الإنجيل برواية القرآن: ناسوت عيسى

تؤكد الرواية القرآنية وبإصرار شديد على الطبيعة البشرية لعيسى، وذلك بأكثر من صيغة وأكثر من موضع في القرآن. ولكنها تلخص كل جوانب هذه الطبيعة في قول الآية 75 من سورة المائدة: “ما المسيح ابن مريم إلا رسول قد خلت من قبله الرُسُلْ، وأمه صِدِّيقة. كانا يأكلان الطعام.” وأكل الطعام هو الميزة التي تفرق بين الكائنات البشرية، والكائنات الروحانية المتفوقة التي لا تطلب الطعام ولا تحتاجه.
هذه الصورة البشرية ليسوع هي التي تطالعنا في الأناجيل الإزائيَّة الثلاث: متَّى ومرقس ولوقا. فيسوع كان ينتمي إلى أسرة متواضعة، تقيم في بلدة متواضعة تدعى الناصرة، لم تُذكر في المصادر التاريخية والجغرافية إلا بعد عدة قرون من حياة يسوع. وكان رب هذه الأسرة يعمل نجاراً، ومارس ابنه يسوع هذه المهنة أيضاً، وكان مساعداً لأبيه في ورشته. وقد أشار مؤلف إنجيل مرقس إلى ذلك، عندما تعجب أهل الناصرة من حكمته لما مارس تعليمه بينهم لأول مرة، فقالوا: “ما هذه الحكمة التي أُعطيت له؟ أليس هذا هو النجار ابن مريم، وأخو يعقوب ويوسي ويهوذا وسمعان؟ أوَ ليست أَخواتُه ههنا عندنا؟” (مرقس 6: 3). أما مؤلف إنجيل متًَّى، فقد قال في الموضع نفسه: “أليس هذا ابن النجار؟ أليست أمه تدعى مريم وإخوته يعقوب ويوسي وسمعان ويهوذا؟ أوَ ليست أَخواتُه جميعهن عندنا؟ فمن أين لهذا هذه؟” (متَّى 13: 55- 56).

من هذه الآيات الواردة عند مرقس ومتَّى، نفهم أن أسرة يسوع كانت أسرة كبيرة تضم إلى جانب يسوع أربعة من الأخوة ذكرتهم المصادر الرسمية بأسمائهم، وعدداً من الأخوات لم تحدد عددهن، بينما قالت المصادر المنحولة أنهما اثنتان. وبخصوص هؤلاء الإخوة يرى بعض المفسرين أنهم لم يكونوا إخوة يسوع بالفعل وإنما أولاد خالته أو أولاد عمته، لأن هؤلاء كانوا يُدعون بالإخوة أيضاً وفق التقليد العبري. بينما يرى آخرون أنهم كانوا أشقاء يسوع، وذلك اعتماداً على قول متَّى بأن يوسف لم يعرف مريم بعد حملها من الروح القُدُس حتى وضعت ابنها البكر (متَّى 1: 24- 25). وهذا يترك الاحتمال قائماً في أنه قد عرفها بعد ذلك وأنجبت له إخوة يسوع. وقد ورد في بعض المصادر المنحولة أن هؤلاء الإخوة هم أولاد يوسف من زواج سابق؛ فقد جاء في كتاب “تاريخ يوسف النجار” أن زوجة يوسف قد ماتت وتركت له أربعة أولاد ذكور، هم: يهوذا ويوستيوس ويعقوب وسمعان، وابنتان هما: ليسيا وليديا.

وكأي إنسان طبيعي آخر، فقد كان يسوع مقبلاً على الحياة ويستمتع بالمأكل والمشرب، وهي الصورة التي تقدمها لنا قصة عرس قانا الذي دُعي إليه يسوع مع أمه وتلاميذه (يوحنا: 2). وكان يتكئ ليأكل مع الشرائح الدنيا من الشعب. نقرأ في إنجيل متَّى: “وبينما هو متكئ في البيت. إذا عشارون وخطاةٌ كثيرون قد جاؤوا واتكأوا مع يسوع وتلاميذه. فلما نظر الفريسيون قالوا لتلاميذه: لماذا يأكل معلمكم مع الخطاة والعشارين؟ فلما سمع يسوع قال لهم: لا يحتاج الأصحاح إلى طبيب بل المرضى؟” (متَّى 9: 9- 11). وقد كان خصومه يأخذون عليه سلوكه الطبيعي هذا، ويتهمونه بالميل إلى الأكل والشرب ولذائذ الحياة. ولهذا قال لهم: “جاء يوحنا المعمدان لا يأكل ولا يشرب، فيقولون فيه شيطان؛ جاء ابن الإنسان يأكل ويشرب، فيقولون هوذا إنسان أكول وشريب خمر، محب للعشارين والخطاة.” (متَّى 11: 18- 19).

وكان الطِيب من متع الدنيا التي حُببت إلى يسوع، على ما تبينه قصة المرأة التي ضمخته بالعطر الفاخر، والتي رُويت بأكثر من شكل في الأناجيل، ومنها رواية يوحنا: “ثم قبل الفصح بستة أيام، أتى يسوع إلى بيت عُنيا حيث كان لعازر الميت الذي أقامه من الأموات. فصنعوا له هناك عشاءً. وكانت مرثا (أخت لعازر) تخدم، وأما لعازر فكان أحد المتكئين معه. فأخذت مريم (أخت لعازر الأخرى) مَنّاً من طيب ناردين خالصٍ كثير الثمن، ودهنت به قدمي يسوع ومسحت قدميه بشعرها (وفي رواية لوقا سكبتها على رأسه)، فامتلأ البيت من رائحة الطيب. فقال واحد من تلاميذه وهو يهوذا الإسخريوطي المزمع أن يسلمه: لماذا لم يُبع هذا الطيب بثلاثمئة دينار ويعطى للفقراء؟ فقال يسوع: اتركوها، إنها ليومِ تكفيني قد حفِظَتْهُ؛ لأن الفقراء معكم في كل حين، وأما أنا فلست معكم في كل حين.” (يوحنا 12: 1- 8). “الحق أقول لكم، حيثما يُكرز بهذا الإنجيل في كل العالم يُخْبَرُ أيضاً بما فعلته هذه تذكاراً لها.” (لوقا 26: 13).

ولقد تمتع يسوع بكل الطبائع الإنسانية الإيجابية والسلبية التي للبشر. فقد كان يُظهر عواطف الشفقة والحنو التي كانت تدفعه لمد يد العون إلى المرضى والممسوسين، والاختلاط بالمنبوذين، على ما يُظهر هذا المشهد من إنجيل مرقس: “فأتى أبرص يطلب إليه جاثياً وقال له: إن أردتَ تقدر أن تطهرني. فتحنن يسوع ومد يده ولمسه وقال له: أريد، فأطهر.” (مرقس 1: 40- 41).

إلى جانب هذه العواطف الإيجابية، فإن عواطف أخرى سلبية كانت توجه سلوكه أحياناً. فلطالما أظهر التأفف ونفاذ الصبر تجاه تلاميذه الذين كانوا لا يستوعبون بسهولة كل تعاليمه. فعندما قال للفريسيين مَثَله المعروف: “ما من شيء خارج الإنسان إذا دخل فيه ينجسه، ولكن ما يخرج من الإنسان هو الذي ينجس الإنسان.” سأله تلاميذه عن مغزى المثل بعد انفضاض الجمع، فقال لهم: “أهكذا أنتم أيضاً، لا فهم لكم.” ثم شرع يشرح لهم مغزى المَثَل. ولطالما احتدم غضباً على محاوريه من مثقفي اليهود مستخدماً أقذع الكلمات: “ويل لكم أيها الكَتَبة والفريسيون المراؤون… أيها الحيات أولاد الأفاعي، كيف تهربون من نار جهنم.” (متَّى 23: 27- 33). “إنكم أولاد إبليس أبيكم، وأنتم تريدون إتمام شهوات أبيكم.” (يوحنا 8: 44).

ولم ينجُ تلاميذه أنفسهم من ثورات غضبه، على ما نرى في هذا المشهد الذي رسمه مرقس لمشادَّة وقعت بين يسوع وبطرس: “وابتدأ يُعلمهم أن ابن الإنسان ينبغي أن يتألم كثيراً ويُرفض من الشيوخ ورؤساء الكهنة والكَتَبَة ويُقتل، وبعد ثلاثة أيام يقوم. وقال القول علانية، فأخذه بطرس إليه وابتدأ ينتهره. فالتفت وأبصر التلاميذ، فانتهر بطرس قائلاً: اذهب عني يا شيطان، لأنك لا تهتم بما لله لكن بما للناس.” (مرقس 8: 31- 33). ونقرأ عند مرقس أيضاً: “وقدِّموا إليه أولاداً لكي يلمسهم، وأما التلاميذ فانتهروا الذين قدموهم. فلما رأى يسوع ذلك اغتاظ وقال لهم: دعوا الأولاد يأتون إليَّ ولا تمنعوهم.” (مرقس 10: 13- 14). وأيضاً: “ثم دخل أيضاً إلى المجمع، وكان هناك رجل يده يابسة، فصاروا يراقبونه هل يشفيه في يوم السبت لكي يشتكوا عليه… فقال لهم: هل يحل في السبت فعل الخير أو فعل الشر؟ فسكتوا. فنظر حوله إليهم بغضب وقال للرجل مّدّ يدك… إلخ.” (مرقس 3: 1- 6).

ويتجلى غضب يسوع في أوضح أشكاله في مشهد طرد الصيارفة والباعة من باحة الهيكل: “فصعد يسوع إلى أورشليم، فرأى في الهيكل باعة البقر والغنم والحمام، والصيارفة جالسين إلى مناضدهم. فجدل سوطاً من حبال وطردهم من الهيكل مع الغنم والبقر، ونثر دراهم الصيارفة وقلب مناضدهم.” (يوحنا 2: 13- 15). وفي قصة لعنة للتينة العجفاء، يُعبر يسوع عن غضب مختلط بنزق ونفاذ صبر: “وفي الصبح إذ كان راجعاً إلى المدينة جاع؛ فنظر إلى شجرة تين على الطريق وجاء إليها، فلم يجد فيها إلا ورقاً فقط، فقال لها: لا يكن منك ثمر بعدُ إلى الأبد. فيبست التينة في الحال.” (متَّى 21: 18- 19).

كما عبَّر يسوع عن عواطف إنسانية أصيلة تتعلق بجزع الموت. فعندما أحس بدنو ساعته صلى للآب لكي يجيز كأس المنية عنه: “وانفصل عنهم (= التلاميذ) نحو رمية حجر، وجثا على ركبتيه وصلى قائلاً: يا أبتاه إن شئت أن تجيز هذه الكأس عني. ولكن لتكن لا إرادتي بل إرادتك. وظهر له من السماء ملاك يقويه. وإن كان في جهاد كان يصلي بأشد لجاجة، وصار عرقه كقطرات دم نازلة على الأرض.” (لوقا 22: 39- 44). كما عبَّر عن ذروة اليأس الإنساني عندما صرخ قبل أن يُسلم الروح على الصليب: “إلهي، إلهي، لماذا تركتني.” (متَّى 27: 46).

فإذا عدنا إلى الرواية القرآنية، نجد أنها تُعبر عن ناسوت عيسى من خلال ثلاثة ألقاب. فقد وصفته بالنبي، وبالرسول، وبعبد الله. وجميع هذه الألقاب تجد سنداً لها في أسفار العهد الجديد، وليست ابتكاراً قرآنياً، على ما سنبينه فيما يلي:
عيسى النبي:

“قال إني عبد الله، آتاني الكتاب، وجعلني نبياً، وجعلني مباركاً.” (مريم 19: 30- 31).

في الرواية الإنجيلية وصف يسوع نفسه بالنبي. فعندما أظهر أهل الناصرة استخفافهم به ولم يؤمنوا بتعاليمه، لم يستطع إظهار معجزاته بينهم بسبب قلة إيمانهم، وقال: “ليس نبي بلا كرامة إلا في وطنه وفي بيته.” (متَّى 13: 54- 57). وفي رواية لوقا للحادثة نفسها، يعقد يسوع مقارنة بين ما جرى له في الناصرة، وما جرى للنبي إيليا وللنبي إليشع، اللذين أظهرا معجزاتهما بعيداً عن موطنيهما: “وبالحق أقول لكم إن أرامل كثيرة كن في إسرائيل في أيام إيليا حين أُغلقت السماء مدة ثلاث سنين، ولم يرسَل إليا إلى واحدة منها إلا إلى امرأة أرملة إلى صرفة صيداً. وبرص كثيرون كانوا في إسرائيل في زمان إليشع النبي، ولم يطهر واحد منهم إلا نعمان السرياني.” (لوقا 4: 25- 27).

وقد وصفه الآخرون أيضاً بالنبي، وقرنوه بيوحنا المعمدان: “وكان أناس يقولون إن يوحنا المعمدان قام من بين الأموات، ولذلك تجرى المعجزات على يده. وقال آخرون إنه إيليا (النبي)، وقال غيرهم إنه نبي كسائر الأنبياء. فلما سمع هيرودوس بأخباره قال هذا يوحنا الذي قطعت أنا رأسه قد قام.” (مرقس 6: 14- 16). وعندما سأل يسوع تلاميذَه عما يقول الناس أنه هو: “فأجابوا وقالوا: يوحنا المعمدان، وآخرون إيليا، وآخرون إن نبياً قام.” (لوقا 9: 18- 19). وعندما أقام يسوع الشاب الميت في بلدة نايين: “أخذ الجميع خوف ومجدوا الله قائلين: قد قام فينا نبي، وافتقد الله شعبه.” (لوقا 7: 16). وعندما دخل أورشليم: “ارتجت المدينة كلها قائلةً: من هذا؟ فقالت الجموع: هذا يسوع النبي الذي من ناصرة الجليل.” (متَّى 21: 10). وقال الفريسيون ورؤساء الكهنة لأحد محاوريهم وكان مؤمناً بيسوع: “ألعلك أنت أيضاً من الجليل؟ فتش وانظر إنه لم يقم نبي من الجليل.” (يوحنا 7: 52). وقالت له المرأة السامرية التي طلب منها عند البئر شربة ماء: “يا سيد أرى أنك نبي.” (يوحنا 4: 19). وعندما قبل يسوع العطر من المرأة الخاطئة، قال صاحب البيت: لو كان هذا نبياً لعلم من هذه المرأة التي تلمسه وما هي، إنها خاطئة.” (لوقا 7: 39). وعندما فتح عيني الأعمى، قالوا له (أي الأعمى) ماذا تقول أنت عنه، من حيث أنه فتح عينيك؟ فقال: إنه نبي.” (يوحنا 9: 17). وفي سفر أعمال الرُسُل يقرن بطرس الرسول يسوع بموسى، مقتبساً من العهد القديم قول موسى: “إن نبياً مثلي سيقيم لكم الرب إلهكم من إخوتكم، تسمعون له في كل ما يتكلم.” (أعمال 2: 22).

وعندما يستخدم النص الإنجيلي كلمة “النبي” عوضاً عن “نبي”، فإنه يشير بذلك إلى النبي الذي سيبعث في آخر الأزمنة عند حلول يوم الرب، والذي سيتجسد فيه إيليا النبي الذي رُفع حياً إلى السماء، على ما تفيد نبوءة سفر ملاخي: “ها أنذا أرسل إليكم إيليا النبي قبل مجيء يوم الرب العظيم والمخوف، فيرد قلب الآباء على الأبناء وقلب الأبناء على الآباء.” (ملاخي 4: 5- 6). ولهذا فقد سأل الكهنة الذين جاؤوا من أورشليم يوحنا المعمدان قائلين: “إيليا أنت؟ فقال: لست أنا. النبي أنت؟ فأجاب لا.” (يوحنا 1: 19- 21). ولهذا أيضاً أرسل يوحنا المعمدان من سجنه إلى يسوع يسأله، وقد اعتقد أنه النبي الآتي: “أ أنت هو الآتي أم ننتظر آخر؟” فأجاب يسوع إجابة تدل على الموافقة عندما قال للرسل: “اذهبا وأخبرا يوحنا بما سمعتما ورأيتما، إن العمي يبصرون، والعرج يمشون، والبرص يطهرون، والصم يسمعون، والموتى يقومون، والمساكين يبشِّرون.” (يوحنا 1: 18- 32). وإلى هذه الشخصية أيضاً أشار إنجيل يوحنا عندما وضع على لسان الذين رأوا معجزة تكثير الخبز والسمك: “إن هذا بالحقيقة النبي الآتي العالم.” (يوحنا 6: 14).

وكما كان أنبياء العهد القديم يتنبأون حين يحل عليهم روح الرب، كذلك كانت بعض أحوال يسوع. فقد قال أمام المجتمعين في مجمع الناصرة: “روح الرب عليَّ لأنه مسحني لأبشر المساكين، أرسلني لأشفي المنكسري القلوب… إلخ” (لوقا 4: 16- 18). وفي موضع آخر نقرأ عن تلك الحالة: “وفي تلك الساعة تهلل يسوع بالروح وقال: أحمدك أيها الآب رب السماوات والأرض… إلخ” (لوقا 10: 21). وهو لم يشرع في كرازته إلا بعد حلول روح الرب عليه. وعلى حد قول يوحنا المعمدان: “قد رأيت الروح نازلاً مثل حمامة من السماء فاستقر عليه.” (يوحنا 1: 32).

إن إطلاق لقب النبي على يسوع كان له ما يبرره من وجهة نظر الذين شهدوا أعماله ومعجزاته. فهذه الأعمال كانت تنسج على غرار أعمال أنبياء العهد القديم الكبار من أمثال إيليا وإليشع، ولم تكن بالجديدة على التقوى الدينية للمنطقة. فالنبي إيليا أنزل ناراً من السماء أكلت جنود ملك السامرة (الملوك الثاني 1: 9- 11)؛ وأنزل من السماء مطراً أنهى فترة جفاف طويلة (الملوك الأول 18)؛ وعندما كان يعتزل في البرية كانت الغربان تأتي له بالطعام (الملوك الأول 17: 2- 6). وعندما أقام لدى امرأة أرملة في بلدة صرفة زمن المجاعة، كانت أوعية الدقيق والزيت تمتليء كلما نفذت. ولما مات ابن هذه الأرملة أعاده إيليا إلى الحياة (الملوك الأول 17: 10- 24)؛ وعندما أراد عبور نهر الأردن مع تلميذه إليشع، ضرب الماء بردائه فانشق ومشى الاثنان على اليابسة (الملوك الثاني 2: 7- 8). وبعد ذلك ارتفع إيليا إلى السماء مثلما ارتفع يسوع، وجاءت مركبة من نار تجرها خيول من نار فأصعدته على جناح العاصفة حياً إلى السماء (الملوك الثاني 2: 11- 12). ومن أعمال أليشع أنه جعل الحديد يطفو على سطح الماء (الملوك الثاني 6: 5- 7)؛ وزاد زيت المرأة التي توفي زوجها حديثاً حتى أنها ملأت منه كل أوعية المنزل واستعارت من الجيران أيضاً، فباعته ووفت ديون زوجها (الملوك الثاني 4: 1- 7). وعندما كان في ضيافة أسرة في بلدة شونم، مات ابنهم الوحيد فأعاده إلى الحياة (الملوك الثاني 4: 8- 37) وجاءه رجل بعشرين رغيفاً فأطعم منها مئة شخص وزاد عنهم (الملوك الثاني 4: 42- 43). وكان يشفي من المرض عن طريق غمر المريض في ماء الأردن (الملوك الثاني 5: 8- 14).

وفي الحقيقة، فإن الطابع النبوي لتعاليم يسوع يبدو لنا واضحاً منذ كرازته الأولى. فكما كان يوحنا المعمدان يكرز بقرب حلول اليوم الأخير قائلاً: “توبوا لأنه قد اقترب ملكوت الله.” (متَّى 3: 1- 2)، كذلك كانت الكرازة الأولى ليسوع: “وبعدما أُسلم يوحنا جاء يسوع إلى الجليل يكرز ببشارة ملكوت الله ويقول: لقد كمل الزمان واقترب ملكوت الله، فتوبوا وآمنوا بالإنجيل.” (مرقس 1: 14- 15). أي أنه اعتبر رسالته مكملة لرسالة يوحنا النبوية، الذي كان يُعمد من أجل التوبة ومغفرة الخطايا، ويبشر بقرب حلول ملكوت الله.

ولقد حاز ملكوت السماء والمتطلبات الأخلاقية لدخوله على القسم الأعظم من تعاليم يسوع، في الأناجيل الإزائيَّة الثلاثة متَّى ومرقس ولوقا؛ حيث ورد تعبير “ملكوت الله: أو “ملكوت السماوات” نحو ثمانين مرة، الأمر الذي أسبغ على رسالة يسوع طابعاً آخروياً طاغياً. وحتى بعد قيامته من بين الأموات، بقيت تعاليمه تدول حول هذا المفهوم، على ما نفهم من سفر أعمال الرسل الذي قال مؤلفه بأن يسوع بقي يظهر لتلاميذه مدة أربعين يوماً وهو يتكلم عن الأمور المختصة بملكوت الله (أعمال 1: 1- 3).

أخيراً، فإن لقب النبي لم يكن غائباً عن الأناجيل المنحولة التي ذكرته أكثر من مرة، ومن بينها ما ورد في إنجيل العبرانيين، الذي تداولته الشيع المسيحية- اليهودية، مثل الإبيونيين والنصارى، وهو إنجيل ضائع بقيت منه شذرات أوردها المؤلفون المسيحيون، ومنها هذه الشذرة التي تصف لحظة خروج يسوع من ماء العماد، وحلول الروح القدس عليه: “وحدث عندما خرج يسوع من الماء أن مَعين الروح القدس هبط واستقر عليه، وقال له: “أي بُني. من بين كل الأنبياء كنت أنتظر قدومك لتكون فيك مسرتي.”

(في الحلقة التالية سوف نتابع بقية الأوصاف الدالة على ناسوت يسوع، في القرآن وفي الإنجيل)

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق

Share This