ضرورة الديمقراطية العلمانية في لبنان

مع اشتداد الأزمة اللبنانية بين السلطة والمعارضة وعدم وجود مخرج يُنهي حالة المأزق اللبناني الذي يهدد بتشظي لبنان إلى لبنانين ، و نظراً لارتباطات أطرافه الفاعلة بجهات دولية وإقليمية . جاء توكيل فرنسا بحلحلة الوضع، فحاولت ذلك من بوابة الطائفية العريقة في لبنان ، التي هي إرث فرنسي خاص، ومع كوشنير تحولت المسألة إلى سخرية مريرة حيث تستجدي دولة علمانية مرجعيات دينية طائفية وقوى طائفية بامتياز لحل أزمة السلطة؛ التي لا تستطيع انتخاب رئيس لها. فأوكل الأمر بدوره إلى سيادة البطريرك بوضع لائحة بأسماء المرشحين، وقد حددها سيادته بالفعل ولكن شدة المأزق دفعت بتلك اللائحة السماوية إلى سلة المهملات الأرضية فكان التجاهل التام من نصيب لائحة غبطته. فُطرح اسم العماد ميشيل سليمان كبديل عنها وكجهة مستقلة، رغم أن جماعة 14 آذار هي التي طرحته للتداول.

لا يهمنا هنا تحديد أي المواقف صحيحة ولا نقدها ،ففيها اجتهاد واجتهاد، وما يعنينا هو طريقة تعامل السياسيين الفرنسيين واللبنانيين مع ممثل طائفة لبنانية وأقصد البطريرك صفير حيث أن طريقة تعاطيه مع مسألة الرئاسة أظهرته لا كمرجعية دينية طائفية فقط بل وكذلك كمرجعية سياسية ، ونتيجة حشر نفسه بذلك الموقع الذي تبين لاحقاً خطورته مع ظهور مشكلات جديدة تم تجاهل لائحته والاستهانة به، وبالتالي توضّحت خطورة إدخال الدين في السياسة والسياسة بالدين وهو ما أفسد الأمرين معاً.

إذن ، شكّل غياب إمكانية الفعل ،عملية استخفاف بالدين ورجالاته ، وهو ما يدفع للقول أن الدين شيء والسياسة شيء آخر. ولهذا كان على البطريرك أن يتعفف وأن لا يستخف بمنصبه وأن يبتعد عن التدخل بالشأن السياسي المباشر وألا يكون منفذاً أو وسيلةً في أية حسابات سياسية، وقد استحق ما جنت يداه على كل حال ولا يفيده توزيع الشتائم على الجميع لاحقاً. وبالمناسبة فإن رجالات الدين في أوربا أُقصوا عن دورهم السياسي بالعصا حتى أغلقوا اجتهاداتهم عن المجال العام أي المجال البشري الذي يخص المؤمنين وغير المؤمنين، وأقصد أن للدين مجاله الخاص ولرجالاته مهمات روحية، أما السياسة فهي تعبير عن مصالح وصراعات قد تشوبها المؤامرات والدسائس من كل حدب وصوب وهي في السياسة البرجوازية – سياسة الأمر الواقع – أداة لخدمة مصالح الأقلية الثرية . وهو ما كان في لبنان العظيم وما سيستمر فيه، ومن رداءة الموضوع أن كل ذلك يتم باسم الدين وتسييسه فعلياً واستخدام الشكل الطائفي الذي ليس سوى نظام سياسي ممسوخ ومشوه وتابع وغير قابل للحياة إن كُشفت عوراته.

العلاقة بين الديني والطائفي هي ما يعنينا في هذا المقال، فالطائفي سياسي بامتياز وهو يعصّب طائفته خدمة لمصالحه، أما الديني فهو متصالح مع طائفته ومعبر عن مشكلات البشر ويحاول التوفيق بين مصالح فئات أفراد مذهبه وعادةً ما يغض النظر عن شؤونهم المادية ويهتم بشؤونهم الروحية والأخلاقية فله الله ولهم الدنيا . في لبنان، الطائفي يهيمن على الديني ولأن الأمر كذلك تشكل النظام الطائفي، الذي يعمل مع كل أزمة سلطوية على تفجير لبنان وجر الشعب كالقطعان إلى الموت أو الحرب الأهلية. وبالتالي وباعتبار الأمر نافل القيمة والمعنى، فإن الحل في لبنان يتطلب ويشترط فصل الدين عن الدولة من أجل تنزيه الأول ووقعنة الثانية، وبحدوث ذلك يمكن أن يتحول النظام السياسي اللبناني نظاماً ديمقراطيا علمانياً وقابلاً للتراكم والتطور، نظاماً يؤمّن لكافة الأفراد حرية ممارسة شعائرهم الدينية والروحية ويحفظ لرجالات الدين كرامتهم وقدسيتهم في نظر أتباعهم ويسمح للأتباع بممارسة فعاليتهم البشرية كمسؤولين عن مصائرهم ، في هذا النظام فقط تتم عملية العودة بالدين إلى المماثلة مع الأصل، أي دين الدعوة إلى عبادة الله والعمل لخير الجماعة كل الجماعة. عندها فقط تتم المساواة بين الأديان وبين الأفراد لجهة تمثّلهم بالدولة بعيداً عن التمييز الديني الماهوي، وانطلاقا من كونهم مواطنين لهم حقوق وواجبات متساوية أي تجمعهم المواطنة. كما أن الوثوق بضرورة العلمانية وفصل الدين عن الدولة وفصل الدولة عن الدين يسمح باستواء السياسة سياسة ً بشريةً ويستقل الدين بنفسه ولنفسه ديناً سماوياً لخير الجماعة والبشرية.

وبتحقق ذلك لا يساهم الدين في إعاقة التطور بل يكون دافعاً له نحو التقدم، وهذا عكس ما يجري في عالمنا العربي حيث أن أخطر ما يواجهه هو دخول الأصولية الدينية حقل السياسة، وهو ما يدمر المجتمع ماهوياً ويدفع به خارج التاريخ. استنتاجنا هنا لا يمايز بين جهادية دينية أو أصولية وطنية. ففي الحالتين نحن أمام مأزق التفتت الداخلي، كما هو الحال في لبنان والعراق وفلسطين وجزئياً مصر، وسوريا مرشحة له في المستقبل. ولهذا افترضنا الديمقراطية العلمانية.

لبنان بلد الحريات بامتياز ولكنه بلد “الديمقراطية” الطائفية بامتياز كذلك، وان المحافظة على صفته الأولى غير ممكنة إن استمرت الصفة الثانية وتأبدت دستورياً كما جرى ويجري، بغياب الثانية والتحول نحو نظام ديمقراطي علماني يمكن أن تتطور الحريات لا في لبنان فقط بل وفي كل العالم العربي، وهو ما كان في زمن صيرورة القوى الديمقراطية العلمانية كقوة مُقرّرة في الساحة اللبنانية.

“الديمقراطية” الطائفية المنتشرة بقوة في عالمنا العربي لها دون شك أساس في العقود الأربعة الماضية ، زمن الديكتاتوريات الشمولية وهي نتيجة عدم شرعية الديكتاتوريات وفشل سياساتها وفتكها بالقوى العلمانية ومساوماتها مع القوى الدينية والطروحات الفكرية الدينية أو التشجيع المستمر للتدين العام كمقابل للتيارات القومية والشيوعية والعلمانية والديمقراطية.وبالتالي يرتع عالمنا بين تيارين أيديولوجيين نتيجة السلطة الاستبدادية: تيار دعاة السلطة وتيار دعاة الطائفية، والاثنان متفقان في الاقتصاد والاجتماع البشري ولا يكاد اختلافهما يتجاوز الحصة في التمثيل السياسي. فالاستبداد دافعة التفتت والطائفية أيضاً، وهو ما يفرض الخيار الثالث، خيار الديمقراطية العلمانية الذي يفترض دورا أساسيا للدولة شريطة أن تتحول دولةً ديمقراطية علمانيةً. هذا الخيار لا يحارب الدين ولكنه يرفض الطائفية ويؤمن الحماية الكاملة للأفراد بممارسة حقوقهم الكاملة باعتبارهم مواطنين ينتمون للدولة لا منتمين لطوائف وملل.

لذلك ليس للبطريرك أو لبقية رجالات الدين التدخل في السياسة وفي توزيع المناصب والأعمال والوظائف في الدولة. قولنا هذا لا يتجاهل اختراق الطائفية لمعظم تكوينات قوى السلطة والمعارضة ودورها الفاعل تخلفاً، فيها وفي مستقبل لبنان، والذي يمنعه أن يكون دولةً حداثيةً ديمقراطية وعلمانيةً منذ نهاية الاحتلال الفرنسي وكنتيجة له على أقل تقدير.

معركة اليوم في لبنان ستحسم، دون ربما، لصالح القوى الطائفية وسيتضاعف التراجع المستمر للقوى العلمانية ولأهمية لبنان في المنطقة العربية، وبالتالي وفي الشرط اللبناني “ديمقراطية طائفية” لا يوجد شعب لبناني، بل فقط مجموعة زعماء. وهم سعد الحريري وحسن نصر الله ووليد جنبلاط وسمير جعجع والعماد عون والبطريرك صفير. هؤلاء هم من يحرك لبنان. والمشكلة أن اختلافهم يدمر لبنان واتفاقهم يسكّن الأزمات ويوحي بالاستقرار.ولذلك لن يكون لبنان بلد حريات ولن يكون نظامه ديمقراطيا وعلمانياً إن لم يتم التخلص من المذكورين أعلاه وفصل الدين عن الدولة والسياسة وتجريم إثارة النعرات الطائفية وتبني الديمقراطية العلمانية.

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق

Share This