إشكالية التخلف والحداثة في الفكر الإيراني المقاصد الثلاثة: القانون، القومية، الإسلامية

الفكر الإيراني الحديث تشكل منذ اللحظة الأولى من ثنائية مهمة، وهي ثنائية “الحداثة” و”التخلف”، وأصبحت هذه الثنائية ملازمة له منذ انبثاقه حتى اليوم.  ثنائية تحولت إلى معضلة متداخلة ومتشابكة، معضلة أصبحت “إشكالية” لا تفارق هذا الفكر لأنه فكر لم يهدَم أسس التخلف ولم يبن أسس الحداثة التي طلبها، وعدم إنجاز ونجاح أي منهما أدى إلى تعقيد الإشكالية وتعميق الأزمة التي يعيشهما هذا الفكر طوال فترة ثلاثة أجيال.

وإذا حددنا بدقة بداية انبثاق هذا الفكر تعد فترة ميرزا عباس “ولي السلطنة القاجارية” المتوفى عام 1832 ميلادي هي لحظة انبثاقه، حيث تعرف أثناءها الإيرانيون إلى عوامل تخلفهم، و عرفوا أيضاً مكونات الحداثة، وانشغل الإيرانيون منذ تلك الفترة بما انتبه وأشار إليه عباس ميرزا وهما المحوران المهمان، محور: عوامل تخلف إيران، ومحور: إدراك مكونات تقدم أوروبا.  فعوامل هذين المحورين ومكوناتهما كانت نماذجها كثيرة، قد لمسها وتعايش معها عباس ميرزا وهو في منصب ولي العهد, منصب أتاح له أن يصب انشغاله واهتمامه بعوامل التخلف وتحركه نحو معرفة مكونات الحداثة.

عوامل التخلف ومكونات الحداثة لا يكوَن أيَ منهما حدثاً عابراً في تاريخ إيران، بل تشكل منهما جناحا الوعي في الفكر الإيراني الحديث، وعي كشف الذات الإيرانية المنهزمة، ووعي كشف الآخر الأوروبي المنتصر، وهذا الوعي ذو الوجهين حمله ذلك السؤال المعروف في التاريخ الإيراني الذي طرحه ميرزا عباس على جوفير، مبعوث نابليون، القادم من أوروبا إلى فتح علي شاه قاجار، حيث تساءل “لا أعرف ما هي هذه القوة التي تفوقتم بها علينا؟  وما هي أسباب ضعفنا؟  وما هي أسباب تقدمكم أنتم في أساليب الحروب والفتوحات واستعمال القوى العقلية التي تتفوقون بها، فيما نحن نعيش في بئر من الجهل؟  قل ماذا نفعل نحن الإيرانيين حتى نكون فطنين؟”(1).

وهذا السؤال حمل مقصدين رغب ميرزا عباس التعرف عليهما،  المقصد الأول: التعرف على أسباب ومكونات تقدم أوروبا مكونات كانت حاضرة وفاعلة، شهد أثرها في الهزائم التي لحقت بإيران في حروبها مع روسيا القيصرية.                                       المقصد الثاني: التعرف على عوامل تخلف إيران وأسبابه من أجل تجاوزها – كما سعى إلى ذلك.  لذا عُرفت هذه الفترة ببداية اليقظة الجديدة في تاريخ  إيران الحديث “تاريخ بيدارى إيرانيان”.  وهذه التسمية جاءت إثر ما شهدته تلك الفترة من تحرك وانفتاح باتجاه أوروبا من جانب الإيرانيين على محورين، المحور الأول: إدخال الإصلاحات والنظم الأوروبية، إصلاحات بدأها أولاً عباس ميرزا عندما كان حاكماً على آذربايجان، وهي أول خطة بناء جديدة عرفتها إيران، وشملت تطوير الجيش وتنظيمه ، حيث استفاد من خبرة ضباط أوروبيين وتجربتهم قاموا بتدريب وتعليم الجيش فنون القتال، واستعمال الأسلحة الجديدة وبناء مصنع في مدينة تبريز للمدفعية، ومن أجل استمرار خطة الإصلاح أوفد إلى أوروبا أولى البعثات للدراسة وتعلم إدارة نظم الدولة.  المحور الثاني: مسار الارتباط والاتصال بأوروبا حيث أخذ هذا المسار منذ تلك اللحظة عدة طرق هي: (1) البعثات الإيرانية إلى أوروبا، (2) بناء المدارس الحديثة، (3) ترجمة المصادر الأوروبية، (4) الجرائد و المجلات، (5) وضع الرسائل،  (6) الوسيط المثقف.

وهذا الارتباط، والعلاقة التي تشكلت بين إيران وأوروبا أنتجا وعياً لدى من ارتبط بأوروبا من الإيرانيين خصوصاًَ المثقفين، وعياً شكل رؤية واحدة تجاه فهم الذات وفهم أوروبا معاً، ويشرح هذه الثنائية والرؤية أحد المفكرين الإيرانيين فيقول “اليقظة  للأفكار في إيران هي ثمرة التعرف على العلم والتمدن الغربي، والتعرف على مدنية الغرب هو من نتائج العلاقة والارتباط بين إيران وأوروبا…، المجتمع الإيراني متخلف عن التطور المادي والعلم والحكمة، ولا خبر عندنا عن ذلك التطور حيث الفوضى العامة في إيران هي سبب تخلفنا عن ذلك”(2)، وتبعاً لهذا التحديد الذي رصد التخلف والتطور أصبحت أوروبا تمثل نموذج التقدم والحضارة في الرؤية الإيرانية، لتلك المقاصد التي طرحت في إيران من أجل تغيرها تم أخذها من المرجعية الأوروبية هي كالتالي:

المقصد الأول (القانون): وانطلقت هذه الرؤية تبحث لها عن فضاء ومجال للعمل به، وكثرت الدعوات التي أطلقتها مجموعة من الشخصيات التي تعلمت وتثقفت في أوروبا، واطلعت على ما يدور هناك من تطور، وهي شخصيات أصبح عددها في تزايد مستمر، كذلك أصبح لها دور فاعل ومؤثر في مسار إيران المجتمعي والسياسي.  وتأثيرها ودورها هذا بدأ يتسع في المجتمع حتى شكلت معارضة لمواجهة حكام الدولة القاجارية، وهذه المواجهة بدأت في شكل ضغوط من جانب المعارضة من أجل إدخال وتطبيق ما تدعو إليه، وأولى تلك الدعوات وأبرزها دعوة “ميرزا ملكم خان” 1832 – 1908، التي طلب من خلالها إدخال وتطبيق “القانون”، ومن وجهة نظره يعد تطبيق القانون هو الحل وفي هذا السبيل ولتحقيق مقصده أسس “مجلة قانون” عام 1890، حيث رأى سبب تقدم أوروبا في تطبيق القانون والعمل به.  وهذه الدعوة الأولى تجاه مقصد ”القانون” قد وجدت لها من يدافع عنها من الإيرانيين الذين آمنوا أن القانون هو المخرج من ما تعاني منه البلاد من فوضى، خصوصاً بعد توقف حكام القاجار عن ما بدأ به ميرزا عباس، وتخوفهم من تجربته في إدخال “التنظيمات”، كذلك وقف عملية التجديد الثانية التي سعى إليها من يسمى في إيران “أمير كبير” 1851، وهذا التوقف زاد من عدم الانضباط للحياة العامة السياسية والاجتماعية والاقتصادية الذي وصلت إليه البلاد في ذلك الوقت، حيث رأى المدافعون أن الخلاص من الفوضى يكون في تطبيق القانون والتقيد به، وهو مهمة الدولة.  لذلك بدأ التحرك نحو الدولة القاجارية التي رغب الجميع بأن يبدأ التغيير منها لتطويرها، بإدخال التنظيم والإصلاح الإداري عليها، وتشكيل مجلس الشورى لضبط نظام الحكم ليصبح القانون هو المرجعية بدل الاستبداد والرأي الواحد، ما يسمى بدولة قانون.

لكن هذا القانون والإصلاح تعثرا وواجها رفضاً من حكام الدولة القاجارية، حيث قام ناصر الدين شاه في أواخر سنوات حكمه 48-1896 بإغلاق وإيقاف الكثير من الأماكن ذات النشاطات الجديدة.  وأصبح الإصلاح في صدام مع مبدأ الاستبداد وهو أساس تشكل الحكم القاجاري، استبداد موروث من الماضي الإيراني أدى في النهاية إلي فشل تجربة إدخال التنظيمات والإصلاحات على الدولة بشكل تدريجي.  وهذا الفشل والرفض أوصلا الأمر إلي مواجهات عديدة وطويلة دفعت المعارضة إلي الدخول في صراع مع الدولة, صراع دفع بالشاه مظفر الدين 96-1907 إلى توقيع نص الدستور عام 1907 قبل خمسة أيام من وفاته، دون رغبة منه، بل تحت ضغط أحداث الثورة المشروطة, وهي ثورة قد فشلت في تحقيق هدفها الذي سعت إليه، حيث الامتياز الذي حصلت عليه وهو الدستور، جاء بعد فترة الشاه محمد علي 1907-1909، وألغي الدستور وحل مجلس الشورى، لتعود البلاد إلى فترة ما أطلق عليه “الاستبداد الصغير”، حيث تأزم الوضع بعد القتل والنهب الذين رافقا إلغاء الدستور وتصفية رموزه.  وفشلت تجربة الدستور كما فشلت من قبلها مساعي إصلاح الوضع والحكم.  وتعد تلك التجربة قاسية جداً بالنسبة إلي كل دعاة الإصلاح.  التجربة التي حملت معها اليأس إلى النفوس من إصلاح البلاد بشكل عام، حيث تمزقت أكثر فأكثر، وهذا ما دفع الجميع من سياسيين ومثقفين إلي البحث عن وجهة أو مقصد أخر بعيداً عن الإصلاح والقانون للخروج من التمزق والتأزم الذي وصلت إليه البلاد.

المقصد الثاني (الدولة القومية): المقصد الذي طرح بين الأوساط الإيرانية والتف حوله الجميع، كان هو مقصد بناء “الدولة القومية”، دولة مهمتها الأساسية توحيد إيران جغرافياً وسياسياً بالقوة، وتشكيل هوية واحدة للبلد، وهي الهوية الفارسية.  هذا هو المضمون العام للمقصد الثاني، وأصبح هذا المقصد مطلب ودعوة كل الإيرانيين.                                                                               الجيل الثاني من القوميين وقف وراء ترسيخ ونشر هذا المقصد بشكل واسع بين الإيرانيين، ويعتبر سيد حسن تقي زاده 1878-1970 من أبرز شخصيات هذا الجيل الذي تأثر بالثقافة الأوروبية وكان من أشد دعاة الرؤية القومية، على النمط الأوروبي، فدعوته معروفة  حيث طلب أن تؤخذ  التجربة الأوروبية بكاملها وتطبق في إيران “من القدم حتى مفرق الرأس باستثناء بقاء اللغة الفارسية”.  وقد كان دوره مهماً في بلورة الرؤية القومية، الرؤية التي اجتمع حولها ودافع عنها الجيل الثاني بكامله، وقد تغيرت رؤيته بعد فشل الحركة الدستورية التي عاش أحداثها، وما وصلت إليه أمور البلاد من تدهور وفوضي خصوصاً قبل الحرب العالمية الأولى وبعدها ، وهي إجمالاً أحداث اجتمعت ليشكل منها الجيل الثاني توجهه السياسي،  فيطلب تشكيل دولة قومية يقودها رجل  قوي وإن كان مستبداً يسيطر على الحكم ليوحد البلاد بالقوة وينقذها من الانقسام ويخرجها من الفوضى.  وقد أصبحت وحدة البلد وفرض الهوية القومية الفارسية الاتجاه الذي ساد وتصدر الخطاب الإيراني السياسي والثقافي، ليكون هو الحاكم الرسمي.  ولتحقيق هذا الهدف، التف حول هذه الرؤية جميع المثقفين، إضافة إلي السياسيين، وجميعاَ شكلوا تياراً دفعوا من خلاله بالأمور لتعجل بإسقاط الحكم القاجاري، فوقفوا إلي جانب رضا خان، رغم أنه رجل عسكري، ومستبد في آرائه، وهي حركة انقلبت على القانون، خصوصاً أن هذا التيار هو الذي دفع مجلس الشورى ليغير موادَ من الدستور (36،37،38) مع طرح “مادة واحدة” لصالح رضا خان ليكون تنصيبه شرعياً في الظاهر.  وبعد ذلك التنصيب أصبحت كل الأمور في قبضة “رضا خان شاه إيران”، وسار الحكم في عهده في اتجاهين، الأول: فرض القوة من خلال الجيش الذي كان أداة رضا خان للوصول إلى كل ما رغب في الوصول إليه، وكانت العقيدة القومية الفارسية هي التي فُرضت لتشكل الهوية الرسمية لإيران، وتحذف هويات كل الشعوب الأخرى وتحارب ثقافتها.  والاتجاه الثاني، هو نمط التحديث، أو شبه التحديث على الشكل الأوروبي، حيث أخذ يتحرك باتجاه تطبيق النموذج التركي (البلد المجاور لإيران)، وهو ما قصد منه تقوية نفوذه وفرض إرادته الاستبدادية.

هذان الاتجاهان أنتجا معارضة له، ومن طرفين، من قبل القوميات، ومن قبل المثقفين الفرس أنفسهم، بعد أن تفرد بالسلطة وأسكت كل الأصوات، وهي الأصوات التي عملت في السر ضد حكمه، وظهرت في العلن بشكل مباشر لتعبر عن أفكارها ومعارضتها ، وذلك بعد أن دخل  جيش الحلفاء إيران وأسقط رضا خان من الحكم.  وقد شهدت تلك السنوات فترة من الفوضى وعدم الاستقرار السياسي والأمني في كل أطراف البلاد.  وهي تعد فترة من الحرية في إيران سمحت لكل أطراف المعارضة أن تعمل وتنشط في سبيل حصولها على حقوقها وحل قضاياها، لكن ذلك المتنفس من الحرية لم يطل حيث انتهى بعودة سيطرة المركز، وتولي محمد بهلوي الابن الحكم في إيران حيث قضى على كل الحركات، لتبقى القضايا دون حل أو تخمد بالقوة، فيصبح السكوت نصيبها، أو يتم التعامل مع بعضها بشكل سطحي.

وتعد فترة حكم محمد بهلوي الابن، وريث الأب، النموذج والشاهد في التعامل على هذا الشكل مع القضايا الإيرانية المهمة، وبثلاثة أساليب هي: أسلوب الإخماد، التعامل السطحي، والسكوت التام.  أسلوب الإخماد، تعامل به مع حركة محمد مصدق رئيس الوزراء الإيراني الذي وصل إلى رئاسة الوزراء بتأييد أعضاء البرلمان، وهذا ما دفع محمد بهلوي إلي ترك إيران إلي الخارج حتى تستقر الأوضاع لصالحه فيعود للحكم.  وفعلاً، وبعد فترة وجيزة عاد للحكم بعد إخماد حركة مصدق عام 1953، الحركة التي أراد لها مصدق أن تصحح مسار الحكم والوضع في البلاد، ومنها عملية تأميم النفط الإيراني التي أثارت جدلا سياسيا داخليا وخارجيا، وكانت أهم عامل وراء إخماد حركته.

ثم أسلوب التعامل السطحي، وتمثل في المجال الاقتصادي، مثل خطة إصلاح الأراضي عام 1962م، وهي أطروحة قصدت حل مشكله ملكية الأرض، و تعد من المشاكل المزمنة في إيران، لذلك أصبحت من أولويات مشاغل رجال الدولة والبرلمان.  وهي قضية تنازع فيها طرفان، طرف أراد لها أن تنفذ، وطرف عرقل العملية.  ويمثل الطرف المعرقل، الإقطاعيون الذين يشكلون كتلة في البرلمان، حيث كانت خطة الإصلاح مدرجة على البرلمان ليسن قوانينها.

وقد أصدر الشاه محمد بهلوي أمره ليعمل في الخطة لحل مشكله الملكية للأراضي الزراعية، وهي ملكية غير مشخصة، حيث يخضع تملك الأرض لنفوذ الإقطاعيين وفق علاقتهم بالسلطة.  وهي خطة هدفت إلى حل هذه المعضلة وفق ما نص عليه قانون تحديد الملكية وتعيين طريقة “بيع وشراء وإيجار الأراضي الزراعية”، كمدخل  لتطوير المجال الزراعي وارتفاع إنتاجه، ورغم انشغال المجتمع والدولة بها، لم يحالفها النجاح  بسبب غياب حل لأساس المشكلة وهو الملكية.  واستمرت النزاعات المختلفة بين الدولة والمزارعين، وبقت القضية معلقة دون حل نهائي لها حتى عام 1984، حيث ألغي هذا القانون من جانب مجلس صيانة الدستور “فقهاى شوراى نكهبان”، الذي اعتبر القانون مخالفا للأسس الدينية.  وحدث نفس الأمر عندما ارتفعت نسبة عائدات النفط في أواخر عام 1973، ففتحت الباب فقط أمام إدخال بضائع جديدة إلي البلد، وأدى هذا إلى ارتفاع  في مستوى المعيشة بشكل سطحي، حيث لم تستثمر هذه العائدات من جانب الدولة وفق خطط تنموية لتطوير هياكل المجتمع ومؤسساته، في الوقت الذي ازداد فيه عدد السكان في عقد السبعينات، زيادة أصبحت لا تتناسب والإمكانات المتوفرة في مجالات التعليم والرفاهية وفرص العمل والاشتغال.  إضافة إلي أن الإمكانيات التي في يد الدولة لم تكن تقدم أو توزع بأسلوب متساو ومناسب، حيث كانت تقدمها لمدن دون أخرى، ولمجموعة خاصة تتحكم في شؤون الحكم والمجتمع الذي ينقسم سكانه بين المدن والقرى.

وأخيراً أسلوب السكوت، وقد شمل قضيتين، الأولى وضع القوميات في إيران، والتي تم ممارسة أسلوب التناسي معها – فكل مطالبة كانت تواجهها الدولة بأسلوب العنف الثابت. أما القضية الثانية، فكانت السكوت عن أطروحة أن تصبح إيران خلال عشرة سنوات خامس قوة صناعية في العالم، حيث تبخر التقدم الإيراني وتحول إلي شعار أثبت فشله عندما تم رفعه في عهد محمد بهلوي ِشاه إيران الأخير.  هذا الفشل ظل يطارد الدولة ويؤزم المجتمع، وهو فشل وقفت وراءه جملة أسباب حملها الوضع الإيراني الممتلئ بالأحداث والمعضلات، منها أسباب موروثة مثل “الاستبداد الإيراني”، ومنها ما أضافه تطبيق مقصد الاتجاه القومي “إقصاء القوميات ومحاولة تغيير واقعها الثقافي وتركيبها السكاني والجغرافي”، وهي إجمالاً أحداث متلاحقة ومعضلات متجذرة، عصفت بإيران الحديث الذي تشكل وفق رؤية خاطئة لم تعالج المعضلات أو تحلها ، بل أضافت إليها، وإذا كانت هذه الرؤية الخاطئة التي استندت على الروح القومية قد أنجزت رغبات القوميين في تحويل إيران إلى بلد تحكمه هوية واحدة، فإنها فشلت في بناء دولة ومجتمع حديثين يتمتع فيهما المواطن بحقوقه الثقافية والسياسية بعيداً عن انتمائه العرقي والثقافي.

ما انتبه إليه الجميع أن أسباب التخلف وعدم التقدم هي أسباب متشابكة ومتداخلة ومرتبطة ببعضها البعض – “إشكالية” كما يصطلح عليها –  وليس كما تم تحديدها في سبب أحادي، لأن هذا التحديد أيديولوجي أعمى، لم يشاهد الواقع الذي ينتج نماذج من التخلف يومياً، وتزداد مساحته اتساعاً.  وقد فرضت تلك التحديدات أخطاء شتى، جعلت كل المشاكل مكبوتة تبحث لها عن أية فرصة لتخرج وتنفجر.  وفشلت جميع محاولات تجاوزها بعنف الدولة، وهو ما أدى إلى أن تصبح الدولة الإيرانية نفسها أداة لبث التخلف وترسيخه، لا قلعه والتخلص منه، وهو الأمر الذي كشفت عنه كثير من الدراسات(3) التي خصت الحكم البهلوي الذي استمر 53 عاماً.

تلك الفترة الطويلة من الحكم أكدت أن الاتجاه الواحد “الحل السياسي” لا يكفي في بلد متعدد القضايا والمشاكل، حيث أصبح الاستبداد السياسي من ثوابت الثقافة الإيرانية، كما بقيت عملية حل قضية القوميات مهملة ومسكوتا عنها.  وبالتالي فإن تجاوز التخلف في بلد مثل إيران- يعاني من هكذا معضلات – يصبح استحالة.  إلا إذا تشكلت فيه دولة مدنية تجعل الخيارات في يد مواطنيها لتحقيق مقاصدهم وفق رغباتهم، لا أن تفرض عليهم.  لأن المقاصد التي فرضت أصبحت تقبض على مصير الجميع ولا تفتح أبواب الحرية، ولا تبث المساواة، وإن ادعت غير ذلك كما في المقصد الثالث الإسلامي الذي قبض على الحكم في إيران.

المقصد الثالث (الأصول الإسلامية): هذا المقصد يطبع عقد الثمانينات، منذ بداية تاريخ وصول دعاته لحكم إيران بعد سقوط الحكم البهلوي.  وهو مقصد إسلامي تم التأكيد على أنه هو الأصل كما جاء في دستور البلاد الذي تم تدوينه وجاء في المقدمة منه “إن عدم موفقية ونجاح كل من النهضة المشروطة ضد الاستبداد، والنهضة الوطنية ضد الاستعمار لتأميم النفط، عائد إلي عدم توسل المكافحين بأصول الإسلام الأساسية “(4).  لكن الأحداث الأولى  التي رافقت الثورة أثبتت أن الثورة انقلبت على ما دوَنت، ولم تنفذ ما قد ألزمت نفسها به، وهي الأصول الإسلامية التي خطت مواد الدستور وفقاً لها.  فقد تعاملت قيادات الثورة في المركز” طهران” مع مجمل الأحداث وفق رؤية الحكم أولاً – لا العدل والمساواة – كما هي أصول الإسلام وهي رؤية أصبحت ثابتة تنطلق منها لإدارة الأحداث ومواجهة الأزمات.   وانعكست تلك الرؤية في طريقة اتخاذ القرارات من جانب الثورة تجاه ما ظهر من مشاكل وقضايا جاءت الثورة لوضع مشروع يحمل حلول لها ويعالجها، لا أن يحاربها كما حدث، وهي قضايا كافح أصحابها في سبيلها كفاح أدى إلي إسقاط  الحكم البهلوي.  وفي مقدمة هذه القضايا تشكيل نظام يراعي حقوق الجميع على أساس المساواة، ويعيد لأصحاب الحقوق حقوقهم، ويفتح لهم فضاء من الحرية ليتمتعوا بحقوقهم في أمان.

ولكن الفترة الأولى بعد استلام مؤسسات الحكم شهدت عملية تصفية، لأن الثورة لم تف ولم تنفذ ما قد ألزمت نفسها به، ولم تحمل معها مشروع تغيير يناسب الوضع الداخلي الإيراني، حيث لم تقدم خطط “تنمية” ولا “رؤية مصالحة” و”لا نية إشراك”، وهي ثلاثية الطموح والأمل التي كان الجميع ينتظرها.  كما أن إيران كانت تحتاج هذه الثلاثية، أولاً لاجتثاث الفقر والتخلف.  ثانياً، لإزالة الفوارق التي سببها الاتساع الجغرافي والتعدد القومي. ثالثاً، لحرية التعبير وتعدد التيارات ذات الرؤى السياسية.

الثورة جاءت معاكسة لهذه الثلاثية منذ البداية، فبدل أن تنشر ثقافة دولة الجميع، أبرزت نقيض هذا، عبر خطط طرد ومواجهة عنيفة نفذتها أولاً ضد الشعوب غير الفارسية، ثانياً تصفية معارضيها وعزلهم ، وثالثاً إهمال معالجة الفقر والتخلف.  وبذلك لم تؤسس لإزالة أسباب كل أنواع التخلف ونشر التنمية، بل تراجعت عن ذلك، لتنشر الثورة بذور ثقافة الكراهية نحوها والتشكيك في نواياها.

وقبل أن تنتهي من تصفية الداخل وتلتقط الأنفاس، ورطت الثورة إيران في حرب مع العراق لثمانية سنوات، ضاعت فيها فرص عديدة، وأهدرت في سبيلها أموالا كانت إيران في أمس الحاجة لها.  وعندما خرجت من هذه الحرب عام 1988، وجد المجتمع الإيراني نفسه في قبضة مجموعة خاصة من رجال الدولة الجديدة تتحكم في هذا البلد.  وبدلاً من أن تضع هذه  المجموعة خطط تنمية صحيحة ومدروسة قابلة للتنفيذ لوقف عوامل إنتاج التخلف والأزمات التي تعمقت أكثر خلال الحرب وتصحيح أخطائها، وقعت في صراعات داخلية شارك فيها جيلان, جيل كان قد شارك في الثورة ووجد نفسه الحارس والحامي لها، وجيل خرج من بطن  الثورة يدعي لنفسه أنه يحمل فكر التغيير وإصلاح الأمور.  وأصبح الصراع يدور بأشكال مختلفة للسيطرة على المؤسستين “القوة التشريعية – مجلس الشورى”، و”القوة التنفيذية – رئاسة الجمهورية”، وفي ظل هذا الصراع تم تغييب الخطط الصحيحة والمدروسة، التي كان من المفترض أن تقدم لمعالجة المرض المزمن وهو التخلف.  واشتد هذا التغيب أكثر  – خاصة منذ عام 1995 – عندما أظهر أحد أطراف الصراع وجوده السياسي باسم  الإصلاحيين، ودخل في هذا المسمى كل من لا ينتمي ولا يؤيد اليمين المحافظ المتشدد .  وهو تمييز وضح أكثر من جانب الإصلاحيين “اليسار الإسلامي” في عام 1997، عن اليمين الذي يحظى بتأييد ودعم مؤسسة “ولاية الفقيه مرشد الثورة “، وهي أعلى سلطة مرجعية في إيران تدافع عن بقاء مفهوم الثورة والاستعانة بروح الثورة لمواجهة لا التخلف فقط، بل الأزمات الداخلية والخارجية.

هذا ما أكدته أحداث إيران وأوضاعها في السنوات الأخيرة التي حملت معها كثير من التوترات والأزمات الداخلية والخارجية، وهي سنوات تعد تراجعية، حيث أدى عدم اهتمام جانب الدولة إلى ارتفاع نسبة التخلف أضعاف ما كانت عليه في العهد البهلوي، بحكم ارتفاع عدد سكان إيران إلي 70 مليون، مع فشل خطط التنمية؛ وهذا الأمر تشير إليه كل الإحصائيات والدراسات التي تصدر في الشأن الإيراني، ومنها دراسات تطرح ثنائية التخلف والحداثة، وفي نفس الإشكالية، مثلما طرح نفس السؤال قبل 170 عام في إيران، وبنفس الصيغة، لماذا تخلفنا نحن وتقدم الغرب؟

ـــــــــــــــــــــ

المصادر:

1. علوم سياسي ويزه فقه سياسي فصلناميه تخصصي شماره 21-1382.

2. فكر آزادي ومقدمه نهضت مشروطيت- فريدون آدميت ص21- تهران 1340.

3. قتصاد سياسى إيران از مشروطيت تا بايان سلسلهْ بهلوي – محمد علي همايون كاتوزيان-جاب ششم- تهران 1377.

4. قانون أساسي جمهوري إسلامي إيران-تدوين-جهانكير منصور-1379

 

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق