خارطة الدفاع عن الحب

قيس شاب من بنى عامر أحب ابنة عمة ليلى وشبب باسمها في قصائده مما يعد نوعا من العار أو الفضيحة بعد أن جرى اسمها على كل لسان.

وعندما تقدم للزواج منها رفضت وتزوجت من غيره، من بني ثقيف يدعى وردا و قد وصفته ليلى بأنه:

فتى كنبع الصفا

لم يختلف خلقاً

ولا تلون كالفتيان ألوانا
فيطير صواب قيس ويهيم على وجهه في الصحراء يلقي القصائد ويبكى من حرقة الحب حتى الموت.

تلك هي الأحداث و الشخوص التي تتناولها مسرحية مجنون ليلى- ولكن شوقي بك أسقط الواقع الاجتماعي والثقافي لمجتمع قيس وليلي ليفسح المجال أمام الدفاع عن الحب و هو ما قصده شوقي.

فالحب قيمة عليا فوق الروابط الزوجية و القيم الثقافية – بكلام آخر الحب هو
أغلى ما في الحياة حتى لو فقد الإنسان عقله.

يتصوُر شوقي في مسرحيته الساحرة لقاء بين قيس المجنون وبين ورد زوج ليلى.

وفى هذا اللقاء العجيب و المثير للدهشة و المجاوز للقيم الثقافية و الحضارية لهذا المجتمع المتناقض، يسأل قيس وردا:

بربُك هل ضممت إليك ليلى

قبيل الصبح أو قبُلت فاها

فيرتبك ورد ويشعر بالخجل ويجيب متلعثما:

نعم و لا يا قيس

فيغضب قيس و يطلب منة التحديد:

بل لا أو نعم

فيغتاظ ورد ويجيبه بحسم:

نعم نعم قبلتها من رأسها إلى القدم

وهنا يصمت قيس ويطرق في حزن وانكسار، فينهض ورد ويأخذ بيد قيس ويربت على كتفة و يقول له في تسامح مذهل:
قيس أرى الموقف لا يجمعنا

فأنت حبيب القلب والزوج أنا

كذا تصور شوقي اللقاء بين ورد و قيس، وهو لقاء لا يمكن أن يحدث في الواقع و لا في بلاد الشمال فأين الزوج الذي يترك زوجته لحبيبها.
ولكن شوقي أراد إن يعلي من قيمة الحب ولو على حساب أية روابط أو صلات اجتماعية

و الطريف أنُ قيسا ظلُ في البيت بينما يخرج ورد فتجيء ليلي وتلتقي بقيس و هنا نرى قيسا يتحرُش بليلى ويحاول تقبيلها متجاوزا الزوج و الأعراف وكل القيم- بل يروح يحرُض ليلى على الهروب معه. لم يتحرج قيس من مغازلة ليلي في بيتها، وهو يعلم آن زوجها بالخارج.

يقول قيس:

منى النفس ليلى قربى فاك من فمي

كما لف منقاريهما غردان

فتفزع ليلي وتفر منة وتقول له في غضب:

وكيف يا قيس

ولم لا

وهنا ليلي ونقول له:

لا لا أخون له عهداً

فما حاد عن عهدي ولا خانا

وهنا ينفجر قيس ويثور ويحطم ويصرخ:

اتركيني ،بلاد الله واسعة

غدا نبدُل أحبابا وأوطانا

فتمسك ليلي بردائه وتقول في حزن:

العقل يا قيس

قيس: بل خلُي الرداء دعي

ليلي: وارحمتا لقيس عاد ما كانا

هذا الحوار المتخيل من شوقي بك يعكس حالة التعاطف بين الشاعر و الشاعر بين قيس وشوقي

فقيس يهدف ويعنى بالحب وفى الحب وبالحب ويموت في ليلي بالمعنى الفعلي حتى إنه يلفظ أنفاسه الأخيرة على قبر ليلي وهو يسأل نفسه:

طريد الحياة ألا تستريح

ألا تستقر ألا تهجع

بلى قد بلغت إلى مفزع

وليلى الخيال الذي أتبع

مشاهد افترضها الشاعر وأطلق عنان شعره في حوارات و مونولوجات جميلة. ولم يعتن شوقي بمقتضيات الدراما ومنطقية أحداثها، فالحب ألا تفهم شيئا إنه مستودع التناقضات ومرجل المشاعر، حتى إن شوقي نفسه عندما وصف الحب لم يجد له معنى فقال:

إذا سألوني ما الهوى قلت ما بيا

هذا هو الحال الذي تصوره شوقي في مسرحيته وفى حياته.

ولعل ذلك سبب لبقاء هذه المسرحية رغم مرور أكثر من ثمانين عاما على إصدارها. أنها دفاع حارُ عن الحب قدمه شوقي في مسرحيته حتى لو أغفل عن عمد كل مقتضيات الدراما التاريخية منذ أرسطو وحتى الآن
إنها تجربة إبداعية فريدة قدمها شوقي في أوائل القرن الماضي

وتظل وثيقة رائدة لحرية المبدع والتصرف في الواقع التاريخي دون قيود أو التزامات وهمية.

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق