هل دخلنا مرحلة اصطناع الحياة ؟ فريق علمي أمريكي يصطنع أول جينوم بكتيري- ترجمة محمد صدام

 

ترجمة: محمد صدام


يضع عالم الجينات “كرايغ فانتر” لبنة بعد لبنة أسس (تركيب) حياة اصطناعية. و قد نشر الموقع الإلكتروني للمجلة العلمية (  Science) يوم الخميس 24 جانفي 2008 الوصف المتعلق بالتركيب الكيميائي و بالاستنساخ الكامل لجينوم إحدى البكتيريات (Mycoplasma genitalium) الذي قام به هذا العالم الأمريكي مع فريقه. هذا العمل الفذ مكـّن “كرايغ فانتر” من الاقتراب قليلا من هدفه المعلن، إذ أن هذا العالم قد قدّم في ربيع 2007 مطلبا لبراءة اختراع من أجل خلق بكتيريا اصطناعية (Mycoplasma laboratorium) بأمل أن تصبح ذات يوم “معملا كيميا/حيويا” – مصغرا- ينتج الدهيد الخلي (éthanol ’l) و الهيدروجين.

هذا المشروع ليس من الطوباوية في شيء رغم أن العديد مراحله ما زالت تنتظر الإنجاز. وقد توصّل “كرايغ فانتر” في سنة 2003 – بمعاضدة المُحْرز على جائزة نوبل للطب لسنة 1978 (Hamilton Smith ) من استحداث فيروس وظيفي هو (Phix 174 ). و لكن ليست كل جُسيْمة فيروسية – بالمعنى الكامل- حيوية ، لأنه يتحتم عليها – كي تعيد إنتاج نفسها – أن تستغل الدواليب الحيوية للخلايا التي تجتاحها. والحامض النووي (ADN) الدائري للفيروس المستحدث لا يتكوّن إلا من 5386 زوجا قاعديا(paires de base)، تلك الوحدات الأساسية التي تهيكل هذا الحامض. أما جينوم بكتيريا (Mycoplasma  genitalium) المعروفة ببساطتها  فهي لا تحتوي على اقل من 582970 زوجا قاعديا.

و في حد ذاته، يعتبر تركيب هذه الجزيئية التي تمثل أكبر جزيئية صنعتها يدا إنسان عملا فنيا باهرا. يُحيّي “فيليب مارليار” من مرصد الجينوم بـ”أفري”)  (Génoscope d’Evryهذا الحدث قائلا إنه “يساوي تجميع 37 مليون ذرّة من الكربون و الهيدروجين والأكسيجين و الأزوت  و الفوسفور و وصْلها بعضها ببعض بطريقة فريدة. لكننا لم نتعدّ بعد المرحلة الرمزية الصعبة التي تتمثل في تفعيل هذا الجينوم الإصطناعي داخل خلية بكتيرية “.

و لغاية تركيب هذا الجينوم الذي تم التعرّف على سلسلة مقاطعه، قسّم الباحثون « بمعهد فانتر » (بروكفيل مارلند) العملية إلى خمس مراحل. فحدّدوا ثم أعدّوا في مرحلة أولى 101 حصّة من الحامض النووي (ADN) تتقاطع جزئيا بين بعضها البعض. وفي أنبوب الاختبار وصّلوا أطراف هذه الحصص ثلاثة بثلاثة ليحصُلوا على أثمان (جمع ثـُمن) الجينوم ثم زاوجوا هذه الأثمان ليحصلوا على أرباع الجينوم ، و كان هذا الحامض النووي مستنسخا أي منتجا في نسخ عديدة بواسطة الآليات الخلوية لبكتيريا الإشريكية القولونية (Escherichia coli) (جرثومة الأمعاء الغليظة).

إثر ذلك، و نظرا للتداخل المحتمل مع جينوم الإشريكية القولونية ونظرا أيضا لحجم جزيئيات الحامض النووي الكبيرة وقع إسناد عملية التجميع إلى خميرة السُّكَيراء الجِعَوِيَّة ( Saccharomyces cerevisiae) التي استطاعت أن تربط بين أرباع ثم بين أنصاف الجينوم المهيأة، متمّمة هكذا عملية التركيب.

و للتأكد الفعلي من الطابع الاصطناعي للنتيجة النهائية، استعمل فريق « معهد فانتر » أجزاء من الحامض النووي (ADN) لتلعب دور العلامة. و من جهة أخرى  و لكي يجعل بكتيريا(Mycoplasma  genitalium) غير ضارة أزال هذا الفريق جينة الالتصاق المتواجدة في خلايا الثدييات.

و تتمثل المرحلة المقبلة في ترحيل الجينوم الاصطناعي داخل غشاء البكتيريا من أجل التأكد من قابليته للحياة. و في جوان 2007 أعلن “كرايغ فانتر” لمجلة (Science) أنه توصّل إلى ازدراع جينوم بكتيريا (Mycoplasma mycoides) بأكمله داخل إحدى قريباتها (Mycoplasma capricolum). و قد نجحت جيدا عملية التطعيم و لم يبق إلا القيام بنفس التدليل بالنسبة للجينوم الإصطناعي.

يلاحظ “أنطوان دانشان” مدير قسم الجينوم و علم الوراثة بمعهد باستور بباريس “أن التعامل مع مثل ذاك الحامض النووي من شأنه أن يخلق إشكالية” فهو– كما يفسّر هذا الخبير- يشكل فعلا جزيئية في شكل لولب مبروم تلتف حول نفسها. و تؤثر درجة التفافه في الالتواء العام (لهذه الجزيئية)، الأمر الذي قد تكون له انعكاسات على مسألة اكتظاظ الجينوم داخل الخلية و لكن أيضا على قدرة الجينات عن التعبير عن وجودها على وجه صحيح. غير أن هذا الجينوم الاصطناعي تم استنساخه داخل خميرة تختلف بيئتها كثيرا عن بيئة البكتيريا.

إن الفتحة الجديدة التي أحدثها “معهد فانتر” تزيد من واقعية المخاوف التي عبر عنها بعض الباحثين في ما يتعلق بـ”تتـْلية” (séquençage) العوامل المُمْرضة. و قد سبق لـ”أنطوان دانشان” أن عبّر عن قلقه عند نشر جينوم فيروس الجدري (la variole) الذي تم القضاء عليه منذ سنة 1977 ، مصرّحا ” أن الأعمال التي قام بها “فانتر” تثبت أنه أصبح بالإمكان تقنيا أن نعيد إحياء (أو تركيب) هذا الجينوم انطلاقا من متتاليته العمومية
(sa séquence publique).

فحتى إذا ما بقيت هناك مراحل عديدة من الضروري قطعها قبل التمكن من إحياء هذا الفيروس القاتل – الذي يحتوي حامضه النووي على 180 000 زوجا قاعديا – فإن التلويح بالتهديد لأغراض إرهابية أصبح منذ الآن أمرا قابلا للتصديق. فالسلط التي رفضت أن تبيد آخر الكميات المخزونة من(فيروس) الجدري في الولايات المتحدة وفي روسيا و لم تتورع عن فك رموز حامضه النووي (ADN) قبل فوات الأوان لم يبق أمامها من خيار لمواجهة هذا الفيروس سوى المحافظة على كميات التلاقيح المخزونة و تجديدها.

ووعيا منه بأن البيولوجيا الاصطناعية تثير مسائل أخلاقية و أمنية، فقد بادر “كرايغ فانتر” بتكوين مجموعة تفكير انتهت في أكتوبر 2007 إلى نشر تقرير حول “الحكامة في علم الجينوم الاصطناعي”. تقترح هذه الوثيقة استراتجيات لمراقبة أنشطة المخابر و تشير أن التركيب الاصطناعي لجينوم الجدري سوف يكون صعبا لكنه غير مستحيل.

—————————————–

*نشر هذا المقال بصحيفة “لو مند” الفرنسية بتاريخ 26 جانفي 200

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق