كنيسة حرة في دولة حرة

يبدو أن عبارات :علمانية ولائكية وسَكْلرة sécularisation تعني كلها شكلا ما ودرجة ما من تحرر الفرد والجماعة من سلطة المؤسسة الدينية. هذا ما يظهر من العرض الذي تقدمه الموسوعة العلمية “الكونيّة” لتاريخ اللائكية. فقد جاء في هذه الموسوعة ما يلي:

” أحدث الفصل الثالث من إعلان حقوق الإنسان والمواطن انقلابا كاملا في الأساس النظري لسلطة الحكم حين أكّد أن “المنبع لكل سلطة حاكمة يكمن بالأساس في الأمّة، وما من أحد وما من هيكل يحق له أن يمارس سلطة لا تنبع منها “.

بعد ذلك الإعلان تأكد الاتجاه التحرري شيئا فشيئا. صحيح أنه كان هناك لكل من الطريقين الأمريكي والفرنسي نحو الحرية الدينية خصوصياته، ولكن النتيجة كانت ولا تزال واحدة : فاللائكية ” التي نتجت عن الخلاف والصراع الدينيين، هي التي مكّنت من تحقيق السّلم”
(كل الإستشهادات الواردة في هذا النص هي من نفس المصدر).

كما يظهر أيضا أن التحرر كان يسير على مستويين: المستوى الديني والمستوى التنظيمي – القانوني أعْنِي السياسي.

المستوى الديني:

— منذ القرون الوسطى كان هناك عدد من النظريات الدينية التي تؤكد على دور الشّعب وعلى الميثاق الذي يجب أن يكون بينه وبين المَلك”.

— في سنة 1801 وقّعت الكنيسة في روما معاهدة مع دولة بونابرت تمثل المستوى الأول من اللائكية”

— في سنة 1802 اعترفت الكنيسة مع الدولة بوجود أكثر من ديانة رسمية . فأصبحت كل من الكاثوليكية و البروتستانتية بشِقّيها ديانات رسمية ، ثم لحقت بها اليهودية”.

–في 1945 أعلنت المؤسّسة الكاثوليكية أنه بإمكانها قبول اللائكية”.

–عارضت الكنيسة مسيرة اللائكية لكن الإصلاح الديني المتناغم مع مسيرة الحرية الدينية بدأ فيها واستقر كواحد من مكوناتها الفكرية العقائدية”.

{{المستوى التنظيمي- القانوني}}

–في إعلان حقوق الإنسان والمواطن سنة 1789 يقول الفصل 10: “لا يُساءَل أحد بسبب آرائه حتى لو كانت تخصّ الدين ما دام التّعبير عنها لا يُخِلّ بالنظام العام.

–في 1790 فُرض على الكنيسة التنظيم المدني، وهو أن تُعيِّن الدولة مُسبقا جميع الكهنة”.

–في سنة 1791 انتهت المحاكمات بسبب الخطايا الدينية، وتم الاعتراف الصريح بحرية ممارسة الطقوس الدينية، وانتقلت ملفّات الحالة المدنية إلى أيدي الموظَّفين البَلَديّين، وتمت إقامة الزواج المدني وإمكانية الطلاق(1791)”

–في 1795 وقع التصويت على الفصل بين الكنيسة والدولة لكن تطبيقه بقي جزئيا”.

–بعد معاهدة رومة 1801 بين الكنيسة ودولة بونابرت ، وبعد ارتدادات ارتبطت بحكم “الريستوراسيون”: (1815- 1830) وحكم الإمبراطورية الثانية: (1852- 1870) عادت الإجراءات التحريرية. ففي 1882 صرح القانون بأن التعليم الابتدائي إجباري ولائكي “.

–في سنة 1886 القانون ينص على لائكية رجال التعليم . ويقوم “جول فاري” بدور رئيسي في ذالك ، وهو القائل “إن الدين ليس أساسا للأخلاق والسلوك السليم وإنما الأخلاق هي التي تمثل العنصر الصلب والثابت في كل الأديان.

–في 1905 صدر قانون الفصل بين الكنيسة والدولة الذي ينص على احترام حرية الضمير والمعتقد وحرية ممارسة الطّقوس وبالتنظيم الذاتي للأديان والاستعمال المجاني للبناءات الدينية العمومية لإقامة الطقوس الدينية… والجمهورية لا تعترف بأيّ دين ولا تسمح بأن يستفيد أيّ من الأديان بالأموال العمومية… والخدمات العمومية لا توفَّر لصالح الأديان ولا ينبغي أن تحمل أيَّ طابع ديني”.

–في 1945 يصرّح الدستور الفرنسي بأن فرنسا “جمهورية لائكية” ويقول بأن ” من واجب الدولة أن تقوم بإقامة التعليم المجاني واللائكي”” .

{{هل تمثل اللائكية استثناء فرنسيا ؟}}

تجيب الموسوعة العلمية بالقول:” ذلك الاستثناء الحقيقي ليس في الحقيقة سوى استثناء نسبيّ. و تُمثّل اللغة أوَّلَ كمين يحمل على القول بالاستثناء ، بفعل أن الكلمة فرنسية المنبع ولا تقبل الترجمة خارج اللغات اللاتينية… هذا ما يفسِّر قيام تسع دول من إفريقيا الفرنكوفونية مع تركيا وحدها بإعلان الطابع اللائكي. أما الدول التي تُعلن أنها “علمانية” ( بمعنى مسكلرة) فعددها أكبر بكثير. ”

هل تُحقق العلمانية أو “السّكْلرة” الأمريكية درجة أقل من الحرية الدينية أو من الفصل بين الدين والدولة ؟ تجيب الموسوعة عند مقارنتها للنمطين الأمريكي والفرنسي بالقول : ” عن المثال الفرنسي يتباين المثال الأمريكي الذي كان له تأثير أكبر. وإذا كان الفصل في فرنسا بالقانون فقط فهو في الولايات المتحدة من مستلزمات الدستور… إنها “نظرية الحائط” بين الكنيسة والدولة… لقد فرّ المستوطنون الأوروبيون والبريطانيون من بلدانهم كي يجدوا الحرية الدينية في أمريكا “.

{{أين نحن من الحريةالدينية؟}}

–لا يوجد فصل بين المؤسسة الدينية والدولة ولا توجد حدود واضحة للمؤسسة الدينية في بلدنا.

–تقوم الدولة بتمويل المؤسسة الدينية و نشر المسلَّمات الدينية عبر مؤسسات التعليم والإعلام وتكافح لأجل مذهب إسلامي دون غيره متجاهلة المذاهب والنظريات الأكثر اقترابا من العقلانية.

لأجل هذا قد يلزمنا:

1- إصلاح التعليم بحيث يتعلّم الطلاب تاريخ الأديان ويدرسون الفلسفة بكامل فروعها. وقد يكون من الضروري منع كل خرّيجي المعاهد الدينية وأصحاب المذهبية الدينية من تدريس مواد الفلسفة وتاريخ الأديان. كما قد يكون من الأصلح توجيههم للاشتغال داخل المؤسسة الدينية كي لا يواصلوا شحن مذاهبهم داخل مؤسّسات التعليم.

2- التوقّف عن أو الحدّ من تمويل المؤسّسة الدينية مُقابل إعطاءها استقلاليتها.

3- إصلاح ديني يتحقق داخل الفكر الديني: يَقبَل بالنقطتين السابقتين ويتأكد بواسطتهما.

هذه مقترحات أوّلية من أجل حرية الإنسان وحرية كل من الدولة والمؤسسة الدينية ومن أجل المنع من السقوط في مستنقع الطائفية.

إن حرية التفكير والمعتقد التي تُكرّسها اللائكية والعلمانية هي التي تضمن وحدها حرية الإيمان وحق الإنسان في اختيار دينه ومذهبه الديني. أمّا الدولة الدينية فكانت وما زالت الوجه الملازم للاستبداد والطائفية. وكانت وما زالت تُنتج عبر مؤسّساتها التعليمية، عِوضا عن الإنسان الحر، إنسانا موجَّها حسب مذهب محدَّد من دين محدَّد ومهيّأ ليصير رقما في طائفة.

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق