ثلاثة وجوه لبغداد تأملات في حفريات غالب هلسا بخصوص المستقبل

{{على سبيل المقدمة :}}

لا أكتمكم أن ردود الأفعال- السلبية في معظمها- التي أثارتها الرواية داخل الطيف الواسع للمعارضة العراقية المقيمة آنذاك في دمشق- أوائل الثمانينات من القرن الماضي – كانت دافعي للكتابة عن هذه الرواية. ذلك أن شجاعة نقد العمارة العراقية لا هذا الطابق أو ذاك فيها، هو الذي كدس في مواجهتها كل هذه الخصومة. إلا أن الجرأة لم تكن على حساب المهارات الفنية والفكرية كما درجت عليه العادة في الأعمال الأدبية الراديكالية..

أجد بعد مرور أكثر من عقد ونصف على كتابة هذه القراءة وأكثر من عقدين على صدور الرواية في طبعتها الأولى، أن المجريات العراقية تسوق البرهان تلو البرهان على أن لغالب هلسا بصيرة زرقاء اليمامة..

—-

يكتسي الغوص في عالم غالب هلسا الروائي، طابع المغامرة الشخصية..فهناك في الأعماق تتلوى أحلام اليقظة لديه كما تتلوى تلك الكائنات البحرية الغريبة متفلتة، خائفة ومخيفة أمام كاميرا جاك كوستو..أما على السطح ،حيث ينتظر القراء، فتتشابك المشاعر- فوق تلك النقطة من السطح التي سينبثق منها الناقد عائدا بما التقطه – كعوسج من النوايا السيئة ..

بداية فإن روايته- ثلاث وجوه لبغداد – إسفنجة تقطر بما تشربه غالب أثناء إقامته في بغداد ، من الكابوس الذي أمسك بخناقها، فوصل نهار سكانها بليلهم. فإذا الحياة اليومية حلم يقظة مريع يمدد له بنجاح كل صباح..

هي ليست المرة الأولى التي تتناول فيها الرواية العربية المعمار السياسي العربي بعد المرحلة الكولونيالية..قبل غالب تمددت الرواية العربية بهذا الاتجاه كثيرا..ما يميز محاولة غالب نجاحه في كشف وحدة النسيج المعماري للطوابق: السياسية والثقافية والاجتماعية..الخ التي تتراكب فوق بعضها البعض مكونة العمارة العربية الراهنة..فالدكتاتورية ليست عفنا على السطح متى جرى قشه ورميه ظهر الماء الزلال..

يقدم غالب هلسا (حالة طازجة ) مبتعدا ما أمكن عن النزعة السياحية المهتمة بتقديم الغريب والمدهش ، والمحكومة بالميل للمبالغة والخفة والتطريز..ويتحول في بغداد كما أسلفنا إلى إسفنجه تتشرب ما حولها حتى الثمالة .لتعيد ضخه على الورق، بمشتركاته العربية-الإسلامية، وتمايزاته الوطنية والبيئية..فإذا الطعم والرائحة العراقيان يعومان كالضباب الصباحي فوق المحيط العربي – الإسلامي ..

إلا أن (تكنيك ) أحلام اليقظة الذي يسحب نفسه على معظم نتاج غالب هلسا الروائي، يكتسي في روايته هذه مزيدا من المشروعية الفنية. إذ يستمد من لا معقولية الذي يجري لامعقوليته . بمعنى أن الطابع الفنتازي لأحلام اليقظة بالنسبة لفنتازيا الذي يجري في بغداد صدام حسين يشبه( طنجرة لاقت غطاءها) .

ولا أذكر الآن من شّبه الروائي ( بمرآة تسير على الطريق ).. و رغم ما في هذا التوصيف من مبالغة تلغي التخوم بين الفن كإعادة صياغة للوجود، و بين العلم و ما توصل إليه من تقنيات تزيد من إمكانيات رؤية الوجود بموضوعية. إلا أن ( المبالغة ) تشير بإصبعها إلى صلات القربى التي يجب أن تشد العمل الفني إلى الواقع كيفما حلا له أن يتمظهر . غير أنني أود أن أحور قليلاً في التوصيف السابق، ليصبح ( الروائي يشبه مرآة ملونة تسير على الطريق ).و اللون هنا الذي يصبح من نسيج الصورة هو نكهة الروائي الخاصة. هو الطعم الذي يتخلف على شفتي القارئ و يدفعه للقول منتشياً: أوه…. يا للمذاق …

ما أصِر عليه هو أن غالب هلسا الروائي هو غالب المسكون بأحلام اليقظة. في سلسلة مقالاته المعنونة ( أدباء علموني أدباء عرفتهم ) المنشورة تباعاً في جريدة الثورة السورية، يعترف غالب بأنه مذ كان في المدرسة الداخلية، كان يستيقظ قبل كل زملائه ليسجل أحلامه، و كان يضيف لها بعضاً من رغباته الخاصة. أي أن رغباته كانت تضيق بذاك الإطار الذي يسمونه النوم ، فتتمدد خارجه صانعة عالما أكثر قدرة على احتواء الغنى العجيب لتجربة تود أن تسجل نفسها على الورق قبل أن يلفها النسيان . و عند هذه النقطة يتقاطع مشروع غالب الروائي مع الوظيفة الرئيسية للأدب ( تقديم شهادة عن عصر ) .

و لكن كيف للفنان أن يحتفظ داخل وثيقته التاريخية بتلك الجرعة اللازمة من المتعة التي تميز نفسها عن أي نص وثائقي آخر ؟

ليس هناك غير ما أبدعته الطبيعة أثناء محاولتها التأنق أمام عين الإنسان: التلوين و النحت. ففي مواجهة السطوح تلجأ الطبيعة إلى التلوين. و في مواجهة الأحجام تلجأ إلى النحت . و هي كثيرا ما تمزج بين التقنيتين .

كيف يتصرف غالب هلسا حيال اللغة و هي لا تملك قواما مادياً ؟

تبدو أحلام اليقظة كما لو أنها استخدام لتقنية النحت. بينما تشبع الصور البيانية رغبة غالب في التلوين.

تتوالد أحلام اليقظة ، و تتشعب بحياة موارة على طريقة تلك الشعب المرجانية التي ترفع عنها الغطاء كاميرا ( جاك كوستو ) . لكنها تبدو كاستجابة فنية لحاجة مبدع يود أن يحشو على نحو جميل ذاك الغلاف من القطيفة المزركشة لوسادة بالكوابيس .

أو لكأن أحلام اليقظة إطار للوحة تنعقد فيما بينهما نفس الصلات التي تربط الجن والعفاريت بالكهوف المظلمة ..يتغلغل غالب بين طيات السيكولوجية الجمعية لاجتماع تعود النوم بعين مفتوحة استعدادا لاستيقاظ الضغائن ..وإذا بثنيات النفس البشرية لشخوصه تنزاح عن الوشائج الممتدة بين هذا السلوك الفردي وثديه الاجتماعي.. ..دافعا القارئ إلى القول: إن لهذه العدوانية الممارسة على طريق شهريار مذاقا عراقيا.. ومدحرجا هذا السؤال:أين النقطة التي تتوقف عندها مسؤولية السلطة التي انتقت اسم شهريار للشارع ، لتبدأ منها مسؤولية المجتمع التي يفضحها الطابع الجماعي للسلوك الممارس على القطط العابرة ؟ ..

تجوس في أنحاء العمارة النفسية لمجتمعات عربان المنطقة ،فتجد تحت الاستبداد السياسي المداميك التي يرسي عليها قلاعه كلما انهارت لهذا السبب أو ذاك ..

رغم ذلك تجد من يقف في وجه الأديب عندما يميل لفتح نوافذ الأقبية التي تحبس العفونة.

فعلى الأديب الذي يود أن يتناول تجربة تضع على رأسها يافطة تقدمية أن يغرف فقط من ذاك القاموس الذي و ضعته مؤسسات غامضة، تبسط سيطرتها على كل شيء : السياسة و الثقافة و الأمن و فن مقارعة الإمبريالية . و أن يتقيد في لوبانه وراء الخبايا بخريطة تقيه من الزلل. و تمسكه عن نبش غير المرغوب نبشه. فلكلٍّّ

وقته المناسب وفي العجلة الندامة و أي ندامة !!.

“ترى هل ضبط غالب قلمه على إيقاع تلك الإشارات المتواقحة بالتدريج و المغمسة بكثير من الامتيازات المتربصة لاصطياد اسم كغالب هلسا ؟”

يضع غالب لروايته ثلاثة عناوين فرعية ليسكت الأسئلة الملتبسة التي يثيرها العنوان الرئيسي. هل هي ثلاث وجهات نظر تلك التي تقولها الرواية في بغداد ؟ أم أن الزمن الذي تغطيه الرواية يغطي أجيالاً ثلاثة من عمر عراق ما بعد الاستقلال ؟ …. أم ؟ ….

( من خلال عيون مصرية – كوميديا الأسماء – زحف الغابة ) هذه هي العناوين الفرعية. وبادئ ذي بدء يمكن فوراً طي صفحة الاحتمال الثاني… جزئياً على الأقل .

فالرواية تغطي زمنا هو شطر من عمر البعث في السلطة.. و لكنه الشطر الأهم لكونه المفصل في حركة صعود و هبوط لبرجوازية ريفية صغيرة عراقية أسلست بعد لأي للبعث عنانها السياسي.

و لكن هذا يبدو كمناورة حول السور الخارجية لمدينة. نريد اقتحام حياتها الداخلية. و لعل وقفتنا هذه تشبه إلى حد كبير و قفة الروائي نفسه في الصفحات الأولى أمام بغداد..

” لن نحكي عن ذلك العهد الذي قطعه غالب على نفسه أمام بغداد الصامتة . و لا عن ذلك الحلم – الواقع الذي عاشه غالب للحظات في ذلك الشارع. فمن يستطيع أن يأتي إلى بغداد و لا يحلم ؟ سيكون التاريخ – استعادته وإعادة صياغته – هو موضوع حلمه. و لعل أحد أسباب امتناعنا هو أن غالب قد عاش حلماً آخر مناقضاً تماماً لهذا الحلم. و ذلك عندما دعي إلى حفلة . أو اعتقد أنه دعي . كل ما نستطيع قوله هنا إن الشارع – بدا له في صمته العريق يحتبس قهقهة طويلة مرحة جداً ” ( ص 16 )

و ْضع الأفكار المسبقة على الرف . و التدقيق فيما وراء العناوين العريضة . هذا هو مشروع غالب الذي يصبح الآن بعد إنجازه لروايته مشروع مقاربتنا هذه ، يصل غالب إلى بغداد عند نقطة انغلاق الدائرة لتجربة وهبها نصف عمره . كان عنوانها الرئيسي جمال عبد الناصر . تجربة استهلكها الصراع العربي – الإسرائيلي و لفظت أنفاسها عند زيارة ( أنور السادات ) الشهيرة إلى القدس .

و لعل سفر غالب إلى بغداد هو نوع من محاولة لاجترار التجربة. و لكنه بالقطع ليس تكرار حرفياً لرحلته المبكرة من قريته الأردنية إلى مصر الخمسينات. فلا غالب بغداد هو غالب القاهرة. و لا بغداد نهاية السبعينات هي قاهرة الخمسينات تماماً. ولكنه المؤمن يلدغ ثانية رغم جميع الاحتياطات … أو لعلها الرغبة في عدم استهلاك الحياة على الهامش ، والوصول إلى القبر و صول المتعب . و لقد و صل غالب مبكراً رغم أن في العزيمة متسعا. و لقد عاهد غالب نفسه كما هو واضح في المقطع الآنف .و كان العهد استجابة غامضة لبقايا الألم الذي خلفته اللدغة الأولى …ولكن كيف للمرء أن يخرج من جلد مؤهلاته الفطرية و المكتسبة ؟ لذا يمكن اختصار غالب و تجربته في كلمتين ( المثقف و السلطة ) و لئن كان في هذا الاختصار تكثيف أكثر من اللازم يشوه بعض ملامح الصورة، فإنه مفيد لجهة منع النفس من الجري وراء هذا الانطباع الزائف أو ذاك..

ولقد نكص غالب عن حرفية عهده منذ الأيام الأولى ..إذ سرعان ما ” سارت الأمور في تتال متوقع و مريح . انتهت بسيارة مرسيدس /220/س وقفت أمام الفندق البائس الذي يسكنه ، فحمل ملابسه القليلة ،وسارت به السيارة إلى فندق فاخر ليصبح ضيفا على الحكومة العراقية ” (ص33)

تصوغ الحياة اليومية المفارقات و تدحرجها في درب المثقف المدجج بالايدولوجيا وبالأحلام وبالنوايا الطيبة .فتثقل حركته ..ويناور ..وتهبط درجة الرؤية إلى تحت الوسط .ويغيم هذا الهدف أو ذاك.فتتنقح المشاريع وربما الأفكار تحت ضغط مجرياتٍ يصعب التقاط سلمها الموسيقي قبل فوات الأوان ..

تجر الرغبة غالب لتبرئة الذمة أمام صغار الكسبة (القاعدة الاجتماعية لليساري العربي بالمصطلح البعثي )

فيحوك هذا الحوار المبطن بالسخرية من واقع الحال :

–الجماعة..يعني الحكومة ..زي منت شايف ..

قال الشاب بتردد : اشتغلت ؟

قال : لا ..لا..أنا ضيف الحكومة ..ما هو بصراحة أنا مش حلاق..يعني أنا ماقلتش ..

–حضرتك يا بيه اشتغلت سواق؟

–قال غالب بنفاذ صبر: لا لا أنا ضيف الحكومة، أنا صحفي..كاتب يعني..

–وشعر غالب أنه أطال فقال: عن إذنك

–فقال الشاب بصوت قوي استغرب غالب صدوره منه: اتفضل يابيه ..اتفضل يابيه ” (ص34)

ينتهي عند هذه الصفحة الفصل الأول من الرواية وعنوانه ( من خلال عيون مصرية ).. و لعلنا هنا نستطيع تلمس مغزى الوجوه الثلاثة لبغداد … فالوجه الأول تصنعه العمالة المصرية في العراق . و هي عمالة من الكثافة بحيث تفرض حضورها على المشهد العراقي. و لقد كان غالب عملياً حين بدأ في تقليب هذا الجزء من صفحات العراق الحديث . و لعل الحوار المجتزأ أعلاه يكشف على نحو كاريكاتوري هذا الجدار الذي ينتصب بين العمال و بين من يفترض أنه المعبر عن قضاياهم ( المثقف اليساري )… فالحوار يصل إلى طريق مسدود عند النقطة التي يدرك فيها أحدهما صنعة الآخر.

” اتفضل يابيه …. اتفضل يابيه ” هي مسك الختام لمشروع حوار متعثر بين فئتين من البشر، شرعت في تصديرهما مصر إلى العراق على نحو كثيف بعد سقوط الناصرية : العمال و الانتلجنسيا اليسارية …

” شارك غالب في بعض النشاطات الثقافية، و لكنه لم يحقق المشروعات الكبيرة التي كان يحلم بإنجازها شرب البيرة في…. و تحدث عن المساواة بين المرأة

والرجل، فنالت آراؤه موافقة جماعية، و لكنها قللت من احترام الآخرين له. قال آراء في الحياة الاجتماعية اعتبرها السامعون نكاتاً، و قال نكاتاً اعتبروها آراء. أزعجه هذا الخلط فحاول أن يشرح فاعتبروه ظريفاً جداً فانتهى الأمر به إلى اليأس ”

يضيء هذا المقطع التصويري ورطة المثقف اليساري المركبة … انه يود أن يقول …و يود أيضاً أن تلقى أقواله آذاناً صاغية … و ها هي السلطة لأسبابها الخاصة تمنحه الفرصتين… و لكنه لا يشعر بالارتياح .

فهو يلمس من المفارقات التي تخلفها أقواله بين كوادرها أن هؤلاء غير معنيين بشيء مما يقوله. وأنهم بصيغة ما، يأخذونه على ( قد عقله ) أو في أحسن الأحوال يتعاملون معه كمهرج يثير المرح و الدهشة أكثر مما يبعث على التفكير. و هذه محنة خاصة تصنعها للمثقف اليساري السلطات الممهورة بطابع تقدمي .

فهي تحتاجه كزينة، وهو يحتاجها لكي يصل إلى الجمهور لأنها المحتكرة وسائل الوصول إليه. ولكنه يتململ، و يشعر بأنه يلوث نفسه، و أنه بحاجة ماسة للهرب إلى أقرب حمام. ” أما شارع سيد سلطان علي و الأصدقاء الذين – التقاهم في الليلة الأولى فقد كانوا في خياله ذكريات حدثت في مكان آخر …”

ثم دعي غالب إلى حفلة أو خيل إليه أنه مدعو. وكانت فرصة لرؤية بغداد الأخرى ،. بغداد الحلم – الأسطورة ، كما تصنعها ألف ليلة وليلة والأغاني . بغداد التي يتوارثها الموسرون، تشارك في اللعبة، لعبة الغواية. تمنحها مسحة الحداثة- التي طالت نظام العمارة- قدرة إضافية على ممارسة هذه اللعبة مع الأديب –المثقف ..ولكن غالب الممارس الفذ لحلم اليقظة ،يعيد بناء الحي –البيت العريق ” يغرس له جذورا عميقة في الأرض –أقبية وسراديب –يصنع له حوشا داخليا كحوش المسافر خانة في القاهرة . وشبابيك ضيقة عالية بزجاج معشق …وتضع حواجز للصوت ..ما ذا ينقصك !! فكل تكنولوجيا أحلام اليقظة في خدمتك “..يصبح حلم اليقظة أداة معرفية لردم الفجوات والانقطاعات التي يقف أمامها العقل الأعلى حائرا –فتتصل خيوط التاريخ ببعضها – فإذا الاستحواذ على الجمال أينما حل – في المرأة ، في العمران ، في تلاعبات الطبيعة بالألوان والأحجام – خيطا يضم أصحاب السلطة منذ فجر التاريخ. تشهد على ذلك المدونات واللقى الأثرية ..

—-

(في الحفلة أو كوميديا الأسماء ) وهي الفصل الثاني للرواية، والوجه الثاني أيضا لبغداد: يأخذ حلم اليقظة مداه. يتمطى ويمد قدميه داخل تخوم العالم الفيزيائي. تذوب الحدود الفاصلة ..وتتقمص شخصيات أحلام اليقظة هذا الدور الواقعي أو ذاك. إلا أن غالب هنا وهناك يتابع تسليط منظاره النقدي على عمارة السلطة. رغم غياب الممثلين الحقيقيين ( فالحفلة لم تكن رسمية ، وإلا فأين كبار المسؤولين والحراس اللذين يقفون على الباب . والسيارات التي يجلس سائقوها خلف مقاودهم !!)(ص40)

إلا أن التعرية لا تقف عند الممثلين الرسميين للنظام السياسي، بل تذهب أعمق نحو الشريحة الاجتماعية التي يغرس فيها النظام قدميه..ومن ثم إلى العمارة العقلية للمجتمع .. رحم الله القائل : كما تكونون يولى عليكم ..

في تربة ثقافة التغريب بشقيه : الماضوي –الحداثوي ، ينغرس الاستبداد السياسي ..فالمرأة مساحة للاستحواذ . يتبدى ذلك في سلسلة الأوامر التي يصدرها رأس النظام، نزولا إلى الكوادر ( سلوك مدير المكتب المسيحي ). وصولا إلى المواطن العصري ( زميل غالب في السكن ).. رموز بدلالات متنوعة تنوع المفاتيح المتحكمة بالعمارة الثقافية للعراق الحديث. بل لعرب هذا القرن .. الدين والتقاليد والحداثة.ثلاث مساحات متلاصقة، تصنع ميدانا فسيحا للروائي المتمكن من صنعته ليصول فيها ويجول. ولعل الرواية فيما أثارته من ردود أفعال عند الجمهور التقدمي من القراء تكشف كم لامس غالب الجزء المسكوت عنه في الخطاب ألتغييري العربي عموما والعراقي خصوصا ..

بل أن اتهامات طالت الهوية الدينية الموروثة لغاب هلسا تناثرت من بعض الأقلام في معترك نقدي هبط به بعضهم إلى درك الإسفاف (المرأة في أدب غالب هلسا هي توق المسيحي للاتصال بالمرأة المسلمة) ..لقد أفسحت ردود الأفعال التي استجرتها الرواية لغالب أن ينقل المعركة التي خاضها داخل دفتي روايته – وهي بالمناسبة نوع من السيرة الذاتية- إلى الواقع الثقافي المعيوش خارجها. فبرهن بالملموس على مصداقية عمله الأدبي ودقة تمثله لما هو عليه الحال في اجتماعنا النائم على الضغائن المركبة….ولعل نقطة تفوق هذه الرواية شدة مذاقها العراقي..

إن قدرة غالب على الانغماس حتى الذقن في التجربة تقف وراء كل هذا الفوح بطعم المكان ورائحته التي تعبق من معظم أعماله. فالطابع المصري أو الأردني أو العراقي لا يسهل فقط التقاطه من قبل القارئ، بل يتحول هذا الطابع إلى مناخ يتنفسه القارئ. فيخلق لديه هذه العلاقة الحميمة التي تنشأ بين المرء و حالة صدق.

ولقد كان غالب في معظم أعماله الروائية وفيا لهذا العهد الذي أخذه على نفسه: أن يتركها وقلمه على سجيتهما..فبقي يمارس الحياة ويكتب عنها بنفس الدرجة من الاستغراق والتلقائية .ولعل هذا ما يجعل من مسألة صوابية هذا المسلك لغالب، أو تلك الرؤية المنفذة على الورق شيئا ثانويا بالقياس إلى الاحترام الذي تفرضه تلك العفوية و وذاك الصدق مع النفس اللذان التزم بهما غالب الممارس للحياة وغالب الكاتب .ومن البديهي أن الذي اختطه لنفسه في الحياة وفي الكتابة سيخلق حوله الكثير من الأعداء.ولعل غير المتوقع فقط أن يتواجد الأعداء داخل الخندق الذي انحاز غالب إلى القتال منه.ولكنها تعقيدات المشهد العربي !!.

—-

فوق كوميدية الأسماء –الوجه الثاني –يطفو هذا المعنى.. . يقف القاموس الماركسي فارغ اليدين حيال الحاجة للمصطلحات والمفاهيم اللازمة للتقرب معرفيا مما يجري في العراق، بل والمنطقة عموما…تختلط الأيدي التي ترفع اليافطات الثورية.. وتمتد حالة الخلط إلى اليافطات نفسها .فإذا البداوة ترطن بالماركسية.. وإذا الحدود بين الشيعي والشيوعي تتلاشى…يتكور الخطاب السياسي الحديث على نفسه ليحتضن القبائل والعشائر والأفخاذ..وفي هذه الزحمة يضّيع المراقب المدقق لما يجري رأسه ..بل انه تحت ضغط الانتماءات المتراكبة : يفقد اسمه ..تختلط الملامح، يصبح ما يجري كابوس يقظة مديدا..

—-

وكما عودنا غالب الكاتب، تحتل قضية الجنس حيزا كبيرا في أدبه.هل هي عزوبته المزمنة ؟يصعب فصل المرء عن تجربته الخاصة.. لعل هذا التوتر الجنسي الذي احتل معظم أحلام اليقظة لديه، وليد للاستنفار الذي يعيشه اللوبيدو عند العازب،و الذي تضعفه عادة مؤسسة الزواج. إلا أن غالب يوظف حالته الشخصية( كعازب مزمن ) لكشف المزيد من طبقات البنية السيكولوجية للشرق العربي. والتي تحتل فيها قضية الجنس موقع سيخ الشواء ..وهو إذ يتنطح لهذه المهمة ، يتسلح بطاقة هائلة من الصدق.

يعيش المثقف العربي اليساري الهوى محنة عقلية دائمة ، هو أشبه بحقل تتناهب غباره ريحان متعاكستان : عقلانية الغرب من جهة ،والمساحات التي يحتلها الموروث من حقله النفسي –الفكري .والمثقف غالبا ما يتعب فيجنح للمصالحة .وككل مشروع للمصالحة تحتل لغة التكاذب حيزا مهماً فيه.وفي لغة التكاذب عادة تخضع المفردات المستخدمة لرقابة صارمة لئلا ’تفشل مفردةٌ طائشةٌ المشروع.وهكذا فإن الرقابة تزرع مخفرا متقدما داخل عقل المثقف ..

هل أفلت غالب من هذه المحنة ؟….أجيب بلعم.. على طريقة أبي عمار..ولعل بيئة غالب المسيحية قد ساعدته في ذلك..فلا شك أن البيئات المسيحية في الشرق أبدت ممانعة اقل لثقافة الغرب الوافدة .ولذلك فإن قدرة غالب على طرد مخفر الرقابة هي أكبر بما لا يقارن ..ولهذا فإن غالب عندما اقترب من مسألة الجنس في الاجتماع العربي، كانت لديه شجاعة الجراح في مواجهة ما تثيره شفرة المبضع من مخاوف…وكم يشبه الصراخ الذي أثارته رواية غالب في بعض الأوساط العراقية، ذاك الذي يرافق دخول أحد الأقارب غرفة العمليات.فغالب اقترب بمبضعه من المحرمات العزيزة على السيكولوجيا العربية الإسلامية.

–“مش عارف تنام؟

–مش قادر.قلت: ليش ما تمارس العادة السرية؟

أخذت عيناه ترمشان دون أن يقول شيئا. قلت : أعتقد أنها رايح تريح أعصابك شويه .جربها

قال بصوت شاك نحيل لم يكن صوته الطبيعي : قريت أنها مضرة للمعدة وللعيون.

كلام فارغ اعملها مرة واحدة في اليوم . وبعدين امسك لك كتاب واقرأ فيه لحتى تنام.

قال أن القراءة تجعله عصبيا . فقلت له أن عليه أن يجرب العادة السرية إذن.فقال (طيب) وأخذ يصعد لأنني حكيم وأنا أدخل المكتب أنني حكيم جدا فلقد قدمت خدمة غير تقليدية لإنسان محتاج إليها” (ص 101).. مشهد آخر يتكرر في أكثر من مكان في الرواية وعلى نحو أقل كوميدية من المقطع الآنف –مشهد اللواط داخل السجن: العادة السرية –اللواط مع الأطفال –مع الحيوانات –ثلاثة أشكال يمارس عبرها اللوبيدو العربي التنفيس عن حالة الاحتقان التي يعيشها .رغم ذلك ينجح غالب في إضاءة نقطة تمفصل السلطة السياسية مع الوضع الراهن للمرأة العربية المختصرة إلى جنس فقط .

يتحول رجل الأمن تحت ضغط الحرمان الذي هو ضحيته ووسيلته في آن إلى ( حثالات مكبوتة جنسياً ) تجوب الشوارع لتمارس على أبسط أشكال الحضور الأنثوي في الحياة العامة رهابها .

” حكى لي أحد الأصدقاء أن رجال الأمن قادوه و زوجته إلى قسم الشرطة، أثبت لهم أنها زوجته بإبراز البطاقة العائلية. و لكنهم طالبوه أن يثبت أنه لم يطلقها بعد. و لقد عرفت بخبرتي أن دوافع هذه العلاقات هي رغبة رجل السلطة بالاستئثار بالنساء ” (ص139)

إلا أن هذه ليست حال رجل السلطة فقط، بل هي جزء من التكوين النفسي للرجل في الشرق ” فقد أجلس مع أحد الزملاء في الكافتريا . سوف أجده دمثاً . و قد يصبح مرحاًَ في بعض الأحيان. ثم أراقبه حين تجلس فتاة معنا . إن إنسانا جديداً لم أكن أتصور وجوده يتشكل أمام عيني. أراه وقد تحول إلى شخصية عدوانية. تود أن تمزقني و تستولي على الفتاة. الفتاة لا تخصني ولا توجد أي إمكانية لاستيلائي عليها و لكنه لا يستطيع أن يتصورها إلا غنيمة لمنتصر” ( ص139).. و لا يخفي غالب تحيزه إلى المرأة في الحيز الضيق الذي حشرها فيه المجتمع. إلا أن هذا التحيز لا يتحول إلى موقف أيديولوجي يفقر الرواية لجهة رحابة القضايا التي يمكن أن تتناولها. بل إن الأيديولوجيا لا تكاد تظهر عندما تقترب الرواية من النخبة السياسية الحاكمة في بغداد. السياسة و المرأة و التقاليد تتشكل من نسيج المشهد. لا هي مقحمة عليه و لا هي مضاءة على نحو مبهر يفقد اللوحة عفويتها.

في الوجه الثالث لبغداد ( زحف الغابة ) تستطيع علاقة حب أن تتحدث بعفوية عن أهم ما يجري في بغداد أواخر السبعينات. مناورات السلطة لابتلاع أهم حلفائها – الحزب الشيوعي العراقي – مكر الثعلب في البداية، ثم قسوة و دناءة الضبع في النهاية. و بين هذين التمظهرين : الضحية بضعفها ، و قلة حيلتها ، و سرعة تصديقها ..” هناك صراع داخل السلطة بين مجموعة يسارية و أخرى يمينية . و المجموعة الأولى يقودها و يجسد أهدافها السيد النائب … و هذه المجموعة تمثل اتجاهاً ماركسياً لينينياً بالتحديد …و هو يعمل بدهاء شديد لتغليب الاتجاه اليساري …. و انه سيتقدم في اللحظة المناسبة و يضرب ضربته رافعاً راية الماركسية اللينينية …” (ص162)

قراءة تضع بينها وبين المادة المقروءة حجابا سميكا من الرغبات تفوح بها على نحو يصدم أنف الأدبيات اليسارية.

أما السيد النائب فسيوجه لاحقا ضربته… ولن يكون الحزب الشيوعي العراقي وحده من يتلقى نتائج هذه الضربة بل العراق ………..والمنطقة..

في زحف الغابة وهو عنوان دلالي تجوس الكاميرا على مهل لتلتقط صورا مقربة لعراق يغرق في كابوس مديد…….. يزحف الكابوس كسحابة ثقيلة منذرة بالعواصف….. ولقد تتالت..

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق

Share This