديموغرافية وثقافية،وسياسية)أو إقليمية ودولية، أي كلما تعرضت الرأسمالية المسيطرة الملحقة بالرأسمالية العالمية لهزة، أو سعى فرع منها لإعادة بناء المحاصصة، وبالتالي فهي آلية إنتاج وإعادة إنتاج الوعي الأصولي، التقليدي، الطائفي، والحرب الأهلية المستمرة، من أجل مصلحة رأسمالية تمعن في استغلال الدين لتكريس سلطتها وهيمنتها.

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق

Share This