أسوة غوانتانامو “الحسنة”؟!

شكا مقدم البرنامج الشهير إلى ضيفه المسؤول العربي الكبير، رداءة الخدمات التي رآها بعينه في بلد الضيف، وكثرة شكاوى الناس الذين صادفوه في الشارع وطلبوا منه إيصال صوتهم إلى المسؤولين وكأنه “المخلص”- وهذا يعني أن خدمة ” الاتصالات والبريد الشعبي” أيضا رديئة- ثم سأل الإعلامي بدهاء ممزوج بالدسم: متى ستزيلون “المعابر”؟ فابتسم الضيف ابتسامة “بلا حدود” ووصف الشكاوى بأنها فردية في الوقت الذي كانت قنوات فضائية عدة تنقل صور قطارات الطوابير وسوء الخدمات الأساسية في البلد التي اختصرت فيه رداءة خدمات “النار” في كلمة “كازوت”! ويعتقد علماء الاستبداد وفقهاؤه أن احد أسباب إدامة الاستبداد هي إشغال الرعية بلقمة العيش لكننا نعتقد أنها إحدى صفاتها اللازمة.

الأغرب من الجواب الطريف أن الضيف تهرب إلى الأمام من سؤال الخدمات بالحديث عن الشرعية والانتخابات والدفاع عن العروبة والإسلام! لم يكن الضيف معنيا بمقولة غوبلز ووصيته الشهيرة عن “فضيلة الكذب” في ترسيخ السلطان، فالمسؤول العربي لا يهمه جمال كذبته ولا أهمية عناصر الإقناع فيها، و قد قيل لكرومويل أن تسعة من أصل عشرة يكرهونك – بسبب الكذب قبل البطش- فقال: لا يهم مادام العاشر وحده مسلحا. قبل سنة كان زميل له، ضيفا في البرنامج نفسه، يجيب عن سؤال تردي حقوق الإنسان في بلده فلم ينكرها وأجاب جوابا “معقولا” وهو : أن دول الجوار كلها تمارس التعذيب، بل إن داعية حقوق الإنسان” أمريكا” تمارس التعذيب المنهجي.

في حديث الضيف الأول خطأ منطقي يسميه المناطقة “محاكمة رجل القش”، سنضرب عنه صفحا لأنه لا يستحق الفحص أما في الثاني فخطأ قياسي. وسنقف عنده لأنه يستخدم ذريعة ممتازة للإساءة لحقوق الإنسان في بلاد العرب المقاومة والمناضلة على وجه الخصوص.

لنقارن بين معتقلات “ارض النبوات” ومهد الديانات العربية ومعتقلات أمريكا “ارض الميعاد “سابقا عند اكتشافها. فأمريكا، بوازع القانون وحس الدولة، بنت معتقلها الشهير في ارض كوبية مستأجرة أو مشتراة ولم تجرؤ على بنائها على أرضها “الجميلة” خشية الملاحقة القانونية مستقبلا مع أنها لا تصف أرضها بالقدسية الدينية كما نبالغ نحن، وبالرغم من قدسية شعار محاربة الإرهاب الذي تتذرع به أمريكا إلى درجة شن الحرب واحتلال بلدين. الأمر الثاني أن كل المعتقلين في غوانتانامو هم من غير دين أمريكا الرسمي، ومن غير “أقوامها”، فالأمريكي الوحيد المسلم الأشقر الذي ضبط متلبسا بالإرهاب في شعاب” تورا بورا” تم إسعافه إلى مصحات أمريكا النفسية ليعالج من مرض الإرهاب! ولم يحاكم من أجل توهين روح الأمة الأمريكية أو الاتصال بالخارج الإرهابي فضلا عن المشاركة في القتال إلى جانبهم! في حين أن معتقلي العرب وبلاد المسلمين هم عرب ومسلمون وغالبا ما يعتقلون بسبب حرفين هما: لا، وإذا ما ضبط غربي بتهمة إرهاب أو تجسس، أو بالجرم المشهود، تم إسعافه إلى بلاده الأصلية ليعالج “نفسيا؟! الغريب الثالث أن أمريكا تفضل أن يتم التعذيب على أيدي أبناء الجلدة (لا يقصد بها الضرب بالسوط) ليس لإيمانها بقول عدي بن زيد: “وظلم ذوي القربى..” بل لخبرة ذوي القربى في فنون التعذيب الأشد مضاضة وطرق استخراج البترول من باطن الإنسان بالحسام المهند، فأمريكا لا تفضل تلويث يديها بدمنا عن قرب، و هي بذلك تكسب فضيلة أخرى، ومثال “ماهر عرار” من أشهر الأمثلة وأحدثها. الغريب الرابع هو أن الدول العربية الصامدة أو المقاومة هي أكثر البلاد العربية انتهاكا لحقوق “مواطنيها” بل وتشغل إعلامها ليل نهار في ذمّ معتقلات إسرائيل، وتنسى أن إسرائيل “الديمقراطية بالنسبة لمواطنيها الدينيين” لا تعتقل إسرائيليا واحد عقوبة على رأيه، فكل المعتقلين في معتقلاتها هم من العرب مثل الدول العربية حذو الهراوة بالهراوة.

وإذا كانت أمريكا التي توصف في دول المقاومة “بالامبريالية الشرسة”، حتى لم يبق من التعبير سوى العظام النخرة لكثرة استخدامه، قد أطلقت اسم أهم اختراعاتها على أسماء القبائل الهندية الضحية، فإن العرب يسمون المعتقلات التي تأسر فيها معارضيها بأسماء تراثية مجيدة أو مقدسة حرام أو شعبية سائدة مثل: معتقل فلسطين أو معتقل القدس أو معتقل تدمر أو سجن أبو زعبل أما غوانتانامو “المسكينة” النائية فقد وصفها احد الوعاظ، تعقيبا على تعيين واعظ أمريكي مسلم مؤذنا: لقد علا فيها صوت الله اكبر وغدت أرضا مباركة. و نضيف: و ربما لزم أن نضيفها إلى قائمة الأراضي الواجب تحريرها واسم الغزوة الافتراضي هو غزوة غوانتانامو؟

—-

{{كاتب سوري مقيم في السويد}}

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق

Share This