صراع

كنا جالسين في ذاك المقهى عند التقاطع في نهاية الشارع وكان الملل يحاصرنا،نرتشف القهوة والصمت معاً.

أردت أن أقتل حالة الصمت السائدة في المكان كله أو هكذا بدا لي المشهد،تكلمت،أخبرتها أننا (أنا وهي) من المعذبين في هذه الأرض ، أنا أبحث عن حبيبة لأحبها ولم أجد ، وأنت تبحثين عن حبيب.

تأخر الرد الإيجابي قليلاً وكأنها كانت تعود من الشرود،كان ردها مغلفاً بابتسامة ساخرة عهدتها في لقاءاتنا السابقة كثيرة العدد.

غيرت وضعية جلوسها ونادت النادل لتطلب فنجاناً أخراً من القهوة،اعتقدت أنها ستتكلم وستندمج في الفكرة،لكنها وكعدتها تجاهلت الأمر وعادت لتغوص في أفكارها الخفية.

الصمت من جديد يخيم على المكان،المقهى شبه فارغ إلا مني ومنها ومن زبون لم يكف منذ وصوله عن اغتصاب علبة السجائر التي بين يديه.

الجميل في هذا المطعم،وهذا ما يدفعني إلى الجلوس فيه،أنه دائماً فارغ،يعيش في حالة فراغ مشابهة لحالتي ولحالة تلك الصامتة المجاورة لي.

لم أدخل حرباً من قبل،ولم أحمل أي سلاح منذ ولادتي،ولكنني في هذا اليوم كنت أخوض حرباً ضد الصمت،أردت كسره بأي شيء…

نطقت من جديد موجهاً ذخائري(كلماتي) باتجاه الصمت ونحوها،أخبرتها عن صديقين شاب وفتاة كانا يعيشان في فراغ عاطفي،يبحثان عن حبيب يملأ حياتهما…كان الشاب هو المبادر لإيجاد حل فبسط أمامها حبه،كان صادقاً على ما أعتقد،والفتاة كانت سريعة التجاوب معه فكان ردها إيجابي وصادق.

رفعت رأسها ونظرت بي،سارعت لاغتنام الفرصة وأخبرتها هدفي من هذه القصة،دعوتها للتماثل بالشابين،فنحن نشبههما في الحاجة إلى حبيب والصداقة بيننا طويلة….

رغم أن الصمت كان مخيماً منذ البدء،إلا أن صمت اللحظة وبرودها لم يشبه أي لحظة سابقة.

نظرت إليّ ثم نظرت إلى النادل الذي يقف عند الباب مستجدياً الزبائن،ثم رمقت مغتصب السجائر القابع في الطرف الأخر من المقهى،وعادت إليّ…

كانت لحظة لا نحسد عليها،لم أمر من قبل بلحظة مشابهة.

بلى مررت ولكنها تشبهها في الشكل وليس في الإحساس،حين أطلب زيادةً على أجري يحصل الشيء نفسه،عينا المدير تتخبطان في جدران مكتبه وأنا أقف كاللوح منتظراً رده…متمنياً الإيجاب،والآن أجلس منتظراً الجواب نفسه.

تنظر في رأسي،ربما كانت تنظر في شعري تحديداً،لا أعرف،وبدأت تتحدث،لا لم تتحدث كانت تتلعثم فقط،فلم أستطع ربط أي كلمة قالتها بكلمة أخرى…

من جديد عاد الصمت،ولكن هذه المرة بطعم الانتظار والتشويق!

كأن “الماتر” قد أحس بشيءٍ ما،فجاء ليسألنا إن كنا نحتاج شيئاً،نحن الزبائن شبه الوحيدين المداومين في هذا المقهى،لذا من الطبيعي أن يسعى لراحتنا لـألا يخسر أخر الزبائن…كنت أهرب من الموضوع،لكنني عدت أتحسس صعوبة الموقف،رأيتها إلى جانبي من جديد.

تغيرت ملامحها قليلاً،عيناها كانتا أكثر اتساعا،وثغرها أيضاً…كنت أنظر إليها بلا ملل وكأنني أستمتع بحيرتها وبحريقها الداخلي البادي في عينيها،لكنها تكسر حبل نظراتي حين تنظر إليّ من جديد معلنةً عودة الكلام.

قالت لي أنها”لا تعرف” كيف ستستطيع تغير ما اعتادت عليه،اعتادت عليّ كصديق وليس كحبيب (وما الفرق؟) والتغير هنا مشكلة بالنسبة إليها،حاولت أن أمتص شحنة الكهرباء التي انتشرت في المكان عبر ابتسامة وإدعاء أن ما طرحته فعلاً يشكل مشكلةً يتجاوز حجمها مشكلة دارفور والشرق الأوسط و المشروع النووي الإيراني وتأمين الغذاء لأطفال الصومال!!

أردت أن أخبرها بأنها تهزي،بأنها لا تجيد الكلام،بأنها كانت سخيفة جداً في ردها ولكنني لم أفعل.

فهمت القصد من كلامي وأكثرت من لفظ كلمة “ما بعرف” كانت تهرب إليها تنزلق على ظهر الميم وهي فرحة وتصعد الألف لاهثة لتكتشف الهوة الكبيرة بين رأس الألف والسطر لتعود لتكرر اللفظ.

عادت لتكرر هواجسها مرةً واثنتين وثلاثا وفي كل مرة تبدأ وتنتهي بكلمة “ما بعرف”،كنت أنظر في فنجان قهوتي حين وقفت وقالت مترددة “بدي وقت تفكر،بشوفك بعدين” وخرجت… لم تنتظر ردي.

في صغري كنت أضحك من أصدقائي الموضوعين على لائحة الانتظار،كان القلق يبين على وجههم،كرجل ينتظر زوجته في المستشفى وهي تلد للمرة الأولى،والآن أقف في وسط هذا الموقف،فهل هناك داعٍ لأضحك؟

المقهى فرغ تماماً إلا مني ومن النادل،حتى مغتصب السجائر قد رحل،طلبت وقتاً للتفكير ولكنها لم تحدد فترةً زمنيةً محددةً…وهذا ما زاد من صعوبة الأمر.

الانتظار..ليست بكلمة غريبة عن الحياة الإنسانية،فنحن منذ ولادتنا ننتظر موتنا،نخلق لنموت بعدها،وحتى قبل الموت،كل تفاصيل حياتنا قائمة على الانتظار(قائمة على فعل انتظر)،ننتظر الطعام لنأكل،نتائج الامتحانات،الأجر،تسارع العمر…وهكذا،أي أنني الآن في داخل مرحلة الانتظار الطبيعية من حياتي.

بعد فنجان قهوة آخر،فكرت في الحب،ما هو الحب؟ وكيف حصل وأن طلبت فجأةً حبها؟أيعقل أن يكون إله الحب؟..

يعتقد الإغريق أن إلهاً طائراً على شكل فتى جميل يدعى “أيروس” يحمل في يديه قوساً وأسهما ذهبية للحب وفضية للكره،وهو إله الحب،يطلق أحد أسهمه نحو البشر فيتولد في نفوسهم الحب أو الكره!قد يكون في هذا المكان “الموبوء” ملاكاً للحب،لم يجد سواي يطلق عليه رصاصة الحب،التي تحيي وتميت في الآن معاً.

رحت أبحث في صناديق ذاكرتي عن مفاهيم قرأتها للحب،فلقد قرأت عن الحب والعشاق لجبران خليل جبران ونزار قباني والياس خوري وباولو كويلو ولكنني لم أفهم يوماً معنى الحب ولم أجربه،عثرت على واحد لابن حزم يقول فيه موضحاً مفهوم الحب:”دقّت معانيه لجلالتها عن أن توصف،فلا تدرك حقيقتها إلا بالمعاناة”.

تقمصت شخصيتها لكي أضحك ضحكتها الساخرة التي لطالما استفزتني بها،تذكرت قولاً أخر لطاغور الهندي:”الحب والفن نسيبان،فكلاهما لا يشرح”،ركز الاثنان على صعوبة شرح الحب وإيجاد مفهوم واضح له…فعدلت عن التفكير به!

قررت الخروج من المقهى،وخاصة أن النادل لم ينفك عن التحديق بي،لكنني عجزت،ثقل جسمي،كأنني كنت ثملاً،مع أنني لا أكثر من الشرب حين أشرب-وهي مرات قليلة ونادرة-ولكن قد تكون هذه ثمالة الحب…!

تخيلت نفسي يالو في الرواية التي تحمل اسم الشخصية نفسها لـ إلياس خوري،وخاصة أنني أجلس في مقهى الآن،تخيلت نفسي ألحق بها في كل مكان لكي أقول لها أنني أحبها،أحدثها دائماً عن حبي لها،أخيفها (بكل نية حسنة) كي أؤكد لها حبي ولكي تحبني،أنتظرها أمام البيت والعمل،أخطفها ليس لرغبة جنسية،لكن لكي تكون لي وحدي،لكن الفرق بين يالو وبيني كبير…اشتممت رائحة البخور!

فكرت في والدتي و فرحتها عندما تعلم أنني مقدم على الزواج،بعد أن فشلت في إقناعي مراراً بضرورة الزواج على طريقتها التقليدية العتيقة،تخطى عمري الآن التاسعة والعشرين،زاد إدراكي مع الوقت،أيقنت من تجارب شاهدتها و قرأتها أو سمعت عنها،أن الزواج ليس فقط لممارسة الجنس،كما تخال أمي،وأنني بزواجي سأرزق لها بحفيد يحمل اسم عائلتي “الكريمة”،الجنس هو أحد فصول الزواج (الأقل أهمية ربما)،ولكنه ليس الوحيد،هناك “الحب”،التفاهم،الاستمرار،الانسجام أو بمعنى أخر الزواج النفسي.يستطيع الإنسان بسهول إقامة علاقة جنسية ولكن الصعوبة تكمن في التزاوج النفسي،وهذا الشق من الزواج(الأكثر أهمية في نظري) لا يأتي من فراغ،لذلك أرفض نساء أمي.

نسبياً قد حسمت أمر موافقتها من دون الاستناد على أي دليل! تذكرت بذلك أحد معارفي-أقاربي،الذي يصل به حد الثقة في النفس إلى ترداد كلمة “حسمتها” عند نهاية كل فكرة،ثقتي بنفسي ليست كبيرة،وهذا ما جعل مني رجل خردة مرمي في إحدى المجلات المحلية التي لم يسمع بها إلا العاملين فيها،رغم تنبؤ الكثيرين بمستقبلي الباهر…!

يدخل شابان إلى المقهى فيبعدون عيون النادل عني،بعدما أرهقتني نظراته وشلت تفكيري ومحفظتي،فكأنه ينظر إليّ ليجبرني على طلب المزيد.

فكرت في الحياة السعيدة المتفاهمة التي سأحياها معها وعدد الأولاد الذي سنرزق به والمنزل الذي سنسكنه وعن دفاعي عنها واحتضان عواطفي لرقتها…لكنني تذكرت أمراً في غاية الغرابة،رغم أنني أعرفها منذ أكثر من خمس سنوات،لم أنتبه يوماً إلى أنها من دين مختلف عن ديني الأم،أو لنقل لم أعطي الأمر أهمية تذكر،أما الآن فيشكل هذا الاختلاف عاملاً خطِراً على مستقبل علاقتنا ففي لبنان لا يوجد قوانين مدنية للأحوال الشخصية،بل هي مرتبطة بالمراجع والمؤسسات الدينية فالزواج بين شخصين ينتمون إلى دينين مختلفين لا يتم إلا في انتقال أحد الطرفين إلى دين الآخر(!!)،وبعيداً عن ذلك ماذا سيكون رأي عائلتي وحتى أهلها في موضوع علاقتنا!

نستطيع الزواج في قبرص كما يفعل العديد من الأشخاص،فأنا غير متأبط في ديني،ولكن هل نستطيع الزواج من دون الأهل وموافقتهم؟

تخيلت نفسي يوسف في رواية “كوابيس بيروت” لغادة السمان،الذي قتل أثناء الحرب الأهلية خلال عبوره مع حبيبته (التي هي من دين مختلف عنه) شوارع منطقتها،تخيلت نفسي مكانه ومعها أعبر شارع منزلها في زمن الصراع الذي نعيشه،تخيلت نفسي أموت أمامها،وأموت لأنني مختلف دينياً عنها أو عنهم،أموت لأنني قاسمتها نفسي وحبي وروحي دون النظر في اختلافنا الجميل هذا(على ما يدعي منظرو الكيان اللبناني)، حينها سأقاسمها جسدي أيضاً…

إنها تمطر في بيروت صيفاً! استفقت من كابوسي على صوت الماء المتساقط من أعلى المبنى الذي يتواجد فيه المقهى،سخرت من الحياة والنفاق،بيروت حاضرة العرب الأولى وواجهتهم إلى العالم،ترمى فيها مياه المنازل على الطرقات،ليس ذنب بيروت بالطبع،إنها عقلية بشرية متخلفة-متخشبة حتى لو وضعتهم في أرقى المدن!

ما زلت أنتظر،ولكن ماذا أنتظر؟ لم تقل لي أنها عائدة إلى هنا،لم تخبرنِ عن المكان أو الزمان لكي أحصل على الرد،وبالتالي فبقائي هنا ليس ذو جدوى تذكر…أعرف أنني غداً سأحصل على الجواب حين ألقاها في مبنى المجلة..لكن إلى أين أذهب الآن؟ لا أريد أمي كي لا أسمع “سنفونيتها” المعتادة ولا أجد صديقاً مناسباً لهذه اللحظة وحتى التجوال في هذا الحر ليس صحياً،لذلك سأبقى في المقهى..

هل أحبها؟هل أحببتها فعلاً؟ أم أنها محاولتي الأخيرة قبل أن “أعنّس”-على ما تقول أمي- كالنساء؟أهي تلك الخشبة الصغيرة الذي استنجد بها الغارق في عرض البحر(أي أنا) لكي ينقذ نفسه!

منذ ولادة الوعي في عقلي وأنا أحارب من يدعي الحب،أتهمه بالسخافة والترف،في المدرسة وفي الجامعة ولاحقاً في الحياة المهنية والاجتماعية كنت أسهب في شرح “الحب” على أنه كلمة استهلاكية أبتدعها الروائيون والشعراء ليبيعوا منتجاتهم،أسأل الطرف الأخر في النقاش:ما هو الحب؟ لا يجيب،أنهي النقاش لصالحي! ماذا لو أتى شاب مغفل وطارحني الآن في أمر الحب وأراد تفسيراً له،فماذا أقول؟

لقد وقعت في شباك المجهول،وقعت بين يدي جزارٍ لا أراه ولكنني سمعت عنه وفيه الكثير وأحس به..الحب هو المجهول،إنه كالله لا نعرف عنه شيئاً سوى أنه موجود،نسأل لا جواب،نناقش بسفسطائية أمره ولا نصل إلى نتيجة سوى أننا ندور في الإطارٍ ذاته ولكننا نستسلم -في نهاية الأمر- لهما.

حين شابهت بين الله والحب عادت بي الذاكرة إلى قصيدة كنت قد قرأتها لنزار قباني بعنوان”بيروت والحب والمطر”يقول فيها:”إن الحب في بيروت مثل الله في كل مكان”… هل بيروت اليوم حقاً مدينة للحب،أم أنها مدينة للموت و مدينة أشباح!

ما زلت أنتظر،ولكن ماذا أنتظر؟أفكاري تأخذ بي إلى أبعد الحدود لتعيدني لاحقاً إلى هذا المقهى الفارغ الرخيص،أنه مقهى الفقراء،في الرصيف المقابل لهذا المقهى وقبل أمتارٍٍ عدة من الوصول إلى هنا يوجد مقهى ومطعم يرتاده الأثرياء فقط، فأسعاره باهظة جداً،دخلته مرة واحدة وندمت!

رواد المقهى الذي أقبع فيه يزدادون الآن ولم يلحظ أحد منهم وجودي،كأنني ذبت في جدرانه أو كأنني أصبحت قطعةً منه،أعتقد أنني قرأت يوماً ما عن الاندماج في المكان، ما عدت أذكر.

مضى على رحيلها الساعة وبضعة دقائق،والصمت الملائم للتفكير قد كسرته ضوضاء الزبائن الجدد،لذلك عليّ الرحيل الآن.

لملمت أغراضي المنثورة على الطاولة ،عدد من الأوراق ،قلم وهاتف،وطلبت فاتورة الحساب وخرجت…

على الرصيف المواجه لمقهى الأثرياء رن جرس هاتفي،كانت هي تطلب لقائي،فاتفقنا أن نلتقي هنا!

عدت إلى مجلسي من جديد،والقلق والفرح،يتخابطان في قلبي! والصدمة ظاهرة على وجه النادل…يفصلني عن قدومها،دقائق معدودة..والدقائق هنا تحولت لسنوات…من جديد تساءلت عن حقيقة حبي لها وعن رغبتي الفعلية بها،كنت حازماً وحاسماً في قراري،عليّ المضي قُدماً،لأنني لن أجد فتاة أقرب منها إلى قلبي ونفسي وعقلي،فهذه الفتاة صاحبة الثلاث والعشرين عاماً تلميذتي على أية حال،فعندما قدمت برفقة والدها الذي توسط لها للعمل معنا في المجلة منذ خمس سنوات وهي لا تزال طالبة جامعية في كلية الإعلام،توليت بنفسي تدريبها ومراقبتها وإرشادها،ومن حينها ونحن “أصدقاء” ودقائق قليلة قد نصبح “عشاقا

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق