في المقاومة

إذا لم تكن السلطة رأس هرم، فان المقاومة ليست قاعدته. فإذا سلمنا بالطابع العلائقي للسلطة، تبين لنا أن السلطة لا وجود لها إلا بدلالة نقاط مقاومة متعددة.

فلا تقوم المقاومة إذن خارج السلطة وفي مقابلها. إنها لا تنصّب من نفسها قوة تقابل قوة مضادة هي قوة السلطة. وبما أن نقاط المقاومة لا وجود لها إلا في حقل استراتيجي لعلائق القوى، فالمقاومة حاضرة في كل مكان من شبكة السلطة، و لا وجود لمكان وحيد هو مكان الرفض.

لا غرابة أن تتعدد أشكال المقاومة، و أن تكون المقاومة لا محدودة. فهناك المقاومة الضعيفة وهناك المقاومة القوية، هناك المقاومة الهادئة وهناك المقاومة الثورية، هناك المقاومة السلبية(ساتياغراها غاندي)، و هناك الإيجابية، هناك المقاومة المعتدلة، و هناك المتطرفة، هناك الانتهازية و الراديكالية و….

المهم أن كل هذه الأشكال قد تحتل الحقل الاستراتيجي نفسه و تتواجد فيه. إنها نقاط من النقاط التي تشكل شبكة واحدة هي شبكة السلطات- المقاومات.

فالمقاومات ليست “مواقف” و إنما شبكات”. انهالا تتحدد بلونها و”مضمونها” و طبيعتها، بقدر ما تتعين بما تقوم به. إنها تتحدد استراتيجيا و إجرائيا. وهي لا “تقف” يسارا فتعلنها حربا ضد كل يمين. فلا يتعلق الأمر في المقاومة بانتصار الحق على الباطل، و الحقيقة على الخطأ، وقوى الخير على قوى الشر، ما دام الإطلاق مجرد إقصاء لبعد “الممكن”، وما دامت المقاومات هي إتاحة الفرصة و فسح المجال لذلك الممكن كي يضفي النسبي على الإطلاق، و يدخل التغيير على الثبات، ويلون اليقين بالشك..

يتعلق الأمر إذن بنحت مفهوم عن المقاومة، مواز لمفهوم عن السلطة، خارج ميتافيزيقا اليمين واليسار، وتيولوجيا الخير و الشر، وبعيدا عن كل مفهوم فيزيائي كلاسيكي يجعل المقاومة الطرف المقابل للقوة، كي يقيم فيزياء تتخلخل فيها كل مركزية.

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق

Share This