أوروبيّ خالص يفيق على الكارثة

يتمحور تقديم تسفايج للتصور العام السائد في أواخر القرن التاسع عشر وبدايات القرن العشرين أي قبل الحرب العالمية الأولى، حول فكرة التقدم الغربي وكيف كانت هذه الفكرة مغرية وجذابة أشد الجاذبية، فالإيمان بالعقل وقدراته على خوض غمار العالم ومغالبته كانت بلا حدود، وبدا كل شيء زاهياً مشعاً تحت أنوار العقل (العقل الأوروبي تحديداً دون أن يقول تسفايج ذلك)، وأن مستقبله يأخذ منحى تراكمياً باتجاه تحقيق وعود التقدم والتقنية دون أن يخطر بالبال أن ثمة خطراً كامناً يتربص بأوروبة وأهلها نتيجة الاعتماد المفرط على العقل ونتيجة التعنت والتصلب في مواجهة الطبيعة. ويقدم فيينا، مدينته، بصورة مشرقة، بهية، كأنها فردوس سماوي على الأرض يحلم أي مثقف بدخوله، حيث الحياة اليومية والعادية فيها متخمة بالحفلات الموسيقية والمسرحية ووصلت الحياة الفكرية والثقافية فيها إلى الذروة من ناحية الانتاج والتلقي الثقافيين، ففيها يتفاعل الكاتب والقارئ عبر الكتاب والجريدة والمسرحية بشكل لا يحلم به أي كاتب اليوم. ولأن الأمر على هذا النحو جاءت ردة الفعل الشعبية والثقافية على علائم الحرب العالمية الأولى حماسية وانفعالية تتغزل ببطولات الجنود والانتصارات العسكرية وتدعو إلى الانخراط فيها بحمية لا تدع مجالاً لأي تساؤل حول معناها وجدواها وأثرها على الناس، وصار كل من يتساءل عن جدواها يُعَّدُ ضعيفاً مائعاً. وما إن بدأت الحرب وانفتحت أبواب الجحيم فيها على مصراعيها ومع انتشار الدمار والتخريب وارتفاع عدد القتلى، استفاق الجميع من حلم البطولة ووهم الانتصارات الزائفة واتجهت الأبصار والآمال والجهود إلى محاولة احتواء نتائجها الكارثية. استمر الكابوس أربع سنوات خرجت فيها أوربة منهكة ولكنها أكثر نضجاً ووعياً، ولذلك كان فرويد حاضراً في مذكرات تسفايج سواء من ناحية الصداقة الشخصية التي ربطت الرجلين أو لكونه مفكراً قدم تبصرات مذهلة في طبيعة النفس البشرية وما تخفيه في لاوعيها من نزعات تدميرية، (وإن تم تفصيل ذلك في السنوات اللاحقة وخاصة غريزة الموت)، كانت الحرب أبرز تجلياتها. طبعاً كان فرويد مع نيتشه وماركس من أبرز المفكرين الذين عكروا على الأوروبيين إيمانهم الزائف بأنوار العقل، مع رؤيتهم للتصور الكالح للوضوح البورجوازي الذي يدعيه التقدم والذي يُروَجُ له أوروبياً.

تسفايج الأوروبي، بوعيه وانتمائه الفكري، كان يستغرب أن تتقاتل الشعوب الأوروبية فيما بينها، فشعوب أوربة يجب أن تتوحد معاً تحت سماء مشتركة وعلى أرضية واحدة من التنوع الخلاق الذي يتماشى مع فكرة التقدم الحقيقي، الخلاق وليس الزائف، ولكن أثبتت السنوات اللاحقة أن الأمثولة لم تكن مفهومة بالقدر الكافي ولا الوعي العام كان كافياً ليدرأ نُذُرَ حرب أخرى لاحت علائمها في الأفق، هي الحرب العالمية الثانية، ولم يستطع الكثيرين قراءة دلالات وإشارات نمو وتصاعد الحركات النازية والفاشية المتطرفة في إيطاليا وألمانيا، قراءة صحيحة وخاصة في النمسا بلد تسفايج، وما بدا عَرَضاً من أعراض الحياة السياسية المتأزمة، مثَّلَ لاحقاً كابوساً أثقلَ على كاهل الجميع ومنهم تسفايج الذي شعر مبكراً بخطورة هذه الحركات على مستقبل أوربة، فهي التعبير الأكثر وحشية عن تفجر اللاعقلانية في المجتمع، وجاءت الحرب الثانية لتثبت ذلك تماماً، وهذه المرة ستكون المرارة مضاعفة واليأس هائلاً لأن معطيات هذه الحرب الجديدة أضافت بعداً جديداً لم يكن سابقاً بهذه القوة المفرطة، فتسفايج الكاتب النمساوي اليهودي والمعروف على نطاق واسع لم يعتقد يوماً أنه سيحاسب على يهوديته وأنه سيطارد ويلاحق وتحرق كتبه لاعتبارات تتعلق بمعاداة السامية التي طالما تغنت بها الحركات النازية في ذلك الحين. وهو المعروف بنزعته الإنسانية وميله إلى السلام وابتعاده، بل نفوره من السياسة لم يجد أمامه أمامه من مهرب من السياسة التي لاحقته رغماً عنه لتؤكد له مدى ابتعادها عن قيمه الفكرية والأدبية التي مجدها دائماً وتغنى بها. لم يكن له أن يرى نهاية الحرب العالمية الثانية إذ قضى منتحراً مع زوجته في البرازيل، انتحارٌ أراد به أن يعبر عن نفاد صبره مما جرى يجري.

يشرح تسفايج كيف أن الظروف المتبدلة والمتحولة الني تواجه الكاتب قد تضعه أمام خيارات صعبة وقاسية ومصيرية لا يجد أمامه في مواجهتها بشجاعة ونبل سوى حياة التشرد والهجرة، وكانت هذه الحالة سمة المثقفين والكتَّاب الأوروبيين بين الحربين، اريك اورباخ، جيمس جويس، يونغ، توماس مان وغيرهم كثير، ولكن الخطر الذي يواجهه يقدم له من جهة أخرى حريةً وتبصراً تجاه نفسه ومجتمعه، ومغادرة المرء وتركه لكل ما هو أليف خلفه يحول بينه وبين مشاعر الأسى والخذلان ويمنحه القوة والتماسك ليتفوق من خلالها على نفسه وعلى الظروف المحيطة به: “إن هذا التدَّرُب على المؤقت بقيت أراه خطأً أعواماً عديدة. ولكن عندما أرغمت ثانية فيما بعد على مغادرة كل البيوت التي أنشأتها، ورأيت كل ما حولي ينهار، تبين لي أن غريزة عدم الارتباط الملغزة هذه قد كانت عوناً لي. فاكتسابه المبكر قد هوَّن علي كل خسارة، وكل مغادرة”.

حياة أدبية غزيرة عاشها تسفايج، كتب فيها الشعر والفلسفة والرواية والِسيَر الشخصية، زادها غنىً وتنوعاً بالصداقات العميقة التي ربطته بكبار كتاب عصره ومفكريه، مثل فرويد وريلكه ورومان رولان وجيمس جويس ورودان ومكسيم غوركي وغيرهم، وقدم عن بعضهم صورة خلاقة للمفكر المبدع، وبرأيه أنه كلما كان الكاتب عظيماً كلما ازداد ميله للبساطة والعمق على الصعيد الشخصي وعلى صعيد العلاقة مع الآخرين، هكذا كان الحال مع النحات رودان مثلاً، وكذلك ريلكه ورومان رولان وغوركي. قراءاته الأدبية الغزيرة وإطلاعه الواسع على مختلف المدارس الفكرية والأدبية وعلاقاته الشخصية، انعكست بطريقة ما في أسلوب كتابته الذي جاء متقداً ومندفعاً تتسابق الجمل والعبارات فيه أمام عين القارئ وتحمله بخفة إلى حيث الألوان والحياة بكل أطيافها عبر لغة أدبية فيها المجاز والوصف والاقتصاد في التعابير ودقة التحليل والاطلاع الواسع، ما يدفع القارئ إلى الاستمتاع بكتبه والاقبال عليها دون تردد أو حذر والحال كذلك مع كتابه “بُناة العالم” بجزئيه، حيث يقدم صورة رفيعة عن أدبه هو، من خلال قراءته المتأنية لأدب مجموعة من الأدباء، دستويفسكي، تولستوي، هلدرلين، ديكنز وغيرهم، ما يعكس صورة عامة عن طريقة كتابته وأسلوبه في معظم كتبه.

في كتابه “عالم الأمس” كان تسفايج أوروبياً خالصاً بهواجسه واهتمامه بقضايا عصره ومفكريه وسيرهم الشخصية فأوروبا هي العالم والعالم هو أوروبا، حتى عناوين بعض الفصول تشي بذلك، “باريس مدينة الشباب الأبدي” “أبعد من أوروبا” “ضوء وظل فوق أوروبا” “في قلب أوروبا” “العودة إلى النمسا”، ولذلك كانت دهشته كبيرة وخيبته عظيمة أمام تتالي حربين عالميتين، هما في حقيقة الأمر، حربان أوروبيتان، دون أي رادع أو مانع فالتطاحن والإفناء الذي رآه بأم العين، قد يُفسر جزئياً انتحاره، وهو الذي نفد صبره مما رآه وعايشه. أوروبا حاضرة في كتابه مع غياب شبه كلي لحدائقها الخلفية وأقصد المستعمرات، غيابٌ ليس مبرراً وإن كان وقتها دارجاً دُرجة ليست نزيهة تماماً في مقاصدها وغاياتها عند غيره من الكتّاب.

عالم الأمس”

تأليف: ستيفان تسفايج

ترجمة عن الإنكليزية: عارف حديفة

إصدار: دار المدى – دمشق

الطبعة الأولى: 2007

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق

Share This