العالم الإسلامي على مفترق طرق…

من حسن حظ المثقفين العرب المقيمين في فرنسا أو عموم أوروبا أنهم يستطيعون أن يناقشوا المسائل الدينية بكل حرية على عكس مثقفي الداخل الذين يخشون على وظائفهم أو حتى أنفسهم إذا ما سوَّلت لهم أن يقتربوا من القضايا الساخنة أكثر مما يجب. نعم إنها لنعمة أن تعيش في جنة الحداثة أو ما بعد الحداثة على الرغم من بعض التطرفات أو الانحرافات التي قد تطرأ على فهم الحرية أو ممارستها هنا أو هناك. ونقصد بذلك الإباحية بالطبع وسوء استخدام الحرية. ولكن زيادة الحرية على الرغم من مخاطرها أفضل بكثير من نقصها أو حتى انعدامها. فأنت تستطيع أن تتحاشى الانحرافات إذا شئت ولكن لا تستطيع أن تنجو من القمع أو الحجْر على حرية الفكر والضمير، والنشر والتعبير.

أقول هذا الكلام بعد أن اطلعت في الآونة الأخيرة على مناقشات أو مؤلفات كوكبة من المجددين العرب والمسلمين المقيمين في فرنسا من أمثال عبد الوهاب المؤدب، أو فتحي بن سلامة، أو مالك شبل، أو رشيد بن زين، أو يوسف الصديق، أو عبد النور بيدار… وهذا الأخير ما كنت أعرف عنه شيئاً حتى قرأت له مقالة مهمة في مجلة “إسبري” الفرنسية المعروفة. وكلمة إسبري بالفرنسية تعني الروح أو الفكر وهي عموماً تمثل تياراً يحاول المصالحة بين المسيحية والحداثة تحت اسم: الفلسفة الشخصانية المسيحية. ولكنها مفتوحة بالطبع لكل تيارات الفكر الأخرى بما فيها الخارجة عن المسيحية أو الدين ككل. وهنا تكمن عظمتها أو أهميتها.

في الواقع إن عبد النور بيدار هو مثقف إسلامي يعلم الفلسفة في ثانويات فرنسا أو مدارسها العليا. وكان قد اشتهر مؤخراً بعد أن نشر كتاباً بعنوان: من أجل إسلام يليق بعصرنا. وهو يحاول التوفيق بين الإسلام والحداثة عن طريق بلورة فهم آخر لرسالة الإسلام: أي فهم عقلاني ذي وجه مشرق وإنساني. ويرى هذا المثقف الشاب أن على المسلمين أن يستقبلوا الحداثة دون خوف أو تردد وخاصة في قيمها الإسلامية: كالحرية، والمساواة، والتسامح، وعدم استغلال الدين لغايات انتهازية أو سياسية، وقبول التعددية الروحية الدينية، والاعتراف بحق الآخر في الاختلاف العقائدي دون أن نكفِّره أو نعتدي عليه، الخ…

ولكن لا نستطيع التوصل إلى هذا الفهم الجديد للإسلام إلا بعد أن نقوم بعملية تفكيك هائلة للمفاهيم والتصورات والعادات المتحجرة الموروثة عن الماضي والتي أصبحت كالعبء الذي يثقل كاهلنا ويحول بيننا وبين الانخراط في العالم المعاصر كبقية الشعوب والأمم المتحضرة.

والفكرة الجديدة عند هذا المثقف الشاب هي أنه لا يعتبر الحداثة إنجازات صناعية أو تكنولوجية فقط وإنما هي حدث روحي كبير وخطير في تاريخ البشرية. وبالتالي فعلى جميع التراثات الدينية أن تضع نفسها على محك هذا الحدث كي تغتني به وتخرج من قوقعتها وانغلاقها على نفسها وتعصبها الإجباري. وهذا ما فعلته المسيحية في أوروبا وأدى ذلك إلى توليد ما يدعونه هنا بالمسيحية الليبرالية أو التنويرية العقلانية. وهذا ما لم يحصل في الإسلام حتى الآن ولذلك فإن العالم الإسلامي يعيش أزمة حادة لم يشهد لها مثيلاً من قبل ويقف على مفترق طرق. فإما أن يغرق في مستنقع التعصب الأصولي الراديكالي المعادي للحداثة جملة وتفصيلاً كما تفعل القاعدة وأشباهها وإما أن ينفتح على الإنجازات الفلسفية للعالم الحديث ويقبل بالغربلة والتمحيص، والأخذ والرد، قبل أن يتوصل أخيراً إلى صيغة ناجعة للمصالحة بين الإسلام والحداثة.

والواقع أن العالم الإسلامي، وليس فقط العربي، يبدو الآن وكأنه ينتظر حدثاً جديداً لا يعرف أحد ماهيته بالضبط. فالأمور سوف تنبلج عن شيء ما بعد كل هذا الاحتقان التاريخي والانفجار الحاصل حالياً. أو قل بأن الانفجار ناتج عن الاحتقان. ولكن إذا كنا لا نستطيع أن نعرف ماهية هذا الحدث السعيد فإنه يمكننا أن نتكهن بملامحه وتباشيره الدالة على ولادة وعي إسلامي جديد أو فكر آخر في السنوات القادمة. الكل يدعو إلى تجديد برامج التعليم بما في ذلك آخر قمة عربية انعقدت في الرياض. والكل يدعو إلى الإصلاح وتقديم صورة أخرى عن ديننا الحنيف بمن فيهم طيب رجب أردوغان في تلك القمة العتيدة بالذات. ولكن لا أحد يقول لنا كيف سيحصل ذلك بالضبط. وهذه هي مهمة المثقفين أو المفكرين العرب والمسلمين. فالقادة السياسيون يعطون الإشارات الكبرى أو الخط العام لمسيرة التطور، أما الدخول في التفاصيل والتنفيذ فمن شأن مفكري هذه الأمة.

وهنا نلاحظ وجود اختلاف كبير بين الخط الذي يقترحه عبد النور بيدار وذاك الذي يصر عليه طارق رمضان. فالأول ينتقد الثاني بشدة مبتدئاً بطرح الأسئلة التالية: لماذا لم يستطع طارق رمضان أن يتحول إلى مدرسة فكرية في أوروبا؟ لماذا خفت صوته أخيراً وانحسر؟ لماذا لم يستطع أن يفرض نفسه بشكل دائم وراسخ بعد كل ذلك النجاح الإعلامي الصارخ الذي حققه في السنوات الماضية لدى عدد كبير من المسلمين الأوروبيين وليس فقط الفرنسيين؟

قبل أن يجيب على هذه الأسئلة يقول عبد النور بيدار بأنه لا يهدف إطلاقاً إلى تشويه صورة الرجل أو المشاركة في تلك الحملة الإعلامية الظالمة التي تعرض لها من قبل بعض الأوساط المعادية المعروفة. فهناك فرق بين خطابه المعتدل نسبياً وبين خطب دعاة الجهل والحقد على الحضارة الغربية في بعض الجوامع أو الكهوف والزوايا المظلمة..

ولكن على الرغم من ذلك فإن طارق رمضان ليس حلاً ولا مستقبلاَ. لماذا؟ لأن فكره مضاد للعصر ولمعظم القيم الحديثة التي بلورتها أوروبا بعد جهد جهيد على مدار القرون الأربعة الأخيرة من تاريخها. وهي القيم التي فصلت بين المقدس والعنف أو منعت استخدام المقدس الديني لتبرير العنف والإرهاب ومحاكم التفتيش واغتيال المفكرين والعلماء. إنها القيم التي تقول بأن الدين لله والوطن للجميع والتي فصلت بين الكنيسة والدولة. ولذلك بإمكانك في أوروبا الحالية أن تجمع بين العقل والإيمان، أو بين القيم الإسلامية والقيم الأوروبية إذا شئت، وبإمكانك ألا تجمع. بإمكانك أن تؤمن وتمارس الشعائر والطقوس وبإمكانك ألا تؤمن وألا تمارس أي طقوس أو شعائر على الإطلاق دون أن يضغط عليك أحد أو يهددك أو ينظر إليك شزرا. وكل هذا بفضل الحداثة التي وفرت للناس هنا في أوروبا جو الحرية الفكرية لأول مرة في تاريخ البشرية. وهذا ما لم يفهمه طارق رمضان أو قل ما لم يعطه حقه من الأهمية والاعتبار. هنا تكمن نقيصته الكبرى على الرغم من ذكائه وألمعيته وقوة حضوره الشخصي. فهو لا يزال تقليدياً في أعماقه ويولي للتراث القديم سلطة مطلقة ويحتقر ضمنياً أو صراحة أكبر منجزات الحداثة وفتوحاتها. وهذا هو موقف جميع الأصوليين من كل الأديان، ولكن أصوليته ناعمة، مهذبة، ذات قفازات مخملية، على عكس بعض الجهلة المتطرفين.

إنه كمفكري الإسلام في القرون الوسطى، أو مفكري المسيحية، لا يستخدم العقل إلا كتابع للنقل أو كخادم ذليل للإيمان والتصورات الفقهية التقليدية التي عفى عليها الزمن ولكنه يعتبرها أبدية خالدة وتخرج عن نطاق المناقشة العقلانية أو حتى تعلو عليها…وبالتالي فما الفرق بينه وبين أي شيخ جامع يعيش في مصر أو الباكستان؟ وماذا استفاد من إقامته في جنيف مدينة جان جاك روسو وعاصمة الحداثة الأوروبية والحضارة البشرية؟

ثم يردف عبد النور بيدار قائلاً: إن طارق رمضان بدهائه المشهور لا يستخدم القيم الأوروبية أو لا يتظاهر باعتناقها إلا لكي يعكسها ضد نفسها ويبطل مفعولها! هل تريدون أمثلة على ذلك؟ إليكم بعضها: فهو لا يستخدم حرية الاعتقاد والضمير التي تنص عليها كل الدساتير الأوروبية إلا لمطالبة السلطات هنا بتشريع الحجاب، والفصل بين الجنسين، والالتزام بالطقوس والشعائر التقليدية، ورفض تعليم التلامذة المسلمين نظرية التطور مثلاً أو بعض الأفكار الحديثة الخارجة على المنظور التقليدي. ولكن ماذا نفعل مع المسلمين الكثيرين الآخرين الذين يريدون التحرر من هذه الأشياء القمعية أو الذين يفهمون الدين بطريقة مختلفة؟ هل تنطبق عليهم حرية الاعتقاد والضمير أم لا؟ هذا ما لا يجيبنا عليه السيد طارق رمضان لأنه يفهم الحرية في اتجاه واحد فقط لا في اتجاهين. وبالتالي فهو يلغي مفعولها ويفرِّغها من محتواها ومضمونها. وعندما سألوه عن المقالة التي نشرها أخوه هاني رمضان في إحدى الجرائد السويسرية وأيد فيها تطبيق حد الرجم على المرأة المخطئة أجابهم: لا أشاطره أفكاره من هذه الناحية ولكني ضد من يمنعه من التعبير عن أفكاره! لاحظ هذا الجواب الثعلبي. فظاهريا يبدو طارق رمضان وكأنه يدافع عن إحدى أهم القيم الأوروبية: حرية التعبير. ولكنه عمليا يقضي عليها أو يحولها إلى عكسها عندما يطالب بان تمنح لألد أعدائها من أجل تنفيذ حكم الإعدام بامرأة عن طريق رميها بالحجارة عن بعد كما يفعل الطالبان..هذا هو مفهوم السيد طارق رمضان لحرية التعبير أو حق الاختلاف! ومعلوم أن فلاسفة فرنسا اليساريين ركزوا كثيرا في ستينات القرن الماضي وسبعيناته على حق الاختلاف وطالبوا باحترامه دون أن يعوا انه سوف يستخدم من قبل الأصوليين يوما ما للدفاع عن مواقف رجعية قروسطية. ولذلك انتفض ماكس غالو قائلا: لقد أصموا آذاننا بحق الاختلاف! فأنت يحق لك أن ترفض العلمانية بحجة حق الاختلاف. ويحق لك أن تضرب زوجتك باسم حق الاختلاف. ويحق لك أن تدافع عن الحجاب وتعدد الزوجات باسم حق الاختلاف!

نستخلص من كل ذلك أن هموم طارق رمضان هي هموم رجل دين تقليدي لا هموم مثقف بالمعنى الحديث للكلمة. فهو يرفض جوهر الحداثة بصفتها حدثا روحيا وفكريا وإنسانيا لا مثيل له في تاريخ البشرية. كما يرفض تطبيق المناهج التاريخية والنقدية الحديثة على التراث الإسلامي كما فعل فلاسفة أوروبا بالنسبة للمسيحية بحجة انه يعلو على الدراسة العلمية ولا يخضع لها على عكس التراثات الدينية الأخرى. فتراث الإسلام بالنسبة له كله إلهي على عكس المسيحية المحرفة أو المزورة.. نقول ذلك على رغم أنه يحرص على تقديم نفسه باستمرار كمثقف إسلامي معاصر! ولكن أين هي المعاصرة، وأين هي الحداثة في كلامه؟ إنها ليست إلا قشرة سطحية تغطّي بالكاد على شخصية الأصولي القديم المفعم باليقينيات المطلقة والمغلقة. ثم يختتم عبد النور بيدار كلامه قائلاً: يكفي أن تقرأ كتابه: مسلمو الغرب ومستقبل الإسلام لكي تكتشف أنه ليس إلا عبارة عن فهم هزيل ومضحك لتاريخ الحداثة الأوروبية. ففيه يعبر عن عجز معظم المسلمين، عجزا عنيدا ومتواصلا على مدار القرون، عن الاستخدام الحر للعقل البشري وعدم الاعتراف باستقلالية الوعي والضمير الإنساني. فهو يستخدم المحاجات العقلانية بكل براعة فقط من أجل إلغاء العقل وتثبيت العقيدة القديمة أو البرهنة على صحتها! وبالتالي فالعقل البشري بالنسبة له ليس إلا خادما ذليلا لعلم اللاهوت المسيحي أو علم أصول الدين الإسلامي تماما كما كان عليه الحال إبان القرون الوسطى. لهذا السبب لا يمكن لطارق رمضان أن يكون قدوة للمسلمين الأوروبيين المحاطين بالحداثة الفكرية والاجتماعية والسياسية من كل الجهات…

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق