الليبرالية والمشروع الأمريكي: فك ارتباط، أم التصاق آني؟

{{-1-}}

بعيدا عن تنظيرات ما يسمى تيار الليبراليين الجدد في العالم العربي، وقريبا من الهجوم الذي يتعرض له الفكر الليبرالي عموما، من قبل غالبية وسائل الإعلام العربية. هذا الفكر ربما يتعرض لأشرس حملة، لدرجة تعتقد معها أنها منظمة، ومتشابكة، بحكم تشابك الأوضاع العربية، وتبادل المنافع بين أطراف النظام العربي عموما. استطاع الإعلام العربي، ومن معه من محدثي الليبرالية و اللبرلة على الطريقة الستالينية أو الموضة! أن يحولوا الفكر الليبرالي إلى حزب معاد عموما، ومعاد بشكل خاص لمفهوم الأمة العربية والإسلامية، وما يستتبع ذلك من مشاريع فكرية مجهضة… بسرعة البرق تحول الفكر الليبرالي إلى فكر معاد، لا لمصالح الأمة فحسب! بل تحول أيضا ممسحة- زفر- كما يقال بالعامية، لكل من يريد الحديث عن السياسة الأمريكية في المنطقة، وساعد على ذلك كما أسلفنا وجود كوكبة من الليبراليين الجدد، حولت السلطات العربية إلى ما يمكننا تسميته بدار الإسلام! ويمكن أن نأخذ العفيف الأخضر نموذجا للاستهداف – مع الاحترام الشديد لهذه القامة الفكرية- ولن نأتي على ذكر غيره من الأسماء التي لمعت في هذا السياق. سأكتفي بإيراد شاهد واحد فقط حيث يقول أستاذنا العفيف الأخضر في مداخلته، التي أرسلها دون أن يتمكن من الحضور بسبب وضعه الصحي، أمام مؤتمر الأقليات الذي عقد في زيورخ، وكنت مشاركا فيه”لخدمة قضايا جميع الأقليات في أرض الإسلام، التي تجلد في اليوم بألف سوط وتداس في اليوم بألف قدم، كنت أود لو كان الاسم هو “منظمة الدفاع عن الأقليات والنساء”؛ لأن معاملة النساء في أرض الإسلام لا تقل فظاظة وفظاعة على معاملة الأقليات”

ببساطة إن هذا القول يوضح بما لا يقبل الجدل، عملية التحوير التي نشهدها في ظل تنامي الإسلاموفوبيا، وتحول النظام السياسي العربي، إلى أرض للإسلام. لا يخفى على العفيف الأخضر أن أي مفهوم، أو مصطلح يطرح للتداول، له شحنته، التي يتركها في فضاءات المتلقي، حيث أن هذا المفهوم، يحول المسلم العادي إلى عدو للأقليات، ويحول الشارع المغيب عن مصيره، إلى مضطهد لحقوق النساء، بمعنى أن الإشكالية تكمن في الثقافة الإسلامية التقليدية لرجل الشارع، هذا صحيح ولكن- مع تشديدنا على هذه الـ” لكن”- رجل الشارع يسير وهو يحمل في لا شعوره أبجديات السلطة السياسية هكذا عارية، بتراكم جبروتها في وعيه ولاوعيه، لأنه رهينتها كما هو رهين لغته التي هي لغة السلطة!

نعرف سلفا أن الاحتكاك بهذا الموضوع له، حساسياته المفرطة، فمن الممكن أن تحولنا جرَة قلم إلى عميل رخيص للغرب، أو إلى مدافع عن الثقافة الإسلامية التي لم يُجْرَ فيها و عليها أيٌ إصلاح ديني. لديك إذن فكٌا كماشة، والخاسر هو الفكر التنويري، الذي لا يمكن له أن يفلت من البؤرة المركزية، التي تقوم باحتجاز التطور المجتمعي، في أفق مصالح سلطوية تراكمت عبر أكثر من خمسة عقود من الزمن الاستبدادي ، وبتواطؤ صريح وضمني من سياق دولي، ومن قواه الفاعلة والمؤثرة شرقا وغربا. ومضمونه احتجاز التنوير في زنزانة، أو تحت ضوء مبهر في مسجد حديث البناء. ليست غايتنا هنا أن نتعرض لنقد ما يقوله العفيف الأخضر، بل الغاية هي أخذ عينة، كي نستطيع أن نبحث عن نفق صغير نتسلل من خلاله، دون أن نجد أنفسنا متورطين بخطاب أمريكي من جهة، ودون أن نفتح معركة، هي مفتوحة أصلا مع الإسلام السياسي من جهة أخرى. الليبرالية هي توجه مباشر نحو الحرية، التي تحتجزها السلطة، تحتجزها في زنزانة أو في جامع مبني على الطراز الغربي! الليبرالية لم تولد مع المشروع الأمريكي في المنطقة، ولن تنتهي برحيله أو بهزيمته، أو بانتصاره، فهل كان شيوخ النهضة المغدورة في مصر منذ أكثر من قرن من الزمن، من المحافظين الجدد الأمريكيين؟ هل كان محمد عبده ومعه الكواكبي في تفنيده للاستبداد من المحافظين الجدد؟! هذه معادلة يجب ألا تغيب عن بال الحضور في خلفية المسرح، الذي يعتليه الآن: قوميون قدامى وجدد، وليبراليون قدامى وجدد، وإسلاميون قدامى وجدد، وماركسيون قدامى وجدد.

تقزيم الليبرالية والفكر الذي حضنها، إلى مجرٌد مطية، أمريكية أو غير أمريكية، هو تقزيم لتراث هذه البشرية، تقزيم لشرعة حقوق الإنسان التي انبثقت من هذا الفكر ومن هذه التجربة التاريخية للبشرية، تقزيم للحرية. لأن الحرية معركة تخاض على الأرض لا ضد الإسلام السياسي- الذي لا يعدو كونه عتلة سلطوية- بل ضد سلطات بعينها تتلاعب بهذه المادة الحاضنة، لثقافات شعبوية، شفاهية أو عالمة. رجل الشارع العادي- يضطهد المرأة- فهل تسنى لرجل التنوير أن يصل إلى هذا الرجل العادي؟ وكيف يصل؟ ومن يمنع التنوير عن رجل الشارع! هل هو من يقيم حدا بينه وبين الحضارة أم إنٌ السلطة المتغوٌلة في بلداننا هي من تقيم هذا الحاجز وتتلاعب به؟ وأخيرا هل السلطة في العالم العربي سلطة إسلامية، حتى يوجٌه الفكر الليبرالي المسطح إدانته لرجل الشارع وثقافته؟ من الملاحظ أن هذه الموجة الليبرالية تعتليها أحيانا أصوات لا تؤمن أصلا بالفعل التنويري كفعل مؤسٌسي! وهل يمكن إيجاد تنوير مؤسسي، في ظل سلطة تعتمد أصلا في استمرارها على عدم وجود التنوير ! هل للمحافظين الجدد أو لمشروع الشرق الأوسط الكبير علاقة بهذا الفكر؟ أن تهاجم الإسلام السياسي وإسلامية رجل الشارع فأنت مرحب بك من قبل أي سلطة عربية، ولكن أن تهاجم ثقافة السلطة العربية وتبحث فيها من موقع ليبرالي أو يساري ليبرالي- نصر حامد أبو زيد نموذجا-فهنا الطامة الكبري! أزعم أن الليبرالية كما أفهمها محاولة لإصلاح مجتمعي على كافة الصعد والمستويات، ليس آخرها الإصلاح الديني، وهذه نقطة يجب تداركها، فبين تحويل الإسلام إلى دريئة نطلق فيها النار على الشارع العربي، من أجل تحصين مواقع السلطة العربية، وبين أن نرى دور السلطة في تفقير ابن الشارع ثقافيا وماديا. سأعطي مثالا حيا : هل ابن الشارع العادي وثقافته، هو من يمنع قيام مؤسسات نسائية حقوقية لتدافع عن حقوق المرأة؟ ومنذ متى في عصرنا الراهن كان التنوير فعلا غير مؤسٌسي؟ والسؤال: من الذي يمنع تأسيس التنوير في العالم العربي؟

{{-2-}}

سأبدأ مما يعتبر نقطة الضعف : الانفتاح الاقتصادي، هو المثلبة التي يحارب فيها بعضنا الفكر الليبرالي، هذا الانفتاح الاقتصادي الذي يجرٌ ويلات على الطبقات الشعبية! آفة الانفتاح وسبب علله ليسا الليبرالية، والفكر الاقتصادي الليبرالي، بل آفته المحكمة في منطقتنا وفي مناطق كثيرة من العالم، هي فساد المستوى السياسي، السلطوي و الدولتي في الدول التي تعد نموذجا لخراب الطبقات الشعبية جراء ما يسمى سياسة الانفتاح الاقتصادي. في التجربة المصرية، قولا فصلا : لا يمكن الجمع بين انفتاح اقتصادي ومستوى سياسي ديكتاتوري بدرجة ما- أيام الرئيس الراحل أنور السادات-كان الانفتاح الاقتصادي لا لضرب تحكم الدولة في بعض آليات الاقتصاد كما يصوره بعض منظري السلطة في العالم العربي، بل هو تحديدا لرفع يد السلطات الديكتاتورية عن حركية الاقتصاد، وإلا ما معنى العبارة عندما نقول دولة القانون والمؤسسات والحريات العامة والفردية؟ والليبرالية انطلاقا من هذا الفهم، هي فك الارتباط بين مشروع الدولة المعنية ومشروع سلطتها الأحادية. لا يمكن لعاقل مهما كان أن يجد في الدول ذات السلطات الدكتاتورية، أن الدولة تضع يدها على مقدرات الاقتصاد، وهي من تقوم بتوزيع الثروة الاجتماعية، وفق دورة لا تخضع لآليات عمل السلطة الديكتاتورية تلك* مع العلم أنٌنا نستطيع القول بشيء من التجني المنهجي: أن الديكتاتوريات التي تعتمد في استمرارها على الليبرالية الاقتصادية هي نادرة الوجود، ما لم تغط بمورد خارج حركة الاقتصاد العادي، كالنفط مثلا، أو أن تغطى بحماية دولية ما ترعاها ماديا وسياسيا- التشيلي بينوشيه نموذجا. لهذا فإن الانفتاح الاقتصادي هو بشكل ما تقييد حركة السلطة السياسية الكليانية على الاقتصاد وبالتالي على المجتمع. وهذا لا يمنع قيام الدولة الليبرالية بمعالجة المسائل الشائكة المرافقة لعمليات الانفتاح، بسياسات حمائية، دون فساد من جهة، ودون أن تدخل ريعيا في جيوب أصحاب هذه السلطات وميلشياتها الأمنية والعسكرية. هذا هو الفارق مثلا بين التجربة المصرية وتجربة النمور الآسيوية السبعة، مع ما في هذا الموضوع من تبعات يمكن مناقشتها في كل تجربة على حدة، لكننا نقف هنا عند مسألة تبدو مُغْفلة: في أية ليبرالية ناشئة يصبح هنالك فرز للقوى والمصالح طبيعيا وفقا لحركية الاقتصاد، ويصبح من الطبيعي وجود قوى اقتصادية ومراكز قوى سياسية، لا تجد مصلحتها مع الاتجاه الأمريكي سياسة واقتصادا: روسيا ودول المعسكر الشرقي السابق نموذجا، وماليزيا نموذج آخر، بعض من دول أمريكا اللاتينية، واتجاهات تجد مصلحتها مع سياق الأمركة كاتجاه عولمي. لهذا رغم كل محاولات المحافظين الجدد في حيازة براءة الاختراع الليبرالية، إلا أنهم فشلوا في تقديم نموذجها الأرقى خارج الولايات المتحدة الأمريكية، على عكس الدول الاسكندينافية أو سويسرا مثلا! وهذا الفشل مهما كانت أسبابه إنما يجعل الليبرالية، فضاء لا يمكن لأحد احتكاره أو الحديث باسمه مهما كانت دوافعه وقواه على الأرض، حتى لو كان ليبراليا. ثم لا بد لنا من ملاحظة تبدو خارج سياقنا العربي والإسلامي: إن المحافظين الجدد هم في وجه من وجوههم الكالحة في العراق، رد ليبرالي لاعقلاني بدرجة ما وبشكل سياسيا على تيارات ما بعد الحداثة وسعيها إلى تفكيك الفكر الليبرالي وهزيمته لصالح سوبرمانات جديدة، أو أسطوريات تتحدث عن تعدد الثقافات! ليبقى المتطور متطورا وليبقى الممانع ممانعا! وليبقى المتخلف متخلفا في حاضنته الأم ثقافيا ودينيا وأسطوريا. ألا تمتلك السوق الليبرالية في بعض دول الخليج العربي مثلا حرية التعدد في التعاطي مع السوق الدولية؟

بناء على هذه المقدمات السريعة لا بد لنا من فتح نقاش عن كيفية فك الارتباط السياسي بين السياسة الأمريكية وبين التجربة الليبرالية في العالم. وهذا يقتضي فصل السياسي المتحرك عن المؤسسي الراسخ في بناء الدول المعاصرة.

* يجب ألاٌ ننسى مطلقا أن عمل السلطة الديكتاتورية في وضع يدها على الثروة الاجتماعية وطرائق توزيعها هو عمل شخصاني- بكل ما تحمله هذه المفردة من معنى- بينما عمل الدولة هو عمل مؤسسي! هذا هو الفارق الذي يجب أن يحضر عند قراءتنا لموضوعة الليبرالية والانفتاح الاقتصادي عموما.

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق