الثقافة العربية وفقر الفضاء الرمزي المحيط بها

“الواقعي نفسه وتمثيلاته الإثنوغرافية والاجتماعية إنما هي أوهام، على الرغم من كونها قوية إلى درجة لا نشعر بها كأوهام، بل كحقيقة”.

لم تعد عبارة من نوع عبارة آفري غوردون السابقة فريدة من نوعها أو تثير الدهشة، وباتت فكرة النظر إلى الواقعي على أنه رمزيّ أيضاً متداولة على نطاق واسع، حتى إن باحثاً اجتماعياً مثل بيير بورديو ذهب إلى أن عالم الفن هو الساحة الأفضل لإنكار الاجتماعي. وإذا استثنينا ما يؤسس لهذه الفكرة، أي لا وجود للواقع بذاته بقدر ما هو موجود بفعل الخبرة الشخصية لكلّ منا، فإن المؤدّى الآخر للفكرة هو النظر إلى الواقع كواقع رمزيّ آخر يشابه الفضاء الرمزي للثقافة، وإن كان يمتلك وجوداً حسياً أقوى. ومثل هذه الفكرة ليست ممكنة إلا في مجتمع اتسع فيه الفضاء الرمزي إلى حدّ يضاهي فيه الواقعي، ولربما يصحّ أيضاً القول إن الإنتاج الرمزي تضخّم، واختلط بالواقعي، فامحت الحدود بينهما، حتى إن كلمة الواقع لم تعد دالّة ما لم تقرن بالمعنيّ به كأن نقول: الواقع الواقعي، أو الواقع الرمزي، أو الواقع الافتراضي. ومن نافل القول إن الاصطلاحات السابقة تعبّر عن التطور الثقافي في المجتمعات الغربية، أما صداها الذي يُسمَع في الثقافة العربية فما يزال ضعيفاً، وأسيرَ نخب هامشية.

الواقع في المجتمعات العربية هو الواقع الواقعي، بكلّ فظاظته، وثقله، وفقره، ولم يتمكن الحقل الثقافي العربي إلى الآن من إنتاج واقع رمزي يزاحم الواقعي ويزحزحه. فهل العلّة في الثقافة العربية؟ أم هي في المجتمعات العربية التي لا تقبل الخروج عمّا ألفتْه؟ ومن ثم أيجوز الفصل النهائي بين الاثنين؟ أم أن الحقل الثقافي، في ذروة استقلاله، لا يخلو من البعد التمثيلي للمجتمع؟

ما يحمل دلالات عميقة على هذا الصعيد أن النص الرمزي العربي الأوسع تأثيراً هو النص الديني، ومن المعلوم أن الأساطير، ومن ثم النصوص الدينية، قد انبثقت أولاً من علاقة الإنسان بالطبيعة وتساؤلاته حولها. وعلى العكس من ذلك كلما ابتعد الإنسان عن الطبيعة اتجه إلى إنتاج فضاء رمزي مغاير وجديد، حتى إن البعض يذهب إلى القول إن الإنسان “المنتصب” عرف المجاز بسبب ابتعاد رأسه عن الأرض، ويذهب البعض الآخر إلى وصف الفنون بأنها دين العصر. ولعله من المفيد أن نأخذ بالحسبان ما يقدّمه لنا المثال الغربي الناجز، فالنهضة الصناعية الأوربية، بدءاً من القرنين السادس والسابع عشر، ترافقت بنهضة ثقافية شاملة، أي أن عملية الرسملة كانت تُنجز على كافة الأصعدة. ومن المفيد أن نقرأ أثر الرأسمالية على الثقافة، من خلال دورها الحاسم في الانتقال إلى “الرمزي”، فالإنتاج الرأسمالي بدّل في النظرة إلى مفهوم السلعة، إذ لم تعد السلعة هي ما تنتجه الطبيعة ويتم استهلاكه مباشرة، أو بعد تصنيع بسيط. النقلة الأساسية للرأسمالية هي في إنتاج سلع لم تكن موجودة أصلاً، وخلق حاجات جديدة تفترق عن الحاجات الأساسية باستمرار. لم تعد المدن حواضر للطبقة الأرستقراطية ومراكز للحرفيين وتبادل السلع البسيطة، فثمة افتراق أكبر للمدينة المعاصرة “الرأسمالية” هو تحولها إلى مركز لإنتاج وتداول السلع الرمزية، ووفق هذا المعيار تُقاس مدنيّة المدينة بمقدار ما يتم إنتاجه وتداوله من السلع الرمزية المتنوعة من الصناعي إلى الثقافي. هنا تتحقق “طبيعة ثانية” ينتجها أفراد المجتمع، وتصبح الحرية الفردية شرطاً وجودياً لتحقيقها، ومن ثم فإن الديمقراطية هي الصيغة الأمثل لإحلال التوازن بين الفعاليات المتصارعة مع الحفاظ على إنتاجيتها.

لم يكن من باب المصادفة أن تتزامن مع ذلك نقلتان في الحقل الثقافي هما: استقلالية هذا الحقل، وتالياً الانقلاب في مفاهيمه. فقبل الرأسمالية كان المثقف خاضعاً لشروط الإقطاعيات التي يعيش في كنفها ورعايتها، وكثير من الأعمال الثقافية كانت تُنتج بطلب من الطبقة الأرستقراطية، وفرض نمط الحياة الطبيعي نفسه، إذ مالت هذه الأعمال إلى المحاكاة أو التبشير. مع الرأسمالية تخلّص المثقف من هيمنة مَن يرعاه ويدفع له مباشرة، وهذا ما يفسّر كون الأعمال المضادة أتت في تلك المرحلة. وعلى سبيل المثال كان الانتقال من التصوير إلى التجريد في الفن وليد استقلالية الفنان وانصرافه إل البحث التشكيلي واللوني، بدلاً من الارتهان لما هو واقعي بصيغته المباشرة. وعلى الرغم من أن المثقف خسر الرعاية السابقة إلا أنه كسب مجتمعاً أكثر تقبّلاً لما هو رمزي، وكأي منتِج أصبح يعوّل على خلق حاجات مستجدّة لدى مستهلكيه.

بالقياس على ما سبق يبدو حال الثقافة العربية موافقاً لحال مجتمعاتها، فالمجتمعات العربية ما تزال تعتمد على ما هو طبيعي، وأهم ثرواتها إطلاقاً هي الموارد الطبيعية “النفط وغيره من الموارد الباطنية”. وعندما نتحدث عن اقتصاد ريعي من هذا النوع فالصراع بطبيعته يتحول إلى محاولات الهيمنة على الموارد الموجودة، هو صراع مستهلكين لا تنافس منتِجين على اجتذاب المستهلك. لم يصل استهلاك السلع الرمزية في المجتمعات العربية إلى مرتبة متقدمة، بوجود شريحة واسعة من الأميين أو من الذين يسعون وراء الكفاية فقط، وهذا يعكس حقيقة أن المجتمعات العربية لم تدخل عصر الرسملة بعد، وبقيت حصتها من الإنتاج الرمزي العالمي متواضعة جداً كما حصتها من استهلاكه، ولهذا أيضاً حافظتْ على حضور أكبر للنصّ الرمزي الديني. ومع أن تطوراً واضحاً طرأ على استهلاك السلع الرمزية، المستوردة طبعاً، إلا أن التصورات السائدة بُنيت على إمكانية استيراد السلعة بمعزل عن الثقافة التي أنتجتها، وكأن القصد هو الإبقاء على موقع المستهلِك، والإبقاء على المجتمعات العربية بمثابة ريف للغرب “المديني”. ومن المستغرب في هذا السياق أن يتم ّ تقبّل كافة المنتجات الغربية النهائية باستثناء الفكرية منها، فيُتّهم حينها المثقفون بالتغريب والابتعاد عن المجتمع، ويُمنع عنهم حتى أن يكونوا مستهلكين أسوة بغيرهم!. ومن الجدير بالإشارة أن هذه النظرة ترى في الثقافة تعبيراً عن إيديولوجيا ما، بينما الانشغال الثقافي المعاصر ينصبّ على الأعمال التي تدفع بالمتلقي إلى توليد وجهات النظر، لا تبنيها بالمطلق.

ما يُبنى على ما سبق هو: إلى أي حدّ يستطيع الحقل الثقافي العربي أن يكون مستقلاً ومنتِجاً؟ وكيف يمكن لهذا الحقل أن يكون فريداً فيتقدم بمعزل عن الحقول الأخرى؟ تضع التساؤلات السابقة، وغيرها مما يمكن إضافته، الحقل الثقافي العربي أمام تحدّ، فهو مطالب بإنجاز “رأسماليته الخاصة” في غياب للفضاء الرمزي العام، والحقّ إن ما يُقال عن نخبوية المثقف العربي، أو هامشيته، لا ينبع من نخبويته أو هامشيته في الحقل الثقافي كما هو الحال في الثقافة الغربية، بل من انفصاله عن المجتمع، وهو انفصال أُرغم عليه أكثر مما اختاره. ما يزال المثقف العربي يظهر على أنه في تضادّ مع مجتمعه عند إثارة قضايا إيديولوجية بعينها، من دون الوصول إلى القطيعة الابستمولوجية الضرورية لإنتاج أعمال مضادة في الحقل الثقافي. وبتعبير آخر ما يزال المثقف العربي يسعي إلى كسر التابو الاجتماعي المتوارث، ولم يصل إلى كسر التابو الذي يصنعه بنفسه.

تقع الثقافة العربية، كما المجتمعات العربية، في أسر تجاذبات عديدة ومتناقضة، وهذه المماثلة لا تبغي إقامة ربط ميكانيكي بين الحقل الثقافي والحقل الثقافي الاجتماعي، أو عدّ الثقافي انعكاساً مباشراً للاجتماعي، وإذا كنا لا نغفل الأواصر التي تربط بين الاثنين فعلينا ألا نغفل الأواصر التي تربط الحقل الثقافي العربي بالحقول الثقافية العالمية. وهذه الأخيرة كانت الرافعة للتساؤلات النهضوية العربية التي طبعت القرن المنصرم، وقد أصبحت تمثّل تحدياً مباشراً للحقل الثقافي العربي، مع دخول عصر العولمة، إذا أراد المثقف العربي أن تكون له حصة في الفضاء الرمزي الكوني، وأية خطوة في هذا الاتجاه ستعمّق من الفجوة بينه وبين مجتمعه، فهو لن يكون حاضراً هنا وهناك ما لم تردم المجتمعات العربية الهوة التي تفصلها عن المعايير الإنتاجية للعصر. بالطبع هذا لا يعفي الحقل الثقافي من المساءلة، والواقع أنه سيبقى حتى إشعار آخر تحت المساءلة من جهتين: الواقع الواقعي الذي يمسك به، والفضاء الرمزي الذي يشدّه إليه.

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق

Share This