فرنسا واليهود من عام 1789 وحتى يومنا هذا

يمكن قراءة هذه الدراسة على ضوء التصريحات التي أدلى بها وزير المجاهدين الجزائري محمد شريف عباس مؤخرا والتي اتهم فيها اللوبي اليهودي بأنه هو الذي أتى بساركوزي إلى السلطة. وهي تصريحات هزت الجالية اليهودية الفرنسية وأصابتها في الصميم ومازالت تتفاعل وتتوالى فصولا حتى الآن. نقول ذلك خاصة أن قسما كبيرا ونافذا منها هو من أصل جزائري. فما هي حقيقة الأمر يا ترى؟ وما هي علاقة اليهود على مدار التاريخ بفرنسا؟ ما علاقتهم بالجزائر أيضا؟ وهل صحيح أن اللوبي اليهودي يسيطر على كل شيء في بلاد فولتير وفيكتور هيغو وجان بول سارتر؟

نبذة عن المؤلف:

يعتبر ميشيل وينوك أحد كبار المؤرخين في فرنسا حاليا. وهو أستاذ في معهد العلوم السياسية في باريس. وكان قد نشر سابقا عدة كتب نذكر من بينها: “قرن المثقفين” (1997)، و”فرنسا السياسية في القرنين التاسع عشر والعشرين” (1999)، و”أصوات الحرية، المفكرون الملتزمون في القرن التاسع عشر” (2001)، و”قاموس المثقفين الفرنسيين” (1996)، و”اختراع الديمقراطية لأول مرة” (2003)، الخ. فالرجل كما نلاحظ مختص بتاريخ الحركات الفكرية والسياسية في فرنسا وعموم أوروبا في العصور الحديثة.

1. الثورة الفرنسية تحرر اليهود وبقية الأقليات من الاضطهاد القديم

هذا الكتاب الجديد نلاحظ أنه يركز على موضوع واحد هو نظرة فرنسا إلى اليهود على مدار قرنين من الزمن: أي منذ الثورة الفرنسية التي اندلعت عام 1789 وحتى اليوم. وهو يدرس كل أحوالهم والتقلبات التي تعرضت لها سلبا وإيجابا على مدار القرنين الماضيين. وقد اختار الثورة الفرنسية كنقطة  فاصلة لأنها شرّعت عهدا جديدا لهم ولغيرهم وأحدثت قطيعة مع النظام الأصولي-الملكي القديم الذي حكم فرنسا طيلة مئات السنين قبل أن ينهار ويحل محله النظام الجمهوري العلماني الحديث.

ونلاحظ أن المؤلف يتوقف عند عدة لحظات أساسية من تاريخ اليهود في فرنسا. ويبتدئ أولا باللحظة التي دشنت تحريرهم من العبودية والاحتقار والذل، وهي لحظة الثورة الفرنسية. فبعد مناقشات صاخبة بين قادة الثورة تم الاتفاق عام 1791 على اعتبارهم مواطنين مثلهم في ذلك مثل غيرهم من أبناء الشعب الفرنسي ولكن بشرط واحد: هو أن يقسموا اليمين المدني على احترام الجمهورية الفرنسية والتقيد بقوانينها.

ثم يردف المؤلف قائلا: وقد رحب معظم اليهود بهذه الخطوة الحاسمة التي كانت تشبه المعجزة في ذلك الزمان. ولكن القوى المحافظة والأصولية فيهم خافت من أفكار الثورة الفرنسية وعارضتها لأنها تؤدي إلى تذويب اليهود في المجتمع وفقدانهم لخصوصيتهم. وبالتالي فالأصوليون اليهود حاربوا أفكار التنوير والثورة الفرنسية مثلما حاربها الأصوليون الكاثوليكيون أو المسيحيون الذين يشكلون أغلبية المجتمع.

ويرى المؤلف أن القوانين العنصرية والطائفية التي كانت تتحكم برقاب اليهود طيلة العهد القديم السابق على الثورة، أصبحت تبدو مستهجنة وتصدم عقول الناس المستنيرين في فرنسا. نقول ذلك ونحن نعلم أن عصر التنوير بلور مفهوم الحق الطبيعي أو القانون العقلاني الذي ينبغي أن ينطبق على جميع البشر ويعتبرهم كائنات متساوية من حيث الحقوق والواجبات ويحترم الكرامة الإنسانية لأي شخص كائنا من كان. وقد انتصرت هذه الأفكار في القرن الثامن عشر ومهّدت للثورة الفرنسية. واليها يعود الفضل في تحرير اليهود من نير العبودية والتمييز والاحتقار، وكذلك تحرير أبناء الأقلية البروتستانتية التي كانت مضطهدة أيضا على الرغم من أنها مسيحية مثل الكاثوليكيين ولكنها تختلف عنهم في بعض العقائد والطقوس. وبالتالي فلم يكن اليهود وحدهم المحتقرين أو المضطهدين آنذاك. بل إن البروتستانتيين تعرضوا للاضطهاد أكثر منهم في العصور السابقة.

ثم يخصص المؤلف فصلا كاملا ليهود الجزائر ويقول: عندما استعمرت فرنسا الجزائر عام 1830 وجدت فيها أقلية يهودية يبلغ عدد أفرادها 15000 شخص. وهؤلاء اليهود كانوا مؤلفين من ثلاث فئات: فئة استقرت في الجزائر قبل الفتح العربي-الإسلامي، وهي أقدم فئة بالطبع، وفئة هربت من أسبانيا بعد عام 1492 عندما بدأ الاضطهاد الكاثوليكي لليهود والمسلمين معا، وفئة جاءت من إيطاليا، وهي الأحدث زمنيا. وكانت لغتهم جميعا هي العربية الممزوجة بالعبرية.

ثم يردف المؤلف قائلا:

وعندما احتلت فرنسا الجزائر شعر اليهود كأنهم تحرروا من كابوس ثقيل. فالعرب والمسلمون بشكل عام كانوا يحتقرونهم كأقلية وإن كانوا قد تعوّدوا على التعايش معهم. وكانوا يطبقون عليهم قانون الجزية بصفتهم أهل ذمة. صحيح أنهم كانوا يحمونهم بشكل عام ولكنهم كانوا يتعرضون أحيانا للأذى كأي أقلية.

وفي عام 1866 بلغ عدد اليهود في الجزائر 000 34 من أصل إجمالي عدد السكان البالغ حوالي الثلاثة ملايين نسمة، منهم ربع مليون فرنسي والباقي مسلمون (عرب + بربر).

وفي عام 1870 اتخذت فرنسا قرارا خطيرا ألا وهو إعطاء الجنسية الفرنسية لكل يهود الجزائر واستثناء المسلمين من ذلك. والمسلمون ما كانوا بالطبع يرغبون في هذه الجنسية لأنها تعني خيانة الشريعة الإسلامية أو الهوية الدينية، ولكن تجنيس اليهود كان يعني أنهم أصبحوا هم والمستعمرون شيئا واحدا. وبالتالي فقد انفصلوا عن السكان الأصليين، وشعر المسلمون بهذا العمل وكأنه خيانة من طرف اليهود. وحصلت اضطرابات على إثر ذلك. ولهذا السبب فعندما استقلت الجزائر عام 1962 هاجرت الجالية اليهودية إلى فرنسا بمعظم أفرادها واستقرت فيها خوفا من الانتقام. وهذا ما أدى إلى زيادة عدد اليهود الشرقيين بالقياس إلى اليهود الغربيين. وكان عدد يهود الجزائر قد أصبح حوالي المائة ألف لحظة الاستقلال. وقد هاجروا كلهم إلى فرنسا عام 1962.

وسوف يلعب يهود الجزائر دورا كبيرا في التأثير على يهود فرنسا الأوروبيين والعلمانيين أكثر من اللزوم. وسوف يعيدونهم إلى الطقوس الدينية لأن اليهود الشرقيين أكثر ارتباطا بالدين من اليهود الغربيين، وسوف يدعمون إسرائيل كثيرا. ومن أشهر شخصياتهم المطرب المشهور أنريكو ماسياس الذي رفضت الجزائر استقباله مع الرئيس ساركوزي، والممثل روجيه هنان، وآخرون عديدون…

2. إدوار دريمون يندد “بفرنسا اليهودية”!

ثم يتوقف المؤلف عند لحظة هامة من لحظات تاريخ اليهود في فرنسا هي: لحظة إدوار دريمون الذي نشر كتابا شهيرا عام 1886 بعنوان: فرنسا اليهودية. وأسس بذلك تراث معاداة اليهودية (أو معاداة السامية في فرنسا). والواقع أن موجة معاداة اليهود انتشرت في فرنسا في نهايات القرن التاسع عشر انتشار النار في الهشيم. وكان المنظّر الأكبر لهذه الموجة هو دريمون نفسه ولكن ساعدته على ذلك جريدة الحزب الكاثوليكي الملكي التي تدعى “الصليب”. وكانت تفتخر بأنها الجريدة الأكثر عداء لليهود في فرنسا لأنهم قتلوا المسيح أو ساهموا في قتله بحسب الأطروحة اللاهوتية الكاثوليكية الشهيرة. وهي أطروحة ظلت سارية المفعول مدة ألفي سنة تقريبا حتى ألغاها المجمع الكنسي المشهور باسم الفاتيكان الثاني عام 1965.

ولكن موجة معاداة السامية لم تخترعها فرنسا في الواقع وإنما كانت أوروبية عامة في ذلك الوقت. والكلمة ظهرت لأول مرة عند الألمان لا عند الفرنسيين. وكانت تعني كره العرق السامي المختلف عن العرق الآري الأوروبي المتفوق.

وقد ابتدأت الثقافة الألمانية ببثها بدءًا من عام 1879 بعد تأسيس الحزب الاجتماعي المسيحي من قبل القسّ أدولف ستوكير. وبالتالي فألمانيا البسماركية (نسبة إلى بسمارك) سبقت فرنسا إلى معاداة اليهود. وعندئذ ظهرت كتب لأساتذة جامعات مشهورين ككتاب الباحث هنريش تريتسكشيه بعنوان: مقالات حول اليهودية (1880). ثم كتاب يوجين دوهرنيغ المشهور أكثر من سابقه، وكان بعنوان: المسألة اليهودية كمسألة عرقية وأخلاقية وثقافية. وفي تلك الفترة ظهرت دعوات لبلورة مكانة خاصة لليهود تميزهم سلبا عن بقية المواطنين وتقلّص من حقوقهم التي كانوا قد حصلوا عليها بعد الثورة الفرنسية.

وابتدأت المجازر ضد اليهود في روسيا وبعض أنحاء ألمانيا وعموم أوروبا الشرقية والوسطى، وعندئذ حذر فيكتور هيغو من هذا التيار رغم أنه لم يكن دائما يصوّر اليهود بشكل جيّد في رواياته. يقول عام 1882: إن ما يحصل في روسيا شيء مرعب وغير مقبول على الإطلاق. إنهم يذبحون اليهود عن بكرة أبيهم لمجرد أنهم يهود، وبالتالي فالأديان التي أخذت تموت عندنا لا تزال قوية هناك وقادرة على الأذى. حقا إن التعصب الديني داء خطير.

وإذا كان فيكتور هيغو يمثل التيار المستنير والعقلاني والإنساني في الثقافة الفرنسية، فإن إدوار دريمون كان يمثل التيار الرجعي الكاثوليكي الذي يريد الانتقام من الثورة الفرنسية التي قلبت النظام الملكي القديم وساوت بين اليهود والمسيحيين واعتبرتهم مواطنين كغيرهم، وهذا لا يجوز في نظره.

وقد ركّز دريمون هجومه على اليهود والماسونيين والملاحدة الذين دمروا فرنسا، كما نبّه إلى خطورة الدور الذي يلعبونه في السيطرة على البنوك والمصارف من خلال عائلة روتشيلد.

ثم يردف المؤلف قائلا: في الواقع أن دريمون صفّى حساباته مع النظام الجمهوري العلماني المضاد للمسيحية من خلال هجومه على اليهود واتخاذهم كبش فداء،وراح يضخم من حجمهم ونفوذهم وتأثيرهم وتغلغلهم في كل المناصب والمراكز.

فقال مثلا بأن عددهم يتجاوز النصف مليون في حين أنه لم يكن يتجاوز المائة ألف على أكثر تقدير، وقال إن عددهم في باريس يتجاوز المائة وخمسين ألف في حين أنه كان أقل من ذلك بكثير، وقال إنهم يسيطرون على كل الميادين في فرنسا بدءًا من المصارف والشركات وانتهاء بالصحافة والنشر والمسرح والثقافة، الخ., ونلاحظ أن اليمين المتطرف الفرنسي سوف يظل يهاجم اليهود بنفس الطريقة حتى بعد موت دريمون بمائة سنة. فجان ماري لوبن مثلا ،زعيم تيار اليمين المتطرف حاليا، يقول نفس الشيء عن اليهود ويدين سيطرتهم على الإعلام الفرنسي. وبالتالي فما أشبه الليلة بالبارحة! ولكن لا أحد ينكر ان وزنهم الاعلامي والمالي في فرنسا أكبر من حجمهم العددي بكثير وخاصة منذ خمسين سنة.

ثم يردف المؤلف قائلا:

ويتهم دريمون اليهود بأنهم هم السبب في اندلاع الثورة الفرنسية والقضاء على النظام الملكي وتأسيس النظام  الجمهوري المعادي للمسيحية. لماذا؟ لأن اليهود يحقدون على المسيح منذ أقدم العصور وحتى اليوم. وبالطبع فهذا كله هراء لأن معظم قادة الثورة إن لم يكن كلهم ليس فيهم يهودي واحد. وحتى فلاسفة التنوير الذين مهدوا لها كلهم من أصل مسيحي: فولتير، ديدرو، روسو، الخ. ولكن اليمين المتطرف متعود على خلط الأمور ببعضها البعض، وكل هدفه هو تهييج الجماهير عن طريق الضرب على وتر الغرائز التحتية والعصبيات الطائفية والعرقية، وهذا ما يفعله الآن ضد المغاربة والعرب والمسلمين.

3.اليهود وقضية دريفوس

أما اللحظة الأساسية التالية التي أثرت على وضع اليهود في فرنسا سلبا أولا ثم إيجابا ثانيا فهي بالتأكيد لحظة محاكمة ثم إدانة الضابط اليهودي الفريد دريفوس (1894-1906)، وقد تلت لحظة دريمون والحملة الشعواء التي شنّها مع اليمين الكاثوليكي على اليهود،وبالتالي فاليهود الذين هم الآن من أسعد خلق الله في فرنسا ويحظون بكل آيات التبجيل والاحترام ما كانوا هكذا في الماضي،وهذا شيء يصعب علينا تصوره الآن نظرا للنفوذ الكبير الذي يتمتعون به في المجتمع الفرنسي الحالي.

وعلى الرغم من أن قصة دريفوس انتهت أخيرا بتبرئته وإعادة الاعتبارإليه إلا أن الناس لا يتذكرون منها إلا قصة إدانته واعتقاله. ومعلوم أن فرنسا انقسمت آنذاك إلى قسمين متناطحين: قسم مع دريفوس وقسم ضده،والقسم الأول كان أكبر بكثير من الناحية العددية على الأقل في المراحل الأولى ، ويرى البعض أن اليهود لعبوا مرة أخرى دور كبش الفداء بالنسبة للفرنسيين الذين هزموا أمام الألمان عام 1870،ولم يستطيعوا الانتقام منهم فراحوا ينتقمون من الأقلية اليهودية.

والواقع أن الصحافة الفرنسية بمجملها شنّت آنذاك حملة شعواء على اليهود واعتبرتهم بمثابة الطابور الخامس الذي يخون فرنسا في اللحظات الحرجة وقالت بأنهم غير وطنيين لأنهم ليسوا فرنسيين حقيقيين. وما عدا جريدة واحدة هي جريدة “القرن (Le Siècle)، فإن معظم جرائد فرنسا الكبرى صبّت جام غضبها على هذا اليهودي الخائن، أي الفريد دريفوس، الذي باع أسرار فرنسا العسكرية إلى الألمان. هذا ما فعلته جريدة “لوفيغارو” التي مازالت تصدر حتى الآن، وهذا ما فعلته الجرائد الأخرى أيضا.

وعندئذ تلاقى اليمين الجمهوري العقلاني المستنير لأول مرة مع اليمين المتطرف الكاثوليكي الملكي على إدانة دريفوس. حفنة من الرجال فقط كانت تدافع عنه في البداية، ثم ازداد عددها لاحقا شيئا فشيئا. والواقع أن الضابط الفريد دريفوس كان يثير الغيرة والحسد في أوساط زملائه، فهو أول ضابط يهودي يدخل إلى رئاسة أركان الجيش الفرنسي، وعلاوة على ذلك فهو ينتمي إلى عائلة صناعية غنية جدا هذا في حين أن بقية الضباط كانوا ينتظرون آخر الشهر بفارغ الصبر كي يقبضوا مرتباتهم الزهيدة بالقياس إلى ثروته الطائلة. وبالتالي فقد تضافرت عدة عوامل مختلفة أدت في نهاية المطاف إلى التآمر عليه واتهامه بالخيانة العظمى لصالح الالمان.

4.اضطهاد اليهود في عهد حكومة فيشي والماريشال بيتان

أما اللحظة الأساسية التالية من تاريخ اليهود في فرنسا فهي لحظة حكومة “فيشي”: أي أثناء الحرب العالمية الثانية. وهي أصعب اللحظات في تاريخ اليهود الفرنسيين وأكثرها رعبا وسوادا. فحكومة الماريشال بيتان المتعاملة مع النازية اتخذت عدة قرارات شائنة ضد اليهود. وقد تراجعت عن كل المكتسبات السابقة التي تحققت لهم منذ الثورة الفرنسية.

فقد اتخذت حكومة فيشي أولا قرارا بنزع الجنسية الفرنسية عن عدد كبير من اليهود، وهكذا فقدوا صفة المواطن وأصبحوا أجانب في بلادهم. ثم تراجعت الحكومة العميلة للألمان عن قرار سابق كان يقضي بمنع نشر الأفكار العنصرية والمعادية للسامية في الصحافة،فأُطلق العنان للصحافيين والكتاب اليمينيين المعادين للسامية لكي يكتبوا ما يشاؤون ويشوهوا صورة اليهود في كل أنحاء فرنسا.

وسيطرت عندئذ أفكار شارل موراس على البلاد كلها، ومعلوم أنه زعيم اليمين القومي الفرنسي دون منازع والمنظّر الإيديولوجي الكبير له. وقد كانت له شهرة واسعة في فترة ما بين الحربين العالميتين، ثم حاكمه ديغول بعد انتهاء الحرب وسقوط نظام “فيشي”. وقد اتخذت حكومة المارشال بيتان القرار التالي: ينبغي تنظيف أجهزة الدولة ومؤسساتها من أي وجود لليهود، فكل موظف يهودي كبير أو صغير ينبغي أن يطرد أو يحال على التقاعد.

وركّز المارشال بشكل خاص على مجالي التعليم والقضاء وقال لأعضاء حكومته: لا أريد أي يهودي بعد الآن في سلك التعليم لأنه حساس جدا وينبغي أن يربّى التلامذة على حبّ الوطن، وهذا يعني التشكيك بوطنية الأساتذة اليهود.

وقال لهم: إن اليهود يعلمون الطلاب أفكارا هدامة ومضادة للتراث القومي الفرنسي، ثم أضاف: من غير المقبول أن يدرّس تاريخ فرنسا من قبل أستاذ يهودي الأصل. وصدر قرار بمنع أي يهودي من الدخول إلى وظائف الدولة، أو إلى سلك الصحافة، أو إلى الإذاعة الفرنسية، أو إلى مجال السينما والمسرح. كل هذه المهن أصبحت ممنوعة على اليهود.

وخلال فترة قصيرة فصل ألف وأربعة وستون (1064) أستاذا يهوديا من سلك التعليم الفرنسي كان من بينهم مائة وتسعة عشرة (119) أستاذا جامعيا. وحتى معلمو المدارس الابتدائية فصلوا من سلك التعليم.

ومن المعلمين المفصولين كان هناك شخص يدعى جول إسحاق وهو الذي ألّف كتب التاريخ المدرسية الشهيرة باسمه، وقد قال المارشال بيتان لوزرائه: هل من المعقول أن يكون أستاذ التاريخ الفرنسي شخص يدعى إسحاق؟ أفصلوه فورا، ففصلوه وعزلوه. وعندئذ التجأ إلى إحدى القرى في الجبال ونجا من الموت بأعجوبة،ولكن امرأته وبنته وصهره كلهم أرسلوا إلى معسكرات الاعتقال ولم يعودوا أبدا.

ثم اتخذت حكومة فيشي قرار بنزع الجنسية الفرنسية عن يهود الجزائر. وقالت إن القرار الصادر عام 1870، أي قبل سبعين سنة والقاضي بتجنيسهم لا معنى له وقد أصبح لاغيا تماما.

وكان الحقد على اليهود يأتي إما من جهة اليمين الكاثوليكي الحاقد عليهم دينيا باعتبار أنهم أعداء المسيح، أو من جهة اليمين القومي العرقي الذي ينظر إلى اليهود كشعب مشوه في خلقته وشكله ولا يشبه الأوروبيين، وأما من جهة الطرفين دفعة واحدة،فقد يكون الشخص طائفيا وعنصريا في آن معا.

ثم فصل المحامون اليهود من وظائفهم ومنعوا من المرافعات في قاعات المحاكم الفرنسية،وتقول الإحصائيات إْن عدد المحامين اليهود في باريس عام 1939 كان يتراوح بين 300-400 محام من أصل 5025، بمعنى أنهم كانوا يشكلون ربع المحامين تقريبا أو أقل بقليل، وهو عدد كبير قياسا إلى نسبتهم في الشعب والتي لا تتجاوز 1% من العدد الإجمالي للسكان.

ثم اتخذت حكومة فيشي عدة قرارات من أجل تصفية أي نفوذ لليهود في الاقتصاد القومي الفرنسي. وأخيرا اتخذت قرارا بتجميعهم وإرسالهم إلى معسكرات الاعتقال النازية حيث مات قسم كبير منهم. ولكن على الرغم من كل هذه القرارات التعسفية التي اتخذت فإنه تم إنقاذ ثلثي يهود فرنسا ولم يقتل منهم إلا الثلث. والفضل في ذلك يعود إلى تعاطف قسم لا بأس به من الشعب الفرنسي معهم وتخبئتهم عن الأنظاركيلا يكتشفهم البوليس ويقتادهم إلى معسكرات الاعتقال والموت.

ثم يقول البروفيسور ميشيل وينوك مردفا: لقد كان حظ يهود فرنسا على الرغم من كل ما حصل أفضل بكثير من غيرهم، فقد قتل منهم ما بين الربع والثلث فقط، أما يهود ألمانيا فقتل 50% منهم، ويهود النمسا قتل 83% منهم، ويهود اليونان 81%، ويهود هنغاريا 45%، ويهود ليتوانيا 74%، ويهوج النرويج 50%، ويهود هولندا 71%، ويهود يوغسلافيا 80%، ويهود تشيكوسلوفاكيا 82,5%…

وحدها الدانمارك استطاعت أن تنقذ 93% من يهودها، أما فنلندا فأنقذتهم جميعا. وما إن تم تحرير باريس من الألمان عام 1944 حتى قام الجنرال ديغول بإلغاء كل القوانين المضادة لليهود والتي كانت حكومة “فيشي” قد اتخذتها. وعاد اليهود  مواطنين من الدرجة الأولى  مثل غيرهم. وعاد الموظفون إلى وظائفهم، والأساتذة إلى مدارسهم أو جامعاتهم.

ولم تكتف فرنسا بإعادة الجنسية إلى كل اليهود الذين نزعت عنهم في عهد الماريشال بيتان، وإنما استقبلت أعدادا كبيرة من يهود أوروبا الوسطى والشرقية والبلدان العربية. وأصبحت فرنسا ملجأ للجميع، ولهذا السبب فإنها تضم أكبر جالية يهودية في أوروبا. وأصبح اليهود معززين مكرمين الى درجة ان بقية فئات الشعب تحسدهم وتغار منهم.

وبعد حرب السويس عام 1956-1957 استقبلت فرنسا سبعة آلاف يهودي مصري بعد أن طردهم جمال عبد الناصر بسبب صراعه مع إسرئيل.

ثم استقبلت يهود هنغاريا، وبولندة، وبلغاريا، ورومانيا، وبدءًا من عام 1952 راحت تستقبل الهجرات المتتالية ليهود إفريقيا الشمالية الذين أخذوا ينزحون عن البلدان العربية بعد تأسيس دولة إسرائيل عام 1948 خوفا من الشارع العربي الاسلامي أو لأسباب أخرى.

وفي عام 1962 استقبلت بلاد شارل ديغول الأعداد الكبيرة ليهود الجزائر الذين يتمتعون بالجنسية الفرنسية والذين يبلغ عددهم مائة ألف كما قلنا.

5. سارتر واليهود

ثم يخصص المؤلف فصلا للتحدث عن جان بول سارتر وموقفه من اليهود وقضية فلسطين ويقول بما معناه : في عام 1944 أصدر سارتر كتابا مهما بعنوان: تأملات حول المسألة اليهودية، وفيه يقوم بتفكيك المقولات المعادية للسامية أي لليهود، والشائعة في فرنسا على مدار الأجيال. وقد فعل ذلك بأسلوب رائع وشديد الفعالية، وكان يستهدف أساسا شارل موراس زعيم اليمين القومي المتطرف في فرنسا.

وبما أن سارتر كان قد أصبح الزعيم الفكري لفرنسا بعد الحرب العالمية الثانية فإن كلامه أصبح مسموعا،وأخذ يلقى أصداء واسعة ويؤثر على الجمهور المثقف تماما مثلما كان يؤثر عليه فيكتور هيغو في القرن التاسع عشر أو فولتير في القرن الثامن عشر.

ولذلك فإن اتخاذه لموقف حازم وواضح من معاداة السامية كان له أثره الكبير على الأجواء الثقافية والسياسية الفرنسية في فترة ما بعد الحرب العالمية الثانية،وقد ساهم في تحسين صورة اليهود ورد الاعتبار اليهم.

والواقع أن سارتر كان ينتمي إلى تيار المفكرين العقلانيين الفرنسيين ذوي النزعة الإنسانية والحالمين بالأخوّة الكونية بين جميع البشر، وكان يرى ان الناس على اختلاف أجناسهم وأديانهم ومذاهبهم يشتركون في الإنسانية وكلهم ينتمي إلى الجنس البشري، وبالتالي فلا داعي لكل هذه الأحقاد والعداءات. ولا داعي لكره الآخر لأنه يختلف عنا في الشكل أو سحنة الوجه، فهذه عنصرية بغيضة لا معنى لها.

وفيما يخص الصراع العربي-الإسرائيلي يقول المؤلف ما يلي: كان سارتر مسحورا بالعنف الثوري ولذلك فإنه برّر بعض الأعمال الإرهابية ،ولكنه كان يعرف كيف يفرق بين الإرهاب والمقاومة ولا يخلط هذه بذاك.

وكان يدافع عن حق إسرائيل في الوجود بعد كل ما حصل وحق الفلسطينيين في الدفاع عن أرضهم وبلادهم. ولم يكن هذا الموقف سهلا دائما، وأحيانا كان يتوصل إلى إغضاب الطرفين في آن أو على التوالي.

ولكنه في نهاية المطاف كان يعتبر أن المفاوضات السلمية هي الحل الوحيد، وكان يتمنى من كل قلبه لو يستطيع إقامة التقارب بين ممثلي الشعب الفلسطيني وممثلي الشعب الإسرائيلي، وقد حاول أكثر من مرة أن يجمع مثقفي  الجهتين.

6. ديغول واليهود

ثم يتحدث المؤلف عن حرب 5 يونيو 1967 ويقول إنها شكلت منعطفا كبيرا في تاريخ العلاقات الفرنسية-اليهودية. فحتى ذلك الوقت كانت فرنسا هي الراعي الأساسي لإسرائيل في الغرب وهي التي تزودها بالسلاح والدعم المتواصل، وهي التي ساعدتها على امتلاك القنبلة الذرية. ولكن بعد ذلك التاريخ حلّت محلها أمريكا في لعب هذا الدور.

وعلى الرغم من أن الجنرال ديغول قال إن وجود إسرائيل أصبح حقيقة واقعة لا رجوع عنها إلا أنه استاء من تصرفات القادة الإسرائيليين لأنهم أشعلوا الحرب في 5يونيو رغم نصائحه لهم بالتريث، واعتبر أنهم خدعوه أو استخفوا بكلامه.

وقد حصلت مشكلة بينه وبين يهود فرنسا لأنه قال عبارته الشهيرة في مؤتمره الصحفي الذي عقده بعد حرب يونيو 1967 بوقت قصير،قال ما معناه واصفا اليهود: انهم شعب من الصفوة، واثق من نفسه، وميّال إلى الهيمنة على الآخرين، هذه العبارة أثارت غضبا كبيرا في أوساط الصحفيين والمثقفين اليهود في فرنسا من ريمون آرون الى جان دانييل رئيس تحرير مجلة النوفيل أوبسرفاتور، إلى آخرين عديدين.

وراح بعضهم يتحدث عن وجود بقايا مشاعر معادية لليهود في أعماق الجنرال ديغول بسبب عائلته الكاثوليكية المحافظة،ولكن هذه المشاعر ظلت مكبوتة حتى انفجرت أخيرا في ذلك المؤتمر الصحفي الشهير،ومنذ ذلك الوقت حقدوا عليه بل وحاولوا النيل منه رغم  هيبته التاريخية الكبرى.

ورغم كل ذلك فإن الشعب الفرنسي ظل مؤيدا لإسرائيل بأغلبية ساحقة ضد العرب، فـ56% كانوا يدعمون إسرائيل بحسب استطلاعات الرأي العام، و2% كانوا يؤيدون العرب! وفي سبتمبر من عام 1967 ازدادت نسبة مؤيدي إسرائيل فأصبحت 68% مقابل 6% فقط للعرب، فالناس مع المنتصر دائما وويل للمهزوم..

وعموما فإن اليمين واليسار في فرنسا أجمعا آنذاك على تأييد إسرائيل، بل حتى اليمين المتطرف أيدهالا حبا في اليهود وإنما كرها للعرب وبسبب انفصال الجزائر عن فرنسا،وبالتالي فالشعب الفرنسي اذا خير بين كره اليهود وكره العرب لايتردد لحظة واحدة في اختيار الحل الثاني.

وهناك ظاهرة جديدة مهمة حصلت بعد 5 حزيران 1967 وهي أن يهود فرنسا أصبحوا يحددون أنفسهم بالقياس إلى إسرائيل لأول مرة، ولم يعد ولاؤهم لفرنسا فقط، وإنما أصبح لفرنسا وإسرائيل في آن معا، وأحيانا يكون لإسرائيل قبل فرنسا..

وأخيرا يتحدث المؤلف عن الوضع الحرج الذي تعيشه فرنسا منذ عام 2000، أي منذ اندلاع الانتفاضة الثانية في فلسطين ضد الاحتلال الإسرائيلي. فبما أن فرنسا تحتوي على أكبر جالية يهودية، وأكبر جالية عربية-إسلامية فإنها أصبحت بالرغم منها مسرحا لصراع الشرق الأوسط.

لقد وصلت شظاياه إليها وما هو أكثر من الشظايا، وأصبحت مضطرة للفصل بين الطرفين ومراقبة أي منهما سيعتدي على الآخر. ثم يردف المؤلف قائلا:

ولأول مرة ظهرت في فرنسا نزعة جديدة لمعاداة السامية لم تكن معروفة من قبل ،وهي آتية هذه المرة من طرف الجالية العربية-الإسلامية لا من طرف اليمين المتطرف الفرنسي أو اليمين الكاثوليكي.

فالعرب وبخاصة المغاربة أصبحوا يكرهون اليهود بسبب أعمال حكومة شارون في فلسطين ،وهذا ما يثير قلق السلطات الفرنسية التي فوجئت بانتقال صراع الشرق الأوسط إليها.

ولكن لا ينبغي التعميم أو التهويل: فمعظم أبناء الجالية العربية هادئون ومسالمون ولا يبحثون إلا عن لقمة العيش، كما أنهم يتعرضون للتمييز العنصري ولا يستطيعون أن يرفعوا رؤوسهم كثيرا.

ونسبة البطالة متفشية في أوساطهم وكذلك نسبة الفقراء والمهمّشين، وربما كان ذلك هو السبب الذي يدفع بشبيبتهم المأزومة إلى ارتكاب أعمال سيئة بحق اليهود أو غير اليهود.

بالتالي ينبغي على الدولة أن تحسّن أوضاعهم الاجتماعية والمعيشية والسكنية كي يخفّ حقدهم على الآخرين.

ثم يقول المؤلف مردفا: لقد ألّفت هذا الكتاب بروح التفاهم ودون أي تحيّز مسبق لطرف ضد الطرف الآخر ،ولكن إذا كان ينبغي عليّ أن أنحاز إلى طرف معين فسوف يكون إلى طرف السلام بين الفلسطينيين والإسرائيليين أو بين المسلمين واليهود، فهذه هي أغلى أمنية على قلوبنا الآن.

وفيما يخص نظرة الشعب الفرنسي إلى اليهود يقول المؤلف ما معناه: حتى عام 1966 كان 50% من الفرنسيين يرفضون أن يصبح شخص يهودي رئيسا لجمهورية فرنسا، ولكنهم الآن أصبحوا أقل من عشرة بالمائة،بمعنى أن 90% من سكان فرنسا يقبلون بوصول يهودي إلى سدّة السلطة العليا في البلاد ولا يخافون هذا الاحتمال.

وهذا يعني أن اليهود أصبحوا مقبولين تماما في المجتمع الفرنسي بل وأصبحوا منصهرين فيه وكأنهم جزء لا يتجزأ منه، وهذه ليست حالة العرب. ولكن ربما توصلوا إلى ذلك بعد ثلاثين أو أربعين سنة، فانصهار العرب في المجتمع الفرنسي أو اندماجهم فيه سوف يأخذ عدة عقود . وهذه هي المشكلة الكبرى المطروحة على المجتمع الفرنسي حاليا، نقول ذلك خاصة وأن عدد العرب أكبر بكثير من عدد اليهود: خسة ملايين مقابل سبعمائة ألف فقط.

هذه هي قصة اليهود في فرنسا أو مع فرنسا على مدار القرنين الماضيين. إنها ملحمة كبيرة مرت بعدة مخاضات وهزات وتقلبات، وقد رواها المؤلف بكل ألمعية واقتدار.

ونلاحظ أن منهجيته قوية وشديدة الوضوح، ومن يطلع على هذا الكتاب يصبح عارفا بتاريخ فرنسا واليهود في آن .

وهذه هي ميزة الكتب التاريخية الهامة الصادرة عن باحثين كبار من أمثال البروفيسور ميشيل ونيوك، فمعلوماته موثقة، ومرجعياته قوية، واطلاعه واسع على التاريخ الحديث لبلاده.

الخلاصة

بعد الاطلاع على الكتاب نلاحظ ان اليهود مروا بعدة مراحل، فقبل الثورة الفرنسية كانوا مضطهدين على أساس ديني لاهوتي مسيحي، ثم جاءت الثورة وحررتهم من هذا الاضطهاد واعترفت بهم مواطنين لهم نفس الحقوق وعليهم نفس الواجبات، ثم جاءت الحركات الفاشية الاوروبية في النصف الاول من القرن العشرين كي تضطهدهم من جديد ولكن ليس على أساس ديني هذه المرة وانما على أساس عرقي لانهم ينتمون الى عرق متدن، كما العرب والسود والغجر، بحسب التصنيفات النازية. ثم بعد الحرب العالمية الثانية عادوا الى الانتعاش من جديد وأصبحوا مكرمين مدللين في كل أنحاء اوروبا وليس فقط في فرنسا. والسبب هو ان الشعوب الاوروبية أرادت الاعتذار لهم عما فعلته بهم ابان المحرقة الشهيرة خلال الحرب العالمية الثانية. ومازالت أوضاعهم الآن في أحسن حال الى درجة انك لا تستطيع ان تصدق انهم كانوا مضطهدين يوما ما! الى درجة ان أحد مثقفيهم نشر كتابا بعنوان: أسعد من اليهودي في فرنسا لن تجد! ولكن الجناح المنظم والمتعصب فيهم يبتز الشخصيات الفرنسية والاوروبية من حين لآخر عن طريق تذكيرهم بالمحرقةكي يتغاضوا عن أعمال اسرائيل العدوانية او كي يقدموا لها الدعم السياسي باستمرار في المحافل الدولية. وهذا الجناح المتعصب هو الذي ندعوه باللوبي اليهودي وهو الذي يسلط سيف ديموقليس على أكبر رأس تسول له نفسه ان ينتقد دولة اسرائيل. وقد نجحوا مؤخرا في ترسيخ الفكرة القائلة بانه لا يوجد أي فرق بين معاداة الصهيونية ومعاداة  السامية : أي معاداة اليهود كيهود. وهذه حيلة خبيثة تنطلي على الكثيرين للأسف الشديد. وقد تفاقم الأمر الى حد ان بعض المثقفين اليهود أنفسهم أصبحوا يشكون من وجود لوبي يهودي في فرنسا وليس فقط هذا المسؤول العربي او ذاك. نذكر من بينهم مكسيم رودنسون سابقا او الفيلسوف الشهير ادغار موران حاليا او الباحث الاستراتيجي المعروف ألفريد غروسير، الخ..وكلهم تعرضوا لضغوطات اللوبي اليهودي وملاحقاته بشكل او بآخر. واتهموا بخيانة الطائفة او كره الذات، ولهذا السبب لا ينبغي التعميم على اليهود وادانتهم ككل كما يفعل العنصريون والطائفيون عندنا. ثم ان شخصيات فرنسية كبرى من أمثال فرانسوا ميتران او ريمون بار او سواهما اشتكوا ايضا من سطوة اللوبي اليهودي وجبروته وقدرته على تهديد أي شخص كائنا من كان،وريمون بار مات قبل شهرين بشكل غريب وربما مريب بعد ان تحداهم علنا واشتبك معهم في معركة لافتة للانتباه ولكن خاسرة سلفا. وكان ذلك بعد ان قال بالحرف الواحد: نعم ان اللوبي اليهودي لا يتردد عن تدبير المؤامرات الدنيئة ضد الآخرين.. يضاف الى ذلك ان هذا اللوبي العتيد يمارس ارهابا فكريا حقيقيا في الساحة الباريسية عن طريق الخلط المتعمد بين معاداة الصهيونية ومعاداة اليهودية كما ذكرنا. فكل من تسول له نفسه ان ينتقد السياسة الاسرائيلية في الأراضي المحتلة او حتى ينتقد الصهيونية كمشروع سياسي محض يستخدم الدين اليهودي والقصص التوراتية كأداة فعالة لتنفيذ أهدافه يجد نفسه موصوما بالنعت الشائن: معاداة السامية. وهكذا يتراجع كبار المفكرين والسياسيين الفرنسيين عن توجيه أي نقد لحكومة اسرائيل فتصبح وكأنها معصومة عن الخطأ على عكس كل حكومات الارض! وهكذا يعد المثقف الفرنسي وبخاصة الالماني إلى العشرة قبل ان يتجرأ على قول كلمة حق تجاه القضية الفلسطينية..ولذلك أصدر المفكر الاستراتيجي الفرنسي باسكال بونيفاس كتابا هاما تحت عنوان شديد الدلالة والايحاء: هل من المسموح او هل من الممكن نقد اسرائيل في فرنسا؟

كل هذه الاشياء صحيحة ولا يستطيع أحد ان ينقضها، ونحن اذ نقول هذا الكلام لا يعني أننا ضد السلام بين العرب واليهود في فلسطين، على العكس تماما، فهذا السلام أصبح ضرورة ملحة أكثر من أي وقت مضى. بل ان استمرارية الصراع أصبحت عالة على العرب ومبددة لطاقاتهم وحجر عثرة في وجه نهضتهم ومشروعهم الحضاري المقبل. ولكن هناك حقائق ينبغي ان تقال..واذ نقولها لا يعني اننا نوافق الوزير الجزائري في كل ما صرح به. فالتعميم خاطئ في كل الأحوال. فهناك يهود ويهود..كما ان هناك عربا وعربا.. ولايمكن ان نوافق الشارع الاصولي أو العربي في عدائه الراديكالي لساركوزي والشعب اليهودي. فنحن ايضا عندنا نزعات عنصرية او شوفينية او طائفية، وهي مزدهرة هذه الايام اكثر من أي وقت مضى. نحن ايضا ينبغي ان نكنس امام بيوتنا وفي طليعتنا هذا الوزير الجزائري نفسه..فالواقع ان الشعب اليهودي عريق ويستحق الاحترام. وقد عانى كثيرا على مدار التاريخ. وربما كان هذا هو السبب الذي دفعه الى انجاب العباقرة الذين خدموا البشرية وأناروا لها الطريق من أمثال الفيلسوف اليهودي العربي موسى بن ميمون المعاصر لابن رشد، او سبينوزا، اوماركس، او فرويد، او انشتاين الخ..وقد ساهم اليهود بكل فعالية في تشكيل حضارة الأندلس الزاهرة الى جانب العرب المسلمين الذين كانوا قادتها. وكانوا معززين مكرمين بقدر ما تسمح به ظروف العصور الوسطى،وبالتالي فلم يحصل العداء الكبير بيننا وبينهم الا بعد ظهور المشروع الصهيوني الهادف الى احتلال فلسطين وتفريغها من شعبها على مراحل، وهو مشروع جهنمي قل نظيره في التاريخ. ولكن بعد ان اصبحت اسرائيل امرا واقعا لم يعد هناك من حل الا التفاوض وايجاد تسوية معينة. يضاف الى ذلك ان التيار العنصري البغيض في اسرائيل يسيئ الى سمعة اليهود ككل بتعجرفه واحتقاره للآخرين، فهم يعتقدون أنهم من جنس وبقية البشرية من جنس آخر. ولذلك أدانهم الجنرال ديغول في عبارته الشهيرة المذكورة آنفا. إنهم يعتقدون أنهم شعب الله المختار.. أما فيما يخص الرئيس ساركوزي فهو ليس يهوديا وانما مسيحي كاثوليكي كأغلبية الفرنسيين،وهو يعلن ذلك على رؤوس الاشهاد. ولكن يبقى صحيحا القول بانه أقرب رؤساء فرنسا الى اليهود. وهو يعلن ذلك صراحة ولا يخفيه. لماذا؟ لأن جده لأمه، بنديكت الملاح، كان طبيبا يهوديا هاجر الى فرنسا من بلاد الامبراطورية العثمانية في بداية القرن العشرين ولكنه غير دينه واعتنق المسيحية. واسم “الملاح” يدل على انه من يهود العرب او المسلمين في الأصل. وهو الذي ربى ساركوزي واخوته بعد ان تخلى عنهم والدهم المسيحي الهنغاري وتزوج من امرأة أخرى وغادر البيت نهائيا. ولذلك حقد عليه ساركوزي ومازال.. وبالتالي فأبوه الحقيقي هو جده في الواقع. ولكن هذا لا يعني انه يستطيع ان يخدم فرنسا اكثر مما خدمها فرانسوا ميتران او حتى جاك شيراك على الرغم من كل المظاهر الخادعة لهذا الأخير..

أما القول بان اليهود هم الذين أتوا بساركوزي الى السلطة فهو يشكل احتقارا للديمقراطية والشعب الفرنسي بكل بساطة. صحيح انهم صوتوا له بنسبة 65 بالمائة وربما اكثر. ولكن عددهم لايسمح لهم بان يصنعوا الرؤساء في فرنسا،فهم لا يتجاوزون نسبة اثنين بالمائة من الشعب الفرنسي. لاريب في ان نفوذهم اكبر بكثير من عددهم ولكنه لا يمكن ان يطغى على كل شيء كما نتوهم نحن العرب المهووسين بنظرية المؤامرة. وبالتالي فكلام الوزير الجزائري مبالغ فيه بل وينم عن جهل بحقائق الواقع اللهم الا اذا عتبرنا ان اليهود هم وحدهم الأذكياء وبقية الشعب الفرنسي حمير او أغبياء..وهذا شيء مستبعد لان الشعب الفرنسي من أرقى شعوب الارض وأكثرها نضجا بفضل الثورات التحررية الكبرى التي عاشها ودفع ثمنها على مدار عدة قرون متواصلة. ولا نجد كلمة ختام لهذا البحث المطول أفضل مما قاله الرئيس ساركوزي مؤخرا: بالأمس كنت رجل اللوبي اليهودي قبيل زيارتي للجزائر. واليوم أصبحت رجل اللوبي العربي بعد زيارة العقيد القذافي لفرنسا!

* الكتاب من منشورات سوي. باريس

العنوان الأصلي للكتاب:

La France et les Juifs

De 1789 à nos jours

Michel WINOCK

Seuil.paris

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق

Share This