علم الكلام:مشكلة التوسط بين المتعالي والعالم الحسي

لا يمكن الفصل بين الإشكاليات المعرفية التي دار حولها “علم الكلام” وبين الانقسام السياسي الذي أصاب المسلمين في معركة صفين، بل يمكن القول بأن الكثير من تلك الإشكاليات كانت جواباً على السؤال الذي طرحه الخوارج: “من هو المؤمن؟”، والذين أرادوا من خلاله تكفير طرفي الصراع.
هنا، قدم “شيعة آل البيت” جوابهم الخاص على ذلك السؤال، فيما قام مبدأ “أهل السنَة والجماعة” على إرجاء الحكم والإمساك عنه، وترك ذلك لله، مع ميل إلى عدم تكفير أحد وإنما إلى وضع الجميع تحت مظلة الاسلام.

يلفت النظر، هنا، أن تأسيس علم الكلام، بالمعنى المعرفي، قد انبنى على “الإرجاء” الذي يقول أبو البقاء الكفوي في كتابه “الكليات” (ج2، ص173، وزارة الثقافة، دمشق 1982) بأن أصحابه هم “في تعريف المتكلمين يسمون المُجبِرة، وفي التعارف الشرعي المرجئة”.

كان واضع بذرة علم الكلام، أي جهم بن صفوان (ت 128 هـ)، تلميذاً للخارجي المعتدل عبد الله بن أباض (ت 86 هـ) الذي قال، بالتضاد مع الأزارقة الخوارج الذين قالوا بتكفير المسلمين الآخرين، بأن استطاعة وفعل الإنسان كلاهما مخلوقان من الله وفق تقدير مسبق وضمن وجهة محددة ومسار معين، وأن الإنسان لا يملك من إرادته شيئاً، بخلاف قول الأزارقة الذين انبنى تكفيرهم للمسلمين الآخرين على قولهم بحرية الإرادة، وهذا ما جعل ابن أباض ينحو إلى اعتبار مرتكب “الكبيرة” غير مشرك، بل كافر نعمة.

على طريق ابن أباض، طرح جهم نظريته في خلق الله ﻠ”الفعل” الإنساني، بخيره وشره، بوصفه جوابا على التكفير الخارجي. وهذا ما أدى به إلى نفي حرية الإنسان الذي هو ليس مسؤولاً عن أفعاله، حيث أن الخير والشر مقدران من الله، و لا دخل للعبد في تقريرهما.

والملفت للنظر هو نفيه لصفات الله، واعتباره غير قابل للإدراك والتصور الإنساني الذي لا يمكن أن يحيط به، الشيء الذي جعله ينفي تشبيهه أو تجسيمه، رغم وجود كثير من الآيات القرآنية التي توحي بذلك، حيث نراه يرفض “خلّة” إبراهيم و”تكليم” موسى، وكذلك إمكانية “رؤية” الله في الآخرة.

إننا إذا ما نظرنا إلى هذه المحاولة الفكرية، في ضوء ما آل إليه الوضع بين “المُنزهين” المعتزلة في صراعهم مع الجبريين الأشاعرة الذين أكدوا “الصفات”، فلن نفهم أسس تفكير جهم ودوافعه العميقة، وسنتهمه بالتناقض الذاتي.

فهو يريد تحقيق أمرين: التبرئة الإنسانية والتنائي الإلهي. وربما كان ثمن الأولى هو حصول الثاني كأمر لا مفر منه في هذه المنظومة الفكرية التي يُسيرها الألم والحتمية.

فتصور جهم للنظام الكوني، المحكوم بالحتمية، هو الذي يفسر عقلانيته، ولكن تلك العقلانية التي لا تستطيع شيئا سوى المعرفة وفهم آلية ونواظم الكون، لا تغييره. لهذا كان “الإيمان” عنده هو “المعرفة”، ولا يحدده ولا ينقص أو يزيد العمل منه.

وهنا، نجد أن تنائي الذات الإلهية سيؤدي إلى الفصل بينها وبين وسائطها (= الكلمة) التي تقدمها للإنسان. حيث نجد أن نظرية جهم حول “خلق الفعل” قد أدت به إلى القول بـ”خلق القرآن”، الذي كان أول من قال به ابن أباض في تاريخ الإسلام. مما يعني أن تلك الوسائط ليست من الذات و إنما تعبير عنها. وهذا تأكيد لتباعد الذات الإلهية عن الأرض، لا اقتراباً منها، ولذلك لم يكن مستغربا، في النهاية، أن يقول أصحاب تلك النظرية، كما نرى عند بعض المعتزلة، إن نظم القرآن ليس بمعجز [أبو موسى المردار (ت 226 ﻫ) وإبراهيم النظَام (160 – 231 ﻫ)].

ولكن مشكلة إضافة الشر إلى الله، هي التي جعلت غيلان الدمشقي (ت عام 111 ﻫ)، يقرر مساحة معينة من حرية الإرادة للإنسان، وهذا ما جعله مفترقا عن جهم صاحب “الجبرية الخالصة”، الشيء الذي تابعه تلميذ غيلان، أي واصل بن عطاء (80-131 ﻫ) مؤسس مذهب المعتزلة، الذي أراد استخدام تلك المساحة لتأكيد نظريته حول “تفسيق” أحد الطرفين في “الجمل” و “صفين”.

لذلك كانت مشكلة “التنزيه” عند واصل، مختلفة عما كانت عليه عند جهم. وهي، هنا، ناتجة عن نظريته حول امتناع إضافة الشر إلى الله، وإتيانه من قبل الإنسان، المالك والمفوض بالاختيار بين الشر والخير، حيث أن الأخير هو مقدر تحديدا من الله. وهذا ما يفسر إصرار المعتزلة على لقب “أهل العدل والتوحيد نظرا لقولهم بـ”الامتناع”، و”التنزيه” عن الصفات وتأكيدهم على ذات الله الوحدانية .

ﻔـ”تنزيه” واصل هدفه هو تأكيد الجانب الشرير في الإنسان، وتعالي الله عن هذا المحيط “الدنس”، وتنائيه، وتنزهه عنه. من هنا، يجب أن نفهم أساس تبنيه لنظرية “خلق القرآن”، حيث لا يمكن لتلك “الذات المتعالية” أن ترسل جزءا من ذاتها إلى ذلك المحيط، ولكن يمكن أن تبعث بتعبير عنها، هو “الكلمة” التي هي مخلوقة شأنها شأن المرسلة إليهم.
ألا يذكرنا ذلك بالمانوية ؟

رغم “رسالة الرد على الزنادقة” التي وضعها واصل ضد المانوية، إلا أننا نجده يقيم ثنائية بين “المتعالي” الذي هو الخير في ذاته، وبين الإنسان الذي يأتي الشر منه. صحيح أنه مريد ومختار وعقله مفوض ومالك القدرة على التمييز بين الخير والشر، إلا أن مذهب واصل بن عطاء ونظريته في “تفسيق” صاحب الكبيرة إلى درجة أنه يخرجه من محيط الإيمان ولو ليس إلى درجة وضعه في الكفر، توحي، وإن ضمنا، بأن هذا العقل، عندما ينزع إلى الشر، فهذا تعبير عن الطبيعة البشرية، والله هو خارج الدائرة، هنا. كما نجد أن نظريته حول “خلق القرآن” لا تختلف عن مفهوم الأفلاطونية الحديثة والمانوية ﻠ”الإله الخالق – الصانع” الذي خلقه “المتعالي” كوسيط ومدبِر للعالم الحسي، كي لا يتلوث به من خلال الاحتكاك معه، حيث نرى ابتداء من فيلون الإسكندراني (20 ق.م- 50 م)، ميلا إلى جعل “الكلمة” هي ذاك “الإله الخالق – الصانع”، والتي تتوسط “المتعالي” و”العالم الحسي”.

إلا أن مفهوم المعتزلة عن الله يؤدي، من خلال تنزيهه عن “الصفات”، إلى تعطيل فعاليته، وإلى تحويله إلى “إله سلبي”، الأمر الذي نراه عند المانوية في مفهومها حول “المتعالي”، وهذا ما أدى بالتنزيه لأن يقود بعض المعتزلة للوصول إلى شكل “الإله السلبي” كما عند معمر بن عباد السلمي [ ت 220 ﻫ ]، الذي اقترب من الشيعة.

في هذا الإطار، يلفت النظر عدم انشغال الشيعة بمسألة “التنزيه” و”الصفات”، حيث نرى ترافق مفهوم “الإمام”، كتوسط، مع تنائي الله وتحوله إلى اللاموصوف: فما دامت “الفعالية” محصورة في الإمام، فوظيفته وطبيعته هي محور الاهتمام، لذلك، كان التركيز، هنا، محصورا حول اعتباره تجسيدا وحاملا للنور الإلهي في ذاته البشرية، كما يقول “الإمامية” الذين مالوا إلى نظرية التنزيه المعتزلية، أو كونه هو الله في ذاته الطبيعية المعطاة، كما قالت “الغُلاة”. حيث يلاحظ ميل الأخيرين إلى تصويره في شكل إنسان، كما يقول المغيرة بن سعيد البجلي (قتل عام 119 ﻫ)، أو كما اعتبره بيان التميمي (قتل عام 119 ﻫ) في صورة إنسان، وأنه يهلك كله، إلا وجهه، الأمر الذي تابعه الإمامي هشام بن الحكم (ت193 هـ)، وهو تلميذ الإمام جعفر الصادق، من خلال قوله بأن الله جسد وأنه له نفس الحواس الخمسة.

لهذا كان من غير المستغرب تتلمذ المعتزلي النظَّام على ابن الحكم القائل بالتجسيم، لأن الموضوع الأساسي، ليس كما يظن بعض الباحثين المعاصرين بأنه تنزيه أو صفاتية، وإنما هو مفهوم “التوسط”، الذي أدى بهما إلى القول بـ”قِدَم العالم” من خلال رفضهما لنظرية “الجزء الذي لا يتجزأ”، حيث يلاحظ بأن تعطيل النظَّام لله من خلال جعله مختصا بـ”الأمر” فقط، وليس بالتدبير، قد كان مترافقاً مع ذلك. كما أن انعدام “الفعالية” التي أسبغها على الله هو الذي جعله يرفض “الجزء الذي لا يتجزأ، وهذا منطقي، حيث نرى خاله أبا الهذيل العلاّف (130 – 226 ﻫ) قد حلَّ مشكلة “التعطيل” من خلال قوله “بالجزء الذي لا يتجزأ”: فهو، كجزء، من خلال انعدام امتلاكه للامتداد، محدود وقابل للإحاطة، أي متناه. وبالتالي، فالعالم مؤلف من “ذرات” قابلة للعد والتحديد من قبل الله، ويفصل بينها “الخلاء”، والواصل الوحيد بينها هو “علم الله” و”تقديره”. وهذا ما أدى منطقيا، في النهاية عند الأشاعرة المتأثرين بنظرية العلاف، إلى فكرة “الخلق المستمر لأعراض هذه الذرات (= الاجسام، أو الأجزاء، أو الجوهر الفرد) باعتبار أن الأعراض لا تبقى زمانين، أي تفنى في اللحظة التالية لحال وجودها، مما يعني بأن الله عندما يتوقف عن خلق الأعراض فهذا سيؤدي إلى انتقال ذاك “الجوهر” إلى العدم. وقد أدى ذلك، أيضا، بالمعتزلي العلاّف إلى نفي “قِدم العالم” وإلى “تناهيه”، إلا أن هذا، وكعاقبة منطقية أيضا، قد أدى به إلى رفض فكرة “الطبع” و”السببية” وإلى نظريته في “التجويز” التي لا تجعل، حتميا، أن يؤدي تماس النار والقطن، مثلا، إلى الاحتراق، إذا أراد الله منع ذلك، وهذا ما أوقعه في القول بـ”الخوارق”: الشيء الذي يفسر الإنسجام العميق بين الأشاعرة /الذين تابعوا نظرية العلاف حول التجويز/ والتصوف فيما بعد.

يلاحظ، هنا، بأن “التنزيه” قد قاد عملياً إلى “الثنائية” وليس إلى “التوحيد”، حيث أدى إلى “التوسط”، التي كانت عند المعتزلة هي “الكلمة المخلوقة”، والتي قالوا بأنها “القرآن”. كما أن الثنائية كانت تعني دائما “تعالي” الله وانعدام تدخله في العالم إلا عبر “التوسطات”. وهذا يعني “التعطيل” ووجود نوع من الإستقلالية للعالم المادي والطبيعي، وبالتالي، للأشياء والموجودات، مما يؤدي منطقيا إلى القول بأزلية هذا العالم وقِدمه، الشيء الذي نراه عند الأفلاطونية الحديثة والمانوية وعند ابن الحكم والنظّام.

إلا أن هذه الثنائية تؤدي إلى جعل الكون من طابقين: المتعالي والمادة، كما هو حال “التوسط” الذي يمثله “الإمام”: فهو نور إلهي وجسم طبيعي، لذلك فقد كان من المنطقي أن يؤدي “توسط الكلمة”، أي القول بـ”خلق القرآن”، إلى التلاقي مع التوسط الذي يمثله “الإمام”، الشيء الذي رأيناه من خلال الاقتراب التدريجي للمعتزلة من الشيعة ابتدءاً من أبي علي الجبائي (235 – 303 ﻫ ) وابنه أبي هاشم (ت 321 ﻫ)، حتى تتوج ذلك من خلال مزج المذهبين على يدي فقيه الشيعة الشيخ المفيد (338 – 410 ﻫ)

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق

Share This