أن تتصرّف المرأة في جسدها!!

قد يُسيء البعض فهم القول بحريّة المرأة في التصّرف في جسدها. يكاد يتّفق في ذلك- على حدّ سواء – المتنوّرون الحداثيون )و أشباههم( و المحافظون المتشدّدون )و أشباههم(. لِيُتّهم كلّ من يقول بهذا الحقّ أو بهذه الحريّة، و قد يُكفّر، و قد يُتّهم بأنّه يدعو إلى الفسق و إلى الحريّة الجنسيّة و إلى المتاجرة بالجسد و بهبته.

زمن وهْب أجساد النساء و تقديمهنَ هدايا قد ولّى…..

و عصْر الحريم قد ولّى…..

و عهْد التسريّ قد ولّى…..

ومن البداهة القول بحريّة تصرّف المرأة في جسدها. و لكن هذه الحريّة لا تعني الحريّة الجنسيّة بالضرورة و لا تعني ” أن تهب المرأة جسدها لمن تريد…” كما يعتقد بعضهم، أو كما يوهم به بعض الّذين يحسبون أنّ الإنسان ليس بمقدوره، بأيّ حال من الأحوال، أن يتخلّص من إسار عاداته و أعرافه و تقاليده و إرثه الضخم. ذلك الإرث المكبّل له و المانع له من كلّ محاولة تفّكر و تفكير، أو نقد

و جلد للذات، و إن حاول الخروج عن الطوق داهمه شبح التكفير.

ما نراه و نريد التنبيه إليه هو سذاجة هذا الفهم و بساطته و تشويهه لبداهة هذه الحريّة: حريّة المرأة في جسدها و في التصرّف في جسدها، هذه الحريّة الّتي تتشابك و حريّات أخرى ذات صلة: حقّ المرأة في أن تمتلك جسدها و تُخلّصه من وصاية الآخر عليه و عليها: الرّجل، العائلة، الأمّة، الدولة، السياسة، الدّين، الأيديولوجيا، الأدب، الشعر، الفنّ، الإعلام، الإشهار…

فمن نافلة القول إنّ جسد المرأة جسد إنسانيّ من طين و ليس من نار أو نور، فليس بجسد شيطانيّ و ليس بجسد ملائكيّ.
جسد فيه رغبات و شهوات، كما فيه عقل قد يعقله و يكبح جماح الغريزة فيه.

جسد المرأة ليس جسدا يسكنه شيطان مارد لا يمكن أن يقوده أو يلجمه غير الرّجل: ذلك الآخر الّذي يستطيع ترويض الرغبة في جسد المرأة بحبسها في الفضاء الداخليّ، و بالحدّ من أسباب اختلاطها بالجنس الآخر، و بتحجيبها
و” تنقيبها” و بتشويه جمال جسدها و طمس معالم الأنوثة فيه حتّى لا يثير أو يثار.

فللمرأة مطلق الحريّة على جسدها، إن شاءت حجّبته و إن شاءت أسفرت عنه إن كان التّحجّب يعدّ حقيقة فعلا حرّا !!!
ما نودّ التأكيد عليه في هذا الإطار: كيف يمكن أن يُفهم حقّ المرأة في التصّرف في جسدها و في امتلاكه على أنّه دعوة إلى المتاجرة بأجساد النّساء ؟! و كيف يمكن أن نعتبر وهب المرأة جسدها لمن تشاء حريّة ؟!

ألا يتنافى ذلك و القول بإنسانيّة المرأة ؟؟ ألا يتنافى ذلك و مطلب أنسنة جسد المرأة الّذي يرنو إليه كلّ معتقدٍ في شرعات حقوق الإنسان ؟؟

أنسنة جسد المرأة عندنا هو الحدّ من شيطنته و تخليصه من لاوعي جمعيّ يختزله إلى مجرّد موضوع جنسيّ، كما يعني الحدّ من تضخيم البعد الجنسيّ فيه الغالب على بقيّة الأبعاد الأخرى ، لاسيّما البعد الإنسانيّ.

من البداهة القول إنّ المرأة إنسان- ذات و ليست موضوعا جنسيّا، و ليست موضوع متعويّا، و ليست وسيلة استمناء…
فكيف يمكن القول بحريّة المرأة بامتلاك جسدها ،و القول بأن تهبه إلى من تريد أو تُتاجر به ،في آن معا ؟؟

ألا يعني ذلك إهانة لجسد المرأة و مسّا بكرامتها و حدّا من إنسانيّتها و تدليلا على أنّها مجرّد شهوة و موضوع جنسيّ يتهافت على تلبية شهواته؟

جسد المرأة ليس شعارا، ولا هو لافتة، و ليس خطابا سياسيّا أو إيديولوجيّا أو دينيّا أو إعلامياّ أو إشهارياّ أو تجارياّ.
جسد المرأة ليس بضاعة تشترى و تباع، و ليس هبة توهب و لا هديّة تهدى.

و من أوجه تصرّف المرأة الحرّ في جسدها كما نراه: أن لا تسمح بقطع أجزاء من أعضائها الجنسيّة كما يقع في بعض الدول العربيّة الإسلاميّة الّتي ترى في ذلك فرضا أو سنّة أو مكرمة الغاية القصوى منها الحدّ من شهوة المرأة رهبة من أن تدفعها شهوتها إلى تلويث شرف العشيرة.

أن تتصرّف المرأة في جسدها يعني أن تقف في وجه من يسعون إلى تحجيبه و تقزيمه و تشويهه.

أن تتصرّف المرأة في جسدها بحريّة: أن لا تسمح باغتصابها داخل مؤسّسة الزواج و خارجها.

و غير خاف ما قد يحدث من اغتصاب بين الأزواج، فبعض الأزواج يأخذون زوجاتهم كرها بحجّة أنّ من واجب المرأة تجاه زوجها أن تطيعه جنسياّ، و إن لم ترغب بذلك، و إن لم تفعل لعنتها الملائكة حتّى تصبح. فمن واجب المرأة حسب هذا الاعتقاد أن تطيع زوجها في رغباته الجنسيّة لأنّ جسدها ليس ملكا لها. بل ملك ذلك الرّجل الّذي اشتراه في سوق الّزواج و دفع مهرا للتّمتّع به.

أن تكون المرأة حرّة في التّصرّف في جسدها يعني أن لا تقبل أن يبيعها الأب أو العائلة إلى زوج غنيّ لا تريده هي، بل تريده العائلة. ألا تكون المرأة ساعتها بضاعة، و جسدها سلعة تهبه العائلة إلى من يدفع أكثر؟ هل هذه هي العادات
و التقاليد و الأعراف الّتي يجب احترامها و التّمسّك بها فلا نقفز عليها أو نتجاوزها ؟

أليس جسد المرأة ما يكسب شرفا للرّجل أو ينفيه؟ ألا يعني ذلك أنّها لا تمتلك جسدها ؟ ألا يعني ذلك منعها من أن تتصرّف في جسدها وفق رغباتها لأنّها لا تمتلك شرفها في ذاتها بل تُكسبه للآخر الرّجل ؟

نظنّ أنّ أنسنة جسد المرأة هو الرهان الأخطر و الأهمّ المنوط بعهدة أيّ خطاب حداثيّ مهتمّ بحقوق الإنسان بشقيه: المرأة و الرجل على حدّ سواء.

و من البديهيّ أن تمتلك المرأة جسدها و تقوده بنفسها و تتصرّف فيه بنفسها دون وصاية من أفراد أو جماعات أو مؤسّسات.

أن تتصرّف المرأة في جسدها بحريّة: أن تتمرّد على متخيّل يراها ماكينة إنجاب و حافظة أنساب، فلها الخيار بين الأمومة و عدمها. و من حقّها الإجهاض، و من حقّها أن تختار عدد أطفالها، و من حقّها أن تتمرّد على متخيّل يفضّل المرأة الولود المكثرة من عدد أمّة متباهى بها بين بقيّة الأمم و مفضّلة على بقيّة الشعوب.

الحريّة في امتلاك الجسد و التّصرّف فيه بحريّة يعني التّمرّد على ذلك المتخيّل الضخم الّذي يضع لها شروطا و قواعد و أحكاما ترسم طرائق تعاملها مع جسدها.

و كتب التّراث تعجّ بالأحكام الّتي تحدّد طرائق المرأة الفضلى في التّزيّن و التّطيّب، و أخرى ترسم شروطا للباسها، و أخرى تمنعها من قصّ شعرها أو نتف شعر حاجبيها أو تجميل أسنانها، و أخرى تمنعها من الخروج إلى الحمام للاحتفاء بجمال جسدها.

و الأحاديث المرفوعة إلى الرسول و الّتي تحدّ من حريّة المرأة في التّصرّف في جسدها كثيرة. و منها قوله: ” لعن الله النّامصة و المتنمّصة” و ” لعن الله الواشمات و المستوشمات و النامصات و المتنمّصات و المتفلّجات للحسن و المغيّرات لخلق الله”.

و في هذا الإطار يُروى “عن أسماء قالت: جاءت امرأة إلى النّبيّ صلى الله عليه و سلّم فقالت: يا رسول الله إنّ لي ابنة عريسا أصابتها حصبة، فتمزّق شعرها أفأصله ؟ فقال صلّى الله عليه و سلّم: ” لعن الله الواصلة والمستوصلة””
( انظر على سبيل المثال في موقع www.alshamsi.net).

و في ما يتعلّق بضبط شروطٍ للباس المرأة يُرفع إلى الرسول حديث يقول : ” صنفان من أهل النّار لم أرهما: قوم معهم سياط كأذناب البقر يضربون بها النّاس، و نساء كاسيات عاريات، مميلات مائلات رؤوسهنّ كأسنمة البخت المائلة لا يدخلن الجنّة و لا يجدن ريحها و إنّ ريحها ليوجد من مسيرة كذا و كذا” ( رواه مسلم).

و الطريف في الأمر أنّ الحجاب أيضا وُضعت له شروط منها أساسا: أن يكون سميكا فضفاضا غير شفّاف و غير معطّر و لا يشبه لباس الكفّار و لا لباس الرّجال و أن لا يكون جميلا أو لباس شهرة و أن لا يكون زينة في ذاته و إلاّ أضحى تبرّجا أشبه بالسفور.

إذن الوشم حرام و النمص حرام و الفلج حرام و وصل الشعر حرام و التّزيّن لغير الزوج حرام و التّبرّج حرام و كلّ ما تأتيه المرأة من أفعال على جسدها حرام.

أ لا يكون- بعد ذلك- مطلب المرأة بأحقيّتها على جسدها مشروعا و بداهة القول بحريّة تصرّفها في جسدها ؟ أيجوز أن تُفهم هذه الحريّة على أنّها دعوة لأن تهب المرأة جسدها لمن تشاء ؟

بماذا نفسّر ما تتعرّض إليه المرأة من تحرّشات جنسيّة ؟ ألا يعني ذلك أنّها لا تملك جسدها و أنّه ملك للآخر؟
فهذا المتحرّش يرى في جسدها موضوعا ملقى أمامه، له أن يتغزّل به وأن يعبث به و أن يغتصبه و أن يلوك أعضاءه بألفاظ جنسيّة تفضح مكبوتاته و رغباته، كما تكشف عن تصوّراته اللاواعية عن المرأة و عن جسدها، و عن عدم اكتراثه بالأبعاد الأخرى لصاحبة ذلك الجسد.

و ما الّذي يقف وراء ما يسمّى بجرائم الشرف من تصوّرات عن المرأة ؟ ألا تعني الاعتقاد بأنّ المرأة رمز لشرف الرّجل قد تهدّده بما يمكن أن تأتيه من علاقات جنسيّة.

ألا يكون بعد ذلك من البداهة القول بحقّ المرأة في استرداد جسدها و امتلاكه و قيادته ؟؟

فجسد المرأة ليس حمّال رموز و ليس حمّال شعارات و ليس حمّال خطابات، و ليس حافظ خصوصيّات أو هويّات.
قد لا نكن من المبالغين لو اعتبرنا أنّ مسيرة نضال المرأة كانت –و ما زالت- محاولة لاسترداد جسدها المسروق منها و المستلب عنها.

لا يمكن القبول بأن تكون المرأة مجرّد موضوع شهوة، يقع استغلاله لاستدرار شهوات الرّجال و استدرار أموالهم.
و لا يمكن القبول باستغلال المرأة لترويج البضائع أو السلع ، أو القبول بأن يكون جسد المرأة حمّال بضائع أو سلع، أو أن يكون جسدها سلعة تُعرض على الفضائيات أو المجلاّت لإعلاء الجانب الجنسيّ و طمس الجانب الإنسانيّ
و اختزال المرأة في البعد الجنسيّ لا تنفكّ منه.

عهد الجواري قد أفل، و زمن العبوديّة قد ولّى…

و الطريف في الأمر أنّ الإسلام لم يكن يرى في الأمة أو الجارية زانية إذا تسرّى بها سيّدها و تمتّع بها.

و يحقّ للرجل المسلم التّسرّي بما شاء من الإماء و الجواري علاوة على زوجاته الأربع.

و من المعلوم أنّ تجارة الإماء و الجواري كانت لها أسواق نافقة مستشرية ذائعة الصيت، حيث كان النساء يبعن و يشترين في سوق الرقيق، كما كنَ يقسّمن كغنائم في الفتوحات الإسلاميّة، و كان الخلفاء و السلاطين يتهادون الجواري و يهبنهنّ و يؤجّرنهنّ.

عصر الحريم قد ولّى ولا نريد عودته و إن كان مازال يبسط سلطانه في عمق المتخيّل الإسلاميّ الجمعيّ. و لا تزال عقليّة التسريّ كامنة و موجودة بالقوّة و واقعا.

أليست مؤسّسة تعدّد الزوجات المتواصلة إلى حدّ الآن في أغلب الدول الإسلاميّة مواصلة لذهنيّة الحريم و التّسريّ؟

أليست أنواع الزيجات المختلفة و المتكاثرة يوما بعد يوم من زواج عرفيّ و زواج متعة و زواج مسيار و زواج سياحيّ تواصلا لعقليّة التّسرّي و امتدادا لعصر الحريم؟ أليس من البداهة القول بأنّها لا تعدو أن تكون “تحليلا” للدعارة و شرعنة لأنواع من الدعارة و متاجرة بأجساد النّساء باستغلال الدّين لتوفير مساحات أكبر من الحريّات الجنسيّة للرجل و استغلالا أكبر للمرأة كموضوع جنسيّ ؟

هل نكون بعد ذلك من الداعين لأن تهب المرأة جسدها و تتاجر به و تنتهك معيشه و تهين كرامته ؟

ما نصبو إليه حقّا هو أنسنة جسد المرأة بأن تمتلكه و تقوده بنفسها و تتصرّف فيه بحريّة دون وصاية…

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق

Share This